العولمة والتّحدّي المُنتظر
بقلم أحمد جعدي … الناظر إلى النسيج الاجتماعي والتركيبة البشرية بتسارع حركيتها وتصدّر سقف طموحاتها، والمتأمل إلى مختلف الأزمنة المرافقة بتقلباتها، وإلى الأجيال المتعاقبة وتحدياتها، قد تراوده أسئلة تستدعي أجوبة واعية واستشرافا دقيقا وتنفيذا سريعا لا يقبل التأجيل، حفاظا على الهوية من زحف مهول مسّ مفاصل عديدة لها الأهمية الكبيرة في التحصين من أجل التمكين.
هل مستوى الوعي بالأخطار وضرورة إعداد الإنسان متمكنة من الفاعلين في حقول التربية؟
وكيف هو حال التواصل والتخطيط في الواقع مقارنة بما تخطه الأقلام ويسرده التنظير؟
وماهي آليات إعادة لم ذلك الشرخ الذي أخذ في الاتساع بين جيل الورقنة وجيل الرقمنة؟
تحديد معالم التحدي
هي تساؤلات أجوبتها تحدد لنا بدقة عناصر الهوية والتحدي المنتظر لمجابهة سيول جارفة، وبناء جدار الصد بين المكتسب من إرث الأجداد وبين الزاحف بلاهوادة ليغير من ملامح الفسيفساء والمسمى بالعولمة.
خطر العولمة وتسارعها
العولمة التي إن لم نسبق خطواتها بخطوات ستداهم وقد تهدم ما بُني على حين غفلات، إن لم نعدّ الأجيال ونؤسس فيهم المناعة وندربهم على تمحيص محتوى الروافد القادمة من منصات ومن خلال تلك الجلسات في الخلوات، بمتابعة المؤثرين والصفحات والتواصل مع مختلف المحتويات والأفراد من شتى البلدان .
تعريف الهوية ومكوناتها
من المعلوم أن الهوية هي مجموعة من العناصر المشتركة التي تميز أمة عن غيرها، وتمنح الأفراد شعوراً بالانتماء والفخر، وتتشكل عبر التاريخ لتشمل الثقافة، اللغة، والقيم، ولو تصفحنا تاريخ وطننا المشرف عبر العصور الغابرة لتجسدت معالم هويتنا في ديننا الإسلام والعربية والأمازيغية .
صمود الهوية عبر التاريخ
وفي مقابل هذه العناصر التي عمل الأجداد على بقائها والمحافظة عليها قائمة شامخة وموحّدة بما ضمّته من تاريخ وثقافة و تقاليد، يحكي تفاصيلها وطن عاش للعزة وللإشراقات على كل الربوع داخليا وخارجيا.

العولمة كتهديد مباشر
أقول مقابل هذه الكنوز التي صمدت في وجه كل دخيل، ظهرت العولمة لتشكل تحدياً كبيراً لهوية مازالت صامدة وستظلّ بإذن الله تعالى، هوية صامدة في وجه عولمة عجّت بها الساحات من خلال ما تبثه وتنشره ثقافيا وفكريا عبر بوابات عالمية مفتوحة على مصراعيها.
آليات تأثير العولمة
من خلال الإغراء ودخول أعماق العقل والوجدان وتصدّر زخم محطاتها الثقافية والدينية، مما قد يُسْهم في إضافة ألوان شتى، وقد تمنح بعض الجرعات تخالط محاليلها رحاب اللغة، وقد تخوض في التاريخ المشترك
و الذاكرة الجماعية التي تربط أفراد المجتمع، وتحاول التسلل إلى الثقافة والعادات والتقاليد، وبكمها الهائل وسهولة التلقي لدى من لا تحصين له تتغير النظرة إلى القيم، والمعايير الاجتماعية المتوارثة وتصنيفها من طرف المهلهلة أفكارهم في خانة أكل الدهر عليها وشرب. قد تخوض العولمة في الدين والعقيدة، و تلعب دوراً مركزياً في هوية العديد من الشعوب، فيجد بعدها اصحاب النوايا الخبيثة مرتعا وبيئة تساعدهم على نفث سموم فكرهم المتطرف.
بين التهديد والفرص
ومن كل هذا فتأثير العولمة على الهوية الوطنية يكون من خلال عدة اتجاهات، تتراوح بين التهديد والفرص، تهديد يهد الأوصال القيمية وفرص بما تحمله من كم هائل يساعد أهل الهمة على الأخذ من لبّها مالا يتعارض مع الجذور الوطنية.
التأثير على الثقافة والسلوك
ويتمثل التهديد ايضا بمساهمة العولمة في انتشار ثقافة استهلاكية عالمية قد تُضعف الخصوصيات الثقافية المحلية والعادات والتقاليد، وتظهر في لباس او قصات شعر أو سلوكات غريبة او طريقة كلام وانتشار مصطلحات قد تكون ممحاة لكل ما هو أصيل .
خطر هيمنة اللغات الأجنبية
ومن المقلق أيضا غلبة أهل الإنتاجات التقنية والصناعية بحيث تكتسح لغتهم ومصطلحاتهم مختلف الواجهات فتفرضها على حساب اللغات الوطنية.
فجوة الأجيال
وهذا ما يؤدي إلى ذوبان الأجيال الناشئة في محاليل قيمٍ وعادات عالمية، مما يشكّل فجوة بين الأجيال وضعف الارتباط بالموروث الثقافي.
تأثير الوسائط الرقمية
ومما تجدر الإشارة إليه، تأثير الوسائط الرقمية وانتشارها وهوس السواد الأعظم بها لاسيما الناشئة باعتبارها حجر الزاوية لنهوض الأمة قد يؤثر كثيرا على همّة الأجيال مستقبلا إذا أدخلهم دهاليز الإدمان الإلكتروني ، إذا كانت العولمة سريعة في ترك الأثر إضعافا لمقومات الهوية أو تقوية لها فعلى الفاعلين أن يكونوا على أهبة الاستعداد و الوعي والمرافقة والاستعمال الأنجع لكل وسيلة والتعامل الإيجابي مع كل المواقف بما يضمن الحفاظ على مقوماتنا وعلى العقل والدين وأن لا يكون الولع بالغالب مطية للانصهار في محاليله صافية أو ملوّثة ..
التعامل الذكي مع العولمة
التذكير بسلبيات العولمة لا يعني الانعزال، بل يعني “التعامل الذكي” معها للحفاظ على الخصوصية الثقافية وتطوير القدرات التنافسية.
المسؤولية المجتمعية
المسؤولية تقع على كل مواطن شرب ونهل من وطنه هواء وتاريخا وأصالة، وكل من موقعه عليه واجب التفكير في الأجيال القادمة إذ كل زهور المستقبل في البذور التي نزرعها اليوم.
التخطيط والاستراتيجيات
بوضع خطط قابلة للقياس والتقييم والتقويم ضمن أهداف قريبة ومتوسطة وبعيدة على الفاعلين تعزيز الأمن الثقافي والهوية، بالحماية والمعاصرة ضمن الأطر التي تحافظ على إرث الأجداد وتتأقلم وتتكيف مع الحاضر،
الابتكار وبناء البدائل
بالتجديد والأصالة، ومن الواجبات أيضا استحداث بدائل بإقامة مشاريع رائدة ومشجعة منذ الطفولة بإنجازات بسيطة في مستواهم، تنمي فيهم روح التطلع للمستقبل، إلى غاية وصولهم مرحلة الشباب الاستمرارية لا ينطفئ وهجها بخلق فرص الإبداع ضمن لمسات وطنية وأبعاد تتعدى الحدود لتعزيز الإنتاج المحلي.
بناء جيل مؤثر
التحفيز والمرافقة والدعم كي يكونوا الصوت لا الصدى، يؤثرون ولا يتأثرون.
الوعي الثقافي والتوازن
يقفون وقفة الحكمة والذكاء الواعي أمام كلّ ثقافة وافدة والتعامل معها بحذر، وإعداد الجيل وتأهيله ليكون ذلك “المواطن العالمي بامتياز” متمسكاً بجذوره، يقف في موقع يعج أملا وإيجابية وقيما وأصالة والنظرة إلى خطوط الأفق المشرقة.
تطوير التعليم
ومن اللبنات الأساسية أيضا، مواكبة البرامج التعليمية وتحيينها حسب المستجدات والتحولات العالمية والإقليمية والوطنية، مع التركيز على
غرس القيم منذ نعومة الأظافر، إضافة إلى غرس الثقافة والتربية الإعلامية، بحيث يكتسبون آليات التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، والتربية الأسرية والمدرسية لها باع كبير ومهم في هذا الخصوص وهذا لإكساب الطفل مهارة التمحيص والتفكير الناقد والقدرة على التمييز بين الصالح والطالح .
بناء المستقبل
المرافقة الواعية والمصاحبة الهادفة وزرع القيم والتأسيس المضبوط لمواجهة سيول العولمة بمشاريع وبدائل يدرك من خلالها النشء أهمية حسن إدارة الوقت واستغلاله في المنافع والفكر النيّر حتى يكون الوطن زهرا لا يذبل وجبلا شامخا لا يختلّ.
Share this content:



إرسال التعليق