أين ترياق النجاة؟؟؟
بقلم: رشا حافظ…. موضوعي اليوم من الموضوعات الإنسانية التي أصبحت تمس بيوتًا عديدة، وربما انتشر في السنوات الأخيرة بشكل كبير، ولكني لن أتحدث عنه كموضوع أحلله أو قرأت عنه كثيرًا وأود الحديث عنه، ولكن سأتحدث عنه كأم عاشت وعانت منه مرارًا لسنوات طويلة، وإلى الآن المعاناة لم تنتهِ. موضوعي عن مرض السرطان. ربما أستطيع أن أنقل تجربتي بما تحمله ليس فقط من معاناة، ولكن من رسائل موجهة لكل أم مريضة سرطان في بداية اكتشافها المرض، نابعة من تجربة عشتها بنفسي، لعلها تستفيد منها، ولعلنا نبحث سويًا عن ترياق النجاة من هذا المرض اللعين.
حياة طبيعية قبل المرض
فمنذ ست سنوات كنت كأي امرأة عاملة، يومي ما بين عملي وواجبات منزلي وأبنائي، أهتم كثيرًا، وربما كان من أهم أولوياتي مستواهم العلمي وتحقيق نتائج ممتازة في دراستهم.
فابني الكبير كان رياضيًا يعشق كرة القدم، متفوقًا دراسيًا، يتمتع بحسن الخلق بشهادة الجميع، وأيضًا يتمتع بصحة جيدة.
ابن بار وذكريات لا تُنسى
وعلى غير العادة، برغم أنه ولد، كان يعشق الأعمال المنزلية منذ صغره. لن أنسى ذلك اليوم الذي جئت فيه من العمل مجهدة جدًا، وكان يومًا شديد الحرارة، وكان هو في سن الرابعة عشرة، فأجده بمجرد وصولي أحضر لي كأسًا من عصير المانجو المثلج، وطبقًا به اثنان من سندوتشات البرجر مع البطاطس الساخنة.
كم كانت سعادتي البالغة في تلك اللحظة حين شعرت أولًا ببره الشديد وحبه لي، ثم شعرت بالشبع والارتواء، فحمدت الله كثيرًا ودعوت له.
ذلك الابن البار الذي كنت أعتبره صديقًا لي، وهو كذلك، وكان يتمتع بالأدب والأخلاق الرفيعة بشهادة الجميع كما قلت سابقًا.
بداية التغيرات السلوكية
بدأت في سن الرابعة عشرة سلوكياته تتغير؛ ينفعل كثيرًا بشكل غير مبرر، وبدأت أنا كأي أم أقوم بالتوجيه واللوم وأحيانًا الخصام كرد فعل لصوته المرتفع في بعض الأحيان، فكنت أجده لا يبالي بالخصام، وانفعاله كان يزداد، وعصبيته أصبحت مفرطة على أقل الأشياء، فقلت لنفسي ربما لأنه في سن المراهقة، وهذا وضع طبيعي يحتاج إلى المتابعة.
تصاعد القلق مع مرور الوقت
ولكني لاحظت أنه عندما كنت أعاقبه بالخصام كان يتجنبني بالفعل، ولا يحاول أن يصالحني أو يتودد لي، برغم حبه الشديد لي، ولكنه كان ينفعل على إخوته أيضًا بشكل كبير، إلى أن وصل إلى سن السابعة عشرة.
بداية الأعراض الجسدية
وفي صيف دخوله الثانوية العامة، وهو عام تحديد المصير كما يقولون، وبدأ في دروسه قبل الدراسة الرسمية بالمدارس بشهرين، وكان ابني كما ذكرت متفوقًا، يحبه أساتذته لأدبه وتفوقه العلمي، ويتوقعون له أعلى الدرجات، وكان حلمه وقتها أن يكون طبيب أسنان. بدأ الدراسة بجد واجتهاد من البداية، ولكني بعد مرور شهر واحد من بداية دروسه ومذاكرته واستعداده للعام الدراسي الجديد وجدته يشعر بصداع شديد، خصوصًا في الصباح عند استيقاظه من النوم.
تفاقم الحالة الصحية
تطور الموضوع فأصبح صداعًا لا يُحتمل، وكان يخبط رأسه في الحائط من شدة الصداع، فقلنا ربما من السهر أو ضغط المذاكرة، فإذا به يقوم من نومه في الصباح يتقيأ دون أن يفطر.

محاولات علاج أولية غير كافية
فقلت ربما برد، فأعطيته كعادتي بعض الأدوية التي تنفع للبرد وللصداع، فأنا لا أذهب للطبيب في مثل هذه الأمور (برد – صداع – قيء) إلا إذا تجاوز الموضوع الحد المعقول، وأتعامل بالأعشاب والعلاجات المنزلية لتقوية المناعة فقط.
رحلة البحث بين الأطباء
فإذا بالموضوع استمر ثلاثة أيام متصلة، فذهبت به إلى الطبيب، وكنت لا أعرف بصراحة أي تخصص ألجأ إليه، فقررت أن أذهب إلى طبيب باطني، فأعطاني بعض الأدوية وموعدًا لإعادة الكشف في الأسبوع المقبل. فأخذ ابني الأدوية، فإذا بالتعب يشتد، فذهبت به إلى تخصص آخر، طبيب أنف وأذن وحنجرة، وأيضًا أعطاني عددًا من الأدوية وموعدًا للإعادة، فلم يستجب ابني للعلاج، فكنت أغير الطبيب وأغير التخصص أملًا في معرفة سبب الصداع المبالغ فيه والقيء اليومي بمجرد أن يستيقظ من نومه، ثم بدأ القيء باستمرار بمجرد أن يأكل أي شيء.
علامة الخطر: ازدواج الرؤية
فكنت في حالة جنون، لا أعرف سبب كل هذا، برغم كل هذا العدد من الأطباء وهذا الكم من الدواء، إلى أن حدث له يومًا، بعد مرور حوالي ثلاثة أسابيع من بداية ذهابنا إلى الأطباء ورحلة البحث عن العلاج، حدث له ازدواج في الرؤية، ففجأة أصبح يرى كل شيء كأنه اثنان.
الصدمة الكبرى
فذهبت به لطبيب عيون، فبدوره أعطاني قطرات، فلم أقتنع بهذا الطبيب، فقرر والده أن يذهب به إلى طبيب عيون مشهور في بلد تبعد عنا مسافة كبيرة، نظرًا لسمعة هذا الطبيب الطيبة وتميزه في مجاله.
وبالفعل ذهب به إليه، وكان عندي الأمل الكبير في أنه سيشخص له مرضه ويعطيه بعض الأدوية وينتهي الأمر، ولكن في نهاية يوم طويل رجع ابني وزوجي، وأثناء إعدادي الطعام لهما، ومنذ اللحظة الأولى من دخول زوجي البيت وجدت ملامح الحزن الشديد عليه، ولكنه لم ينطق بكلمة، فقررت ألا أسأله أمام الابن، وحين فرغ ابني من طعامه وتوجه إلى غرفته، سألت زوجي بصوت يحمل الخوف والرجاء: ماذا قال لك الطبيب؟
فأجاب وقد انهمر في الدموع: ابنك عنده ورم في المخ.
رد الفعل والبحث عن الحل
لا أستطيع أن أصف مشاعري وقتها، ربما لم أشعر بشيء، فأصبحت كالمغيبة، برغم أنه لم يكن لدي العلم الكافي بالمرض ومراحله، ولكن سبحان الله، تلك الأم التي كانت تبكي وتسد أذنيها عند سماع صراخ أطفالها حينما يأخذ أي منهم حقنة وهو صغير، لم تبكِ ولم تصرخ، ولكن قلت له: وماذا سنفعل؟
بداية رحلة العلاج
وهنا جاء دور الأهل والأصدقاء الذين حاولوا بعد معرفتهم أن يدلونا على طريق البداية، فبدورنا حملنا حقائبنا في ساعات معدودة، وتوجهنا إلى العاصمة، وفي نفس ساعات وصولنا ذهبنا إلى مستشفى السرطان، وحجزنا لكشف في الصباح الباكر، وبالفعل دخل ابني المستشفى بعد الكشف مباشرة، وقاموا يومًا كاملًا بكافة التحاليل والأشعات، وقرروا كمستشفى سرطان بعمل عملية استئصال للورم وتركيب صمام لصرف المياه الزائدة على المخ، عملية مدتها 16 ساعة.
رسائل ونصائح من قلب التجربة
وهنا، قبل استكمال القصة، أود أن أتوقف قليلًا.
من خلال تلك الفترة الصعبة، وبعد مرور كل هذه السنوات، أود أن أقول لأي أم كتب الله عليها أن تمر بهذه الرحلة:
في البداية، وخلاصة تجربتي، أنه عندما أذهب بابني للطبيب ولا يؤتي العلاج بثماره، لا أتوجه لطبيب آخر، بل أقوم بعمل أشعات؛ فالأشعة هي صورة واضحة تُظهر ما يعانيه الشخص، وتساعد الطبيب على التشخيص المؤكد والسريع والواضح.
فلا تفعلي ما فعلته وتضيعي الوقت في البحث عن أطباء مختلفين وتخصصات مختلفة لتجدي العلاج، بل توجهي فورًا لعمل الأشعات اللازمة، فهي التي سوف تحدد بدقة وسرعة ما يعانيه الشخص من مرض.
أهمية التشخيص المبكر
أيضًا أرجوكِ، حين يمرض ابنك، فلا تستهيني وتقولي ربما برد، ربما من صداع من استخدامه الموبايل. أرجوكِ، نحن في زمن انتشرت فيه الأمراض، وبعدنا عن الطبيعة في مأكلنا ومشربنا وحتى في هوائنا، فلم نعد كالسابق، بكأس من ليمون أو نعناع نعالج كثيرًا من أمراض أبنائنا.
فسرعة التوجه للطبيب والتشخيص والكشف المبكر تساعد كثيرًا في الشفاء وسهولة رحلة العلاج، وسأوضح ذلك تفصيلًا في المقالات المقبلة من خلال تجارب الأمهات التي أقمنا سويًا ليالي وأيامًا في المستشفى على مدار تلك الرحلة، في تلك الأوقات التي حجزنا بها لجلسات الكيماوي وغيره.
اختيار مكان العلاج المناسب
النقطة الأخرى التي أود التأكيد عليها هي سرعة التوجه للمكان المناسب للعلاج، ولا بد من إيجاد البدائل، فلا أنتظر في قائمة انتظار مكان بعينه إذا كانت قائمة الانتظار طويلة، فسرعة تلقي العلاج مهمة جدًا في تحقيق نسب شفاء مرضية.
تكلفة العلاج وأهمية الدعم
أيضًا لا بد أن تتوجهي أيتها الأم إلى الأماكن الحكومية والمدعومة، فعلاج مرض السرطان مكلف جدًا، فلا بد أن تختاري مكانًا له سمعة طيبة، ويتلقى فيه المريض العلاج مجانًا أو بأقل تكلفة، لأن التكلفة، وللأمانة، لا يستطيع تحملها حتى الأغنياء.
أهمية المتابعة والاستمرارية
كما أن المتابعة المستمرة تعتبر من أساسيات العلاج، فابحثي من البداية عن مكان سيكون ملجأ لكِ ولابنك لسنوات، ربما تقيمين به أكثر من منزلك، فلا بد أن يكون مريحًا، غير مكلف، ويتمتع بسمعة طيبة وخبرة في ذلك المجال، حتى لا تضطرين لتغييره في منتصف الطريق.
رسالة صبر ومسؤولية
ربما يحمل كلامي بعض القسوة، ولكن لا بد أن تعرفي أنها رحلة قدر الله أن تمري بها، ومسؤولية لا بد أن تتحمليها برضا وثبات ومعرفة ووعي كبير.
ختام مفتوح للأمل
وللقصة بقية، لاستكمال تفاصيل الرحلة بما فيها من معلومات وخبرات وتجارب كثيرة، ربما تساعد في توضيح وتسهيل بعض الأمور لمن يبدأون هذه الرحلة التي، بإذن الله تعالى، تنتهي يومًا ما بالشفاء.
Share this content:



إرسال التعليق