الجزائر: عملاق طاقوي ذو موقع اقتصادي استراتيجي هام يربط أوروبا بإفريقيا…
الأستاذ الدكتور/ عرقوب وعلي
أستاذ الاقتصاد بجامعة بومرداس
في ظل التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط وما نتج عنه من غلق مضيق هرمز الحيوي، تعتبر الجزائر الملاذ الطاقوي الآمن للدول الأوروبية، حيث أنها بقدراتها الطاقوية من النفط والغاز تعتبر شريكا اقتصاديا طاقويا رئيسيا لدول جنوب أوروبا وعلى رأسها إيطاليا الشريك الأساسي الهام، وإسبانيا، وهو ما يضع الجزائر في موقع تفاوضي قوي.
موقع جغرافي استراتيجي يربط القارات
تعتبر الجزائر أكبر دولة في القارة الإفريقية والبحر الأبيض المتوسط، وهي العاشرة عالميا من حيث المساحة التي تعادل 2.381.741 كم²، كما أنها تعد البوابة الرئيسية لإفريقيا شمالا وقلب المنطقة المغاربية، حيث أنها تتشارك حدود برية وبحرية مع عشر دول، حدود بحرية مع ثلاث دول أوروبية هامة هي إسبانيا، إيطاليا، وفرنسا، وحدود برية وبحرية مع تونس والمغرب، وحدود برية مع ليبيا والنيجر ومالي وموريتانيا والصحراء الغربية، كما أنها تمتد من خط 18.98 شمالا في أقصى الجنوب الجزائري في الحدود الجزائرية المالية إلى خط 38.80 شمالا على الحدود البحرية المشتركة مع الدول الأوروبية الثلاث (إسبانيا، إيطاليا، وفرنسا)، وهو ما يجعلها الدولة الإفريقية الأكثر شمالا وهمزة الوصل بين أوروبا وإفريقيا.
خط أنابيب ترانسميد: شريان الطاقة نحو أوروبا
إضافة إلى تميز الموقع الجغرافي الجزائري، تصنف الجزائر كعملاق طاقوي حيث أنها مورد أساسي للغاز للدول الأوروبية، بداية من خطوط الغاز الرئيسية المتوجهة إلى أوروبا، على رأسها خط الأنابيب عبر المتوسط(TransMed) (يسمى أيضا خط أنابيب غاز إنريكو ماتي)، هو خط أنابيب غاز طبيعي من حقل حاسي الرمل بولاية الأغواط بالجزائر عبر تونس إلى صقلية ثم إلى الأراضي ، ويوجد امتداد لخط أنابيب عبر المتوسط يقوم بتوصل الغاز من الجزائر إلى سلوفينيا جارة إيطاليا الشرقية، بسعة نقل تتجاوز 30 مليار متر مكعب سنوياً، ويمثل هذا الخط الاستراتيجي، الذي بدأ تشغيله عام 1983، حجر الزاوية في واردات إيطاليا من الغاز (حوالي 35%)، مع خطط لتحديثه ونقل الهيدروجين مستقبلاً، تعتمد إيطاليا عليه بشكل حيوي لتعزيز أمنها الطاقي وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، من جهتها تونس تستفيد منه استراتيجياً ومالياً من خلال الحصول على رسوم عبور (إتاوة) تعادل تقريباً 5.25% – 6.75% من الغاز المنقول، تغطي جزءاً مهماً من استهلاكها الداخلي وتدعم ميزانيتها، وتوفر رسوم عبور الغاز الجزائري إلى إيطاليا عائدات مالية هامة للخزينة التونسية، حيث بلغت في بعض السنوات أكثر من 400 مليون دينار تونسي، كما يساهم الغاز المستخلص كـ “إتاوة” في تأمين استمرارية تزويد الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG) بالوقود اللازم، مما يضمن استقرار التيار الكهربائي.
مشروع GALSI: جيل جديد من الربط الطاقوي
سوف يتم تعزيز خط الأنابيب ترانسميد بمشروع خط أنابيب مباشر بين الجزائر وإيطاليا مشروع غالسي (GALSI) هو يمثل الجيل الجديد من خطوط الربط الطاقي بين البلدين، تميز هذا الخط بأنه يربط الجزائر (منطقة كدية الدراوش بولاية الطارف) مباشرة بـ جزيرة سردينيا الإيطالية ثم إلى الأراضي الإيطالية، دون المرور بدولة ثالثة (عكس أنبوب “ترانسميد” الحالي الذي يمر عبر تونس)، وصمم هذا الأنبوب ليكون “مستقبلياً”، حيث لن يقتصر على نقل الغاز الطبيعي فحسب، بل سيُستخدم أيضاً لنقل الهيدروجين الأخضر والأمونيا والكهرباء، مما يعزز دور الجزائر كمزود رئيسي للطاقة النظيفة لأوروبا، يهدف المشروع إلى رفع كميات الغاز المصدرة إلى إيطاليا، في إطار خطة إيطالية لتصبح مركزاً (Hub) للطاقة في أوروبا (خطة ماتي)، وهو بديل مناسب لتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية لضمان أمن الإمدادات، وتلبية الطلب المتزايد في إيطاليا الذي وصل إلى سعي لاستيراد أكثر من 20 مليار متر مكعب من الغاز الجزائري سنوياً.
خط ميدغاز: الرابط المباشر مع إسبانيا
من جهة أخرى، يمثل خط أنابيب “ميدغاز” (Medgaz) الرابط الرئيسي المباشر للغاز الطبيعي بين الجزائر وإسبانيا حيث يربط مباشرة بين “بني صاف” (غرب الجزائر) و”ألميريا” (جنوب إسبانيا) عبر البحر الأبيض المتوسط، بطول بحري يصل إلى 210 كلم، وينقل الغاز من بني صاف بالجزائر إلى ألميريا الإسبانية منذ 2011 بطاقة استيعابية تبلغ حوالي 8-10 مليار متر مكعب سنويًا، تُعد الجزائر من أبرز موردي الغاز لإسبانيا، سوناطراك الجزائرية تمتلك حصة أغلبية (51%) مع شركاء إسبان (ناتورجي وبلاك روك)، وتم رفع قدرته الإنتاجية في ماي 2021، وتجري حالياً مفاوضات لزيادة الضخ بنسبة 10% (من 28 مليون إلى 32 مليون متر مكعب يوميا)، وتمثل الجزائر موردا رئيسيا للغاز لإسبانيا، حيث أنها تغطي ما بين 25-30% من احتياجات إسبانيا من الغاز، مما يجعلها شريكاً طاقوياً حيوياً.
مشروع NIGAL: الجزائر محور عبور الطاقة الإفريقية
تعمل الجزائر إضافة إلى تصدير غازها إلى أوروبا على أن تكون منطقة ترانزيت بين غرب إفريقيا وجنوب أوروبا، من خلال تصدير الغاز النيجيري عبر أراضيها إلى الدول الأوروبية، وهو ما يضمنه مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (NIGAL) هو خط أنابيب إستراتيجي مقترح بطول يتجاوز 4000 كم، ينقل 20-30 مليار متر مكعب سنويًا من الغاز النيجيري إلى أوروبا عبر النيجر والجزائر، بتكلفة تقدر بـ 10-13 مليار دولار، يهدف المشروع لتعزيز التصدير لأوروبا، وتشرف سوناطراك الجزائرية على تنفيذه، يمتد من حقول الغاز في “واري” بنهر النيجر، يمر عبر النيجر (841 كم) وصولاً إلى الجزائر (2310 كم) والشبكة الجزائرية، ثم إلى أوروبا عبر خطي “ميدغاز” و”ترانسميد”، دخل المشروع مراحله العملية، حيث تم إنجاز معظم الشطر النيجيري والجزائري، مع استمرار العمل في شطر النيجر، ومن المتوقع تسريع وتيرته، ويعتبر المشروع كبديل لتنويع مصادر الطاقة لأوروبا، كما يمثل ركيزة للتعاون الاقتصادي بين نيجيريا والنيجر والجزائر، واعتبار الجزائر حجر الزاوية في تصدير الطاقة من إفريقيا إلى أوروبا.
الجزائر وقوة التموقع الطاقوي العالمي
أخيرا، في ظل التطورات الاقتصادية والجيو سياسية التي شهدها العالم تعمل الجزائر على كسب موقع اقتصادي حيوي في الخريطة الطاقوية باستغلال موقعها الاستراتيجي القريب من الأسواق الأوروبية، وبالاستثمار في شراكات استراتيجية مع دول إفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما يتيح لها هامش المناورة ويعطيها قوة تفاوضية مع مختلف الدول المجاورة سواء الضفة الشمالية أو الدول الجارة الجنوبية.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق