مؤسسات العمل المحمي تدخل حيز التنظيم في الجزائر
دخل المرسوم التنفيذي رقم 26-99 المؤرخ في 31 جانفي 2026 حيّز التنفيذ، محددًا شروط إنشاء وتنظيم وسير مؤسسات المساعدة عن طريق العمل، وذلك تطبيقًا لأحكام المادة 31 من القانون رقم 25-01 المتعلق بحماية الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وترقيتهم. ويأتي هذا النص ليؤسس مرحلة جديدة في مسار الإدماج المهني والاجتماعي، من خلال ضبط آليات العمل المحمي وتحديد معاييره القانونية والتنظيمية.
وقد تناولت عدة وسائل إعلام وطنية صدور المرسوم باعتباره خطوة نوعية في تفعيل مضامين القانون الإطار الصادر في فيفري 2025، حيث أبرزت منصات إخبارية جزائرية كبرى أهمية الانتقال من النصوص العامة إلى أدوات تنفيذية عملية تسمح بتجسيد الإدماج على أرض الواقع، خاصة لفئة البالغين الذين أنهوا مسار التكفل بالمؤسسات المتخصصة التابعة لقطاع التضامن الوطني.
ما المقصود بالعمل المحمي؟
يشير مفهوم العمل المحمي إلى توفير بيئة مهنية ملائمة للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة الذين لا تسمح قدراتهم الحالية بالاندماج في سوق العمل العادي. ويستهدف هذا النظام البالغين ابتداءً من سن 18 سنة، ممن يحتاجون إلى مرافقة خاصة لضمان اندماجهم الاجتماعي وتحقيق قدر من الاستقلالية الاقتصادية.
وتتقاطع هذه المقاربة مع ما تنص عليه الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي تدعو الدول إلى اتخاذ تدابير فعالة لضمان الحق في العمل على قدم المساواة، بما في ذلك اعتماد أنظمة العمل المدعوم أو المحمي كمرحلة انتقالية نحو الإدماج الكامل.
قراءة في ما نشرته الصحافة الجزائرية
أجمعت التغطيات الصحفية الوطنية على أن صدور المرسوم التنفيذي 26-99 يمثل استكمالًا للبنية التشريعية الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، خصوصًا بعد صدور القانون 25-01 الذي اعتُبر حينها نقلة في مسار الحماية القانونية.
وأبرزت تقارير تحليلية في مواقع إخبارية جزائرية واسعة الانتشار أن التنظيم الجديد لا يقتصر على الجانب الاجتماعي، بل يفتح المجال أمام مقاربة اقتصادية تضامنية، حيث يمكن لمؤسسات المساعدة عن طريق العمل أن تتحول إلى فضاءات إنتاج حقيقية في مجالات الصناعة التقليدية، الخدمات، الأنشطة الفلاحية أو التحويلية، مع مراعاة طبيعة الإعاقة والقدرات الفردية.
كما أشارت تحليلات صحفية إلى أن المرسوم يحدد بوضوح شروط الاعتماد والرقابة وآليات التسيير، ما يحد من الطابع العشوائي الذي كان قد يطبع بعض المبادرات السابقة، ويعزز الشفافية والمساءلة في هذا النوع من المؤسسات.
أبعاد اجتماعية: من الرعاية إلى التمكين
من منظور اجتماعي، يمثل تنظيم مؤسسات المساعدة عن طريق العمل تحولًا في فلسفة التعاطي مع الإعاقة، بالانتقال من منطق الرعاية إلى منطق التمكين. فالهدف لم يعد يقتصر على توفير تكفل اجتماعي، بل أصبح يرتكز على إدماج فعلي في الدورة الاقتصادية.
وتشير تقارير دولية صادرة عن البنك الدولي إلى أن إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل يساهم في رفع الناتج المحلي وتقليص معدلات الفقر، فضلًا عن تعزيز التماسك الاجتماعي. وفي السياق الجزائري، يمكن لمؤسسات العمل المحمي أن تشكل رافدًا مهمًا ضمن استراتيجية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

فرص استثمارية في الاقتصاد التضامني
لا يهم المرسوم فئة المستفيدين فحسب، بل يهم أيضًا المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين. فتنظيم هذا المجال يتيح إمكانية إنشاء مؤسسات متخصصة وفق دفتر شروط واضح، ما يفتح الباب أمام شراكات بين القطاعين العام والخاص، أو بين الدولة والمجتمع المدني.
بالنسبة لرجل الأعمال الجزائري، يمثل هذا الإطار فرصة للاستثمار المسؤول اجتماعيًا، من خلال إنشاء مشاريع إنتاجية تستفيد من تحفيزات محتملة وتندرج ضمن سياسة الدولة في دعم الفئات الهشة. كما يمكن للخبراء الاقتصاديين النظر إلى هذه المؤسسات كأداة لتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي، خاصة في الأنشطة الصغيرة والمتوسطة.
مسؤولية حكومية ورقابة تنظيمية
من جهة أخرى، يضع المرسوم التنفيذي مسؤوليات واضحة على عاتق السلطات المختصة في ما يتعلق بالاعتماد والمتابعة والتقييم الدوري. وقد شددت التغطيات الإعلامية على أن نجاح التجربة سيظل مرتبطًا بمدى فعالية آليات الرقابة وضمان جودة التأطير والمرافقة النفسية والمهنية.
كما يبرز التحدي المتعلق بتكوين الإطارات المؤهلة للإشراف على هذه المؤسسات، سواء من حيث التأهيل الاجتماعي أو المهني أو الإداري، بما يضمن تحقيق الأهداف المرجوة دون تحويل العمل المحمي إلى فضاء معزول عن الديناميكية الاقتصادية العامة.
انسجام مع المعايير الدولية
على الصعيد الدولي، تعتمد عدة دول أوروبية نماذج مشابهة لمؤسسات العمل المحمي، مع اختلاف في طرق التمويل ونسب الإدماج اللاحق في سوق العمل العادي. وتشير تقارير صادرة عن منظمة العمل الدولية إلى أن أنظمة العمل المحمي تكون أكثر فاعلية عندما تُدمج ضمن استراتيجية شاملة للتشغيل الدامج، تشمل التكوين المهني والتحفيزات الضريبية ومرافقة المؤسسات.
وبالنسبة للجزائر، فإن صدور المرسوم التنفيذي 26-99 يعكس رغبة في مواءمة التشريع الوطني مع هذه المعايير، مع مراعاة الخصوصية الاجتماعية والاقتصادية المحلية.
بين الطموح والتحديات
يبقى الرهان الأساسي في المرحلة المقبلة هو الانتقال من النص القانوني إلى التطبيق الفعلي. فعدد المؤسسات التي سيتم اعتمادها، ونوعية الأنشطة التي ستحتضنها، ومستوى اندماج المستفيدين لاحقًا في سوق العمل العادي، كلها مؤشرات ستحدد مدى نجاح التجربة.
ويرى متابعون أن إشراك المجتمع المدني، وجمعيات أولياء الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، والخبراء في علم النفس والعمل الاجتماعي، سيكون عنصرًا حاسمًا في ضمان فعالية هذا النظام.
في المحصلة، يشكل تنظيم مؤسسات المساعدة عن طريق العمل خطوة استراتيجية في مسار بناء مجتمع أكثر شمولًا، حيث يصبح العمل أداة إدماج وكرامة، لا مجرد نشاط اقتصادي. ومع تفعيل هذا الإطار الجديد، تتجه الجزائر نحو ترسيخ مقاربة قائمة على الحقوق والتمكين، بما يخدم المواطن ويعزز التنمية المستدامة.
Share this content:



إرسال التعليق