محادثات واشنطن وطهران: إدارة التوتر أم تمهيد لاتفاق جديد؟
محادثات واشنطن وطهران
من موقع المتابع للشأن الدولي ومواكبة التحولات الكبرى في العلاقات الدولية،فأن المحادثات الجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لا يمكن قراءتها بمنطق الاتفاقات التاريخية أو التحولات الجذرية. لسنا أمام لحظة شبيهة بما حدث سنة 2015 عند توقيع الاتفاق النووي، بل أمام مقاربة مختلفة عنوانها الأبرز: إدارة التوتر لا حسمه.
في هذا اللقاء الخاص مع Media Maghreb، الدكتور إسماعيل خلف الله، المحامي المعتمد لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة، والخبير في القانون الدولي، لقراءة أبعاد هذا المسار التفاوضي وحدوده القانونية والسياسية.
نحن أمام اتفاق جديد أم مجرد إدارة أزمة
هل يمكن اعتبار المحادثات الحالية بين واشنطن وطهران تمهيداً لاتفاق شامل جديد، أم أنها مجرد محاولة لاحتواء التصعيد؟
ما يجري اليوم أقرب إلى تفاهم مرحلي لإدارة أزمة، وليس مشروع اتفاق شامل يعيد صياغة العلاقة بين البلدين. هناك فارق واضح في علم التفاوض الدولي بين “تسوية شاملة” و“ترتيب مرحلي لإدارة التوتر”. الطرفان يدركان أن كلفة المواجهة العسكرية ستكون باهظة، لذلك الهدف الأساسي هو منع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، لا إنهاء الخلاف جذرياً.
واشنطن لا تريد مواجهة مباشرة مع طهران
لماذا لا تريد واشنطن مواجهة مباشرة مع طهران؟
صحيح أن واشنطن تملك أدوات ضغط هائلة، لكنها موزعة الجهد على عدة جبهات دولية، من الحرب في أوروبا الشرقية إلى التنافس الاستراتيجي مع الصين في المحيطين الهندي والهادئ. فتح جبهة مواجهة واسعة مع إيران سيعني إعادة ترتيب الأولويات بكلفة سياسية واقتصادية مرتفعة.
القرار الاستراتيجي لا يُبنى فقط على موازين القوة، بل على حسابات التوقيت والمصالح العليا. لذلك تبدو التهدئة المرحلية خياراً عقلانياً في هذه المرحلة.
كيف تقرأ طهران المعادلة الحالية؟
وماذا عن إيران؟ ما الذي تريده من هذه المحادثات؟
إيران تدرك أن العقوبات لم تعد مجرد أداة ضغط سياسية، بل تحولت إلى عامل مؤثر في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية. لذلك يمكن وصف سلوك الطرفين بفكرة “شراء الوقت”.
طهران تسعى إلى إدارة برنامجها النووي بإيقاع يمنحها أوراق قوة، دون الوصول إلى نقطة اللاعودة في تخصيب اليورانيوم، بينما تسعى واشنطن إلى منع هذا التسارع.
أجواء اتفاق 2015
هل يمكن مقارنة الوضع الحالي بما حدث عند توقيع الاتفاق النووي سنة 2015؟
بالتأكيد لا. الاتفاق الذي وُقّع سنة 2015، المعروف بـ خطة العمل الشاملة المشتركة، جاء في سياق سياسي مختلف تماماً. آنذاك كانت هناك إرادة سياسية لدى إدارة باراك أوباما لفتح صفحة جديدة، وهو ما لا يتوافر اليوم بنفس الزخم.
المناخ الحالي يقوم على إدارة حافة الهاوية، لا على صناعة اختراق تاريخي.
الوساطة العُمانية في هذا المسار
هناك حديث عن وساطات إقليمية، خصوصاً من سلطنة عمان. ما أهمية هذا الدور؟
الوساطة، وخاصة عبر سلطنة عمان، ليست مجرد نقل رسائل. الوسيط يسهم في ضبط الإيقاع ومنع سوء الفهم الذي قد يقود إلى تصعيد غير مقصود.
التاريخ يثبت أن كثيراً من الحروب اندلعت بسبب خطأ في التقدير أو سوء قراءة الإشارات. في الأزمات الحساسة، وجود قناة تواصل موثوقة قد يمنع كارثة.
فشل المحادثات
في حال فشل هذه الجهود، ما السيناريوهات المحتملة؟
سنكون أمام تصعيد تدريجي: رفع نسب تخصيب اليورانيوم من الجانب الإيراني، مقابل تشديد إضافي للعقوبات وربما تحركات عسكرية استعراضية في المنطقة.
الانعكاسات لن تقتصر على الطرفين فقط، بل ستمتد إلى الإقليم بأكمله:
-
اضطراب أسواق الطاقة
-
تهديد خطوط الملاحة
-
تصاعد التوترات الطائفية والسياسية
ومع كل خطوة تصعيدية ترتفع احتمالات الانفلات غير المحسوب.
الطبيعة القانونية للتفاهمات المرحلية
من زاوية قانونية، كيف يمكن توصيف هذه التفاهمات؟
نحن غالباً أمام منطقة رمادية. التفاهمات المرحلية قد لا ترقى إلى اتفاق دولي ملزم بالمعنى التقليدي، لكنها في الوقت ذاته ليست مجرد تصريحات سياسية عابرة.
هذه الطبيعة القانونية الهجينة تعكس غياب الثقة بين الطرفين، وهي سمة أساسية في العلاقات الأمريكية الإيرانية منذ عقود.
النجاح ونهاية الأزمة
إذا نجحت المحادثات، هل يمكن الحديث عن انفراج حقيقي؟
النجاح هنا لا يعني مصالحة تاريخية، بل تثبيت حالة “اللا حرب واللا اتفاق”. هذه الحالة، رغم هشاشتها، قد تكون الخيار الأقل كلفة حالياً.
هي تمنح الطرفين فرصة لإعادة ترتيب أوراقهما الداخلية، وربما تهيئ مستقبلاً لتسويات أعمق إذا توفرت الإرادة السياسية.
Share this content:



إرسال التعليق