مشروع الربط الكهربائي تونس–إيطاليا يعزز جسر الطاقة بين إفريقيا وأوروبا
في إطار متابعة المشاريع الاستراتيجية المتعلقة بقطاع الطاقة، عقدت لجنة المالية والميزانية جلسة استماع يوم الأربعاء 4 مارس 2026 خُصصت لمناقشة تطورات مشروع الربط الكهربائي تونس إيطاليا المعروف بمشروع (ELMED).
وشارك في الجلسة كاتب الدولة لدى وزارة الصناعة والمناجم والطاقة المكلف بالانتقال الطاقي، حيث قدم عرضًا مفصلًا حول مراحل تنفيذ المشروع ومصادر تمويله وآفاقه الاقتصادية والطاقية. كما حضر الجلسة رئيس اللجنة ماهر الكتاري والمقررة زينة جيب الله إلى جانب عدد من أعضاء اللجنة وهم آمال المؤدب وفاضل بن تركية ومصطفى البوبكري، إضافة إلى عدد من النواب من غير أعضاء اللجنة.
وتندرج هذه الجلسة ضمن الدور الرقابي للبرلمان لمتابعة استعمالات القروض المخصصة للمشاريع الكبرى وضمان حسن توظيفها بما يخدم التنمية الاقتصادية ويعزز الأمن الطاقي في البلاد.
مشروع استراتيجي يربط إفريقيا بأوروبا
أكد كاتب الدولة في مستهل الجلسة أن مشروع الربط الكهربائي تونس إيطاليا يمثل خطوة استراتيجية في مسار التحول الطاقي، إذ يهدف إلى إنشاء جسر طاقي مباشر يربط القارة الإفريقية بالقارة الأوروبية عبر البحر الأبيض المتوسط.
ويقوم المشروع على إنشاء كابل كهربائي بحري عالي الجهد يعتمد تقنية التيار المستمر (HVDC)، وهو ما يسمح بنقل الطاقة بكفاءة عالية لمسافات طويلة. ويبلغ طول الكابل البحري قرابة 200 كيلومتر عبر مضيق صقلية، بقدرة نقل تصل إلى 600 ميغاواط وبجهد يصل إلى 500 كيلوفولط، فيما يصل عمق الكابل إلى حوالي 800 متر تحت سطح البحر.
ويمكّن هذا الربط من تبادل الطاقة الكهربائية بين تونس وإيطاليا في الاتجاهين وفق احتياجات الشبكتين، الأمر الذي يساهم في تعزيز استقرار الشبكة الكهربائية ودعم الأمن الطاقي في المنطقة.
البنية التحتية للمشروع
يتضمن مشروع الربط الكهربائي تونس إيطاليا إنشاء منظومة متكاملة من البنية التحتية الطاقية التي تشمل محطات تحويل وكابلات بحرية وخطوط نقل كهربائي متطورة.
ويشمل المشروع إنشاء محطتي تحويل رئيسيتين: الأولى بمنطقة الملاعبي في تونس بجهد 500/400 كيلوفولط، والثانية في بارتانا بجزيرة صقلية الإيطالية بجهد 500/225 كيلوفولط. كما يتضمن مد الكابل البحري الرئيسي إلى جانب الربط الأرضي وأنظمة المراقبة والاتصالات المتطورة لضمان التشغيل الآمن والمستقر للشبكة.
وبالإضافة إلى ذلك، سيتم تعزيز شبكة النقل الكهربائي في تونس عبر إنشاء خطوط هوائية مزدوجة بجهد 400 كيلوفولط تربط بين عدة مناطق استراتيجية، من بينها الملاعبي وقرمبالية 2 والمرناقية وكندار، مع إنشاء محطة تحويل جديدة في قرمبالية 2 بجهد 400/225 كيلوفولط.
تكلفة المشروع والعائدات المتوقعة
تُقدر الكلفة الإجمالية لمشروع الربط الكهربائي تونس إيطاليا بحوالي 1014 مليون يورو، منها 863 مليون يورو مخصصة للمكونات المشتركة مع الجانب الإيطالي، بينما تبلغ تكلفة تعزيز الشبكة التونسية نحو 110 ملايين يورو.
أما الكلفة الخاصة بالجانب التونسي فتبلغ حوالي 582 مليون يورو، وهي استثمارات تهدف إلى تطوير البنية التحتية للطاقة وتحسين قدرة الشبكة الوطنية على نقل الكهرباء.
وأظهرت الدراسات الاقتصادية للمشروع نتائج إيجابية، إذ بلغ صافي القيمة الحالية للمشروع حوالي 12.4 مليار دينار، فيما تصل نسبة الفوائد إلى التكاليف إلى نحو 4.5 مرات. كما يُتوقع أن يبلغ معدل العائد الداخلي للمشروع حوالي 18.9 بالمائة، وهو مؤشر يعكس الجدوى الاقتصادية الكبيرة لهذا الاستثمار الطاقي.
ومن المتوقع أن تتراوح العائدات السنوية للمشروع بين 71 و182 مليون يورو، على أن يتم تقاسم هذه العائدات بالتساوي بين الشركة التونسية للكهرباء والغاز ونظيرتها الإيطالية.
تقدم الأشغال ومصادر التمويل
أوضح كاتب الدولة أن مشروع الربط الكهربائي تونس إيطاليا شهد تقدمًا ملحوظًا خلال الفترة الماضية، حيث تم إطلاق عدة طلبات عروض دولية تتعلق بإنجاز محطات التحويل ومد الكابل البحري وإنشاء الخطوط الهوائية.
كما تم الانتهاء من مرحلة التأهيل المسبق للشركات المتنافسة، إلى جانب فرز العروض الفنية والمالية وإمضاء عدد من العقود المرتبطة بالمشروع.
وفيما يتعلق بالتمويل، فقد تم تعبئة موارد مالية من عدة مؤسسات دولية، من بينها البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والبنك الأوروبي للاستثمار، إضافة إلى بنك التنمية الألماني KfW، وهو ما يعكس الثقة الدولية في أهمية المشروع وجدواه الاقتصادية.
نقاشات برلمانية حول الأمن الطاقي
خلال النقاش، طرح النواب عددًا من الأسئلة المتعلقة بمستقبل مشروع الربط الكهربائي تونس إيطاليا ومدى ارتباطه بالاستراتيجية الوطنية للطاقة.
كما تساءلوا عن نسبة تقدم الأشغال والآجال المتوقعة لإنجاز المشروع، خاصة بعد الإعلان سابقًا عن إمكانية استكماله بحلول عام 2028. وركزت تدخلات النواب كذلك على انعكاسات المشروع على الأمن الطاقي الوطني واستقلالية القرار في مجال الطاقة.
كما تطرق النواب إلى العلاقات الطاقية مع دول الجوار، خاصة الجزائر وليبيا، وإلى مدى تأثير هذه الشراكات على استقرار منظومة الطاقة في تونس.
تحديات التنفيذ وتأثير الأوضاع الدولية
وفي رده على تساؤلات النواب، أوضح كاتب الدولة أن مشروع الربط الكهربائي تونس إيطاليا قد يشهد بعض التأخير في التنفيذ، حيث من المحتمل أن يتم إنجازه بين عامي 2030 و2031 بدلًا من الموعد المتوقع سابقًا.
وأشار إلى أن هذا التأخير لا يعود إلى صعوبات تقنية في المشروع، بل إلى الضغط الكبير على التجهيزات الصناعية عالميًا، خاصة بعد تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي أثرت على سلاسل التوريد في قطاع الطاقة.
الترابط الطاقي الإقليمي مع الجزائر وليبيا
أشار كاتب الدولة إلى أن تونس ترتبط حاليًا بشبكات الربط الكهربائي مع دول الجوار، حيث يوجد خمسة خطوط كهربائية مع الجزائر وخطان مع ليبيا.
كما يجري العمل على إعداد دراسات جديدة لتعزيز الترابط الإقليمي في مجال الطاقة، بما يدعم موقع تونس كمحور رئيسي لتبادل الطاقة بين إفريقيا وأوروبا.
استراتيجية الطاقات المتجددة في تونس
في سياق الحديث عن التحول الطاقي، أكد كاتب الدولة أن الاستراتيجية الوطنية للطاقة تعتمد بشكل متزايد على تطوير الطاقات المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
كما أشار إلى برامج تشجيع الاستهلاك الذاتي للكهرباء عبر الأنظمة الشمسية، حيث توفر الشركة التونسية للكهرباء والغاز برامج تمويل تمكن المواطنين من اقتناء التجهيزات الشمسية بقروض يتم تسديدها عبر فواتير الكهرباء.
وتهدف هذه البرامج إلى تقليص كلفة إنتاج الكهرباء وتحقيق انتقال تدريجي نحو منظومة طاقية أكثر استدامة.
Share this content:



إرسال التعليق