الأمن الإقليمي

الجزائر تبني نموذج أمني إقليمي متكامل في الساحل والمتوسط

بقلم: الدكتور محمد الصالح جمال

أستاذ جامعي وباحث في الشؤون الأمنية

تعكس التحركات الجزائرية الأخيرة في المجال الأمني، كما برزت من خلال مداخلة المدير المركزي لأمن الجيش العميد عباس إبراهيم بتاريخ 6 أفريل 2026 بالعاصمة الليبية طرابلس، خلال مشاركته في مؤتمر قادة الاستخبارات العسكرية لدول الساحل والمتوسط لسنة 2026، توجّها استراتيجيا متقدما يقوم على الانتقال إلى منطق الإسهام الفعّال في دعم وتعزيز الأمن الإقليمي. هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق العام الذي تعيشه منطقة الساحل والمتوسط، حيث تتقاطع التهديدات التقليدية مع تهديدات أخرى مستجدة، في ظل هشاشة مؤسساتية وتنامي الفواعل غير الدولاتية، إلى جانب تصاعد تأثير التحولات الدولية على البنى الأمنية الإقليمية.

 

مقاربة شاملة للتهديدات

في هذا الإطار، تعمل الجزائر على تكريس مقاربة أمنية شاملة، تتجاوز المعالجة الأمنية المباشرة إلى استهداف البنى العميقة المكوّنة والمنتجة للتهديد. إذ لم يعد الإرهاب يفهم كظاهرة معزولة، وإنما كجزء من منظومة معقدة تشمل شبكات الجريمة المنظمة، وتهريب الأسلحة، والاتجار بالمخدرات، والاقتصادات غير الرسمية، والأنشطة غير القانونية مثل التنقيب العشوائي عن الموارد الطبيعية كالذهب. ومن ثم، فإن الجهد الجزائري يتجه نحو تفكيك هذه المنظومات عبر مقاربة متعددة الأبعاد، تجمع بين العمل الاستخباراتي الاستباقي، وتعزيز الرقابة الحدودية، والتنسيق الأمني الإقليمي، إلى جانب المعالجة القانونية والاقتصادية-التنموية، بما يسمح بإضعاف البيئة الحاضنة لهذه التهديدات بدل الاكتفاء بملاحقة نتائجها.

 

تصدير الخبرة الجزائرية

كما تسعى الجزائر إلى تصدير خبرتها المتراكمة في مكافحة الإرهاب، والتي تشكلت في سياق تاريخي معقد خلال تسعينيات القرن الماضي، من خلال بناء شراكات إقليمية قائمة على تبادل المعلومات والتدريب ونقل الخبرات العملياتية. ويعكس هذا التوجه قناعة راسخة بأن أمنها الوطني لم يعد قابلًا للفصل عن محيطه الجغرافي، خاصة في ظل الطبيعة المتداخلة للحدود في منطقة الساحل، حيث تتحرك الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية عبر فضاءات مفتوحة يصعب التحكم فيها بشكل منفرد. لذلك، فإن انخراط الجزائر في دعم الدول المجاورة يندرج ضمن استراتيجية وقائية تهدف إلى معالجة التهديدات في مهدها، وتقليص فرص انتقالها إلى الداخل الجزائري.

 

الأبعاد القانونية والمؤسساتية

وفي جانب آخر، تولي الجزائر أهمية متزايدة للبعد القانوني والمؤسساتي في مكافحة الإرهاب، حيث عملت على تحديث منظومتها التشريعية بما يتماشى مع المعايير الدولية، خاصة فيما يتعلق بمكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال. كما ساهمت في الدفع نحو ترسيخ قواعد دولية تجرّم بعض الممارسات التي شكلت تاريخيًا مصدر تمويل رئيسي للجماعات الإرهابية، كالمبادرة الجزائرية لتجريم دفع الفدية، وهو ما يعكس إدراكا بأن المعركة ضد الإرهاب لا تحسم فقط في الميدان، وإنما أيضا في المجال القانوني والمالي. ويضاف إلى ذلك تطوير أدوات المتابعة القضائية والتعاون الدولي في هذا المجال، بما يعزز من فعالية الاستجابة الشاملة.

 

التنسيق الإقليمي والتحديات

إقليما، تواصل الجزائر دعم وتفعيل آليات التنسيق الجماعي، من خلال تعزيز دور الهياكل الأمنية المشتركة، والعمل على إعادة تكييفها لتكون أكثر قدرة على الاستجابة للتحديات الراهنة. غير أن هذا المسار يصطدم بجملة من التحديات، من بينها ضعف الإمكانيات لدى بعض دول الساحل، وتباين أولوياتها الأمنية، فضلا عن تأثيرات التنافس الدولي والإقليمي على مسارات التعاون. وفي هذا السياق، تحاول الجزائر الاضطلاع بدور محوري يقوم على التوفيق بين مختلف الفاعلين، والدفع نحو بناء حد أدنى من الإجماع الأمني الإقليمي.

 

الدور السياسي والدبلوماسي

سياسيا، يعكس هذا الحراك قدرة جزائرية في إعادة تموقعها كفاعل مركزي في هندسة الأمن الإقليمي، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي أعادت تشكيل موازين القوى، وأفرزت نوعا من الفراغ في بعض مناطق النفوذ التقليدي. ومن خلال هذا الدور، تطرح الجزائر نموذجا قائما على الحلول الإقليمية، وترفض المقاربات الخارجية التي غالبا ما أثبتت محدوديتها، أو ساهمت في تعقيد الأزمات بدل احتوائها. كما تسعى إلى ترسيخ مبدأ “الأمن غير القابل للتجزئة”، الذي يفترض أن استقرار أي دولة في المنطقة مرتبط بشكل مباشر باستقرار محيطها.

 

مدرسة جزائرية لمكافحة الإرهاب

في العمق، يكشف هذا التوجه عن تحول نوعي في العقيدة الأمنية الجزائرية، من التركيز على حماية الحدود إلى إدارة الفضاءات الإقليمية المحيطة، عبر أدوات دبلوماسية وأمنية وتنموية متكاملة. وهذا التحول يعكس نضجا استراتيجيا. في الأخير، يمكن اعتبار ما تقوم به الجزائر اليوم امتدادا لتجربة تاريخية متراكمة، تحولت تدريجيا إلى “مدرسة” قائمة بذاتها في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف. فهذه المدرسة لا تقوم فقط على الحسم الأمني، وإنما ترتكز على فلسفة شاملة تجمع بين الردع والوقاية، وبين المعالجة الميدانية والتفكيك البنيوي للتهديدات. كما أنها تقوم على مبدأ التدرج في استخدام القوة، وإدماج الأبعاد التنموية والفكرية في مواجهة التطرف. ومن خلال سعيها إلى تقاسم هذه الخبرة مع دول الساحل والمتوسط، تحاول الجزائر الإسهام في بناء نموذج إقليمي أكثر توازنا وفعالية، قادر على التعامل مع التهديدات المركبة في بيئة تتسم بتسارع التحولات وارتفاع منسوب عدم اليقين.

 

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق