ميلوني في الجزائر

ميلوني في الجزائر… زيارة سريعة تعيد رسم معادلة الطاقة في المتوسط

لم يكن صباح الخامس والعشرين من مارس 2026 يومًا عاديًا في الأجندة الدبلوماسية الجزائرية. فمع وصول جورجيا ميلوني إلى مطار هواري بومدين الدولي، بدا واضحًا أن الزيارة، رغم قصرها، تحمل وزنًا سياسيًا واقتصاديًا يتجاوز طابع “زيارة عمل وصداقة” كما وُصفت رسميًا.

الاستقبال الذي خصّها به الرئيس عبد المجيد تبون لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل إشارة أولى إلى مستوى الأهمية التي توليها الجزائر لعلاقاتها مع روما، خاصة في لحظة دولية تعيد فيها أوروبا ترتيب أولوياتها الطاقوية، وتبحث عن شركاء موثوقين خارج الدوائر التقليدية.

من اللقاء الثنائي إلى الطاولة الموسعة

داخل قصر الرئاسة، بدأت المحادثات في صيغة ثنائية قبل أن تتسع لتشمل وفدي البلدين، في مشهد يعكس تقليدًا دبلوماسيًا راسخًا، لكنه هذه المرة حمل مضمونًا أكثر كثافة.

الصور الرسمية أظهرت وفدين موسعين، ما يعني أن الملفات المطروحة لم تكن محصورة في بند واحد، بل امتدت لتشمل طيفًا واسعًا من القضايا. ووفق المعطيات المتقاطعة، فقد تم التطرق إلى ملفات الطاقة، الاستثمار، التعاون الصناعي، إضافة إلى التنسيق السياسي في القضايا الإقليمية.
15-6 ميلوني في الجزائر… زيارة سريعة تعيد رسم معادلة الطاقة في المتوسط

الغاز أولًا… لكن ليس وحده

في قلب هذه المحادثات، برز ملف الطاقة باعتباره المحرك الأساسي للزيارة. فإيطاليا، التي عززت حضورها في الجزائر خلال السنوات الأخيرة، تسعى إلى تثبيت موقعها كشريك أوروبي أول في مجال الغاز.

التقاطع بين مصالح الطرفين يبدو واضحًا:

  • الجزائر تمتلك فائضًا تصديريًا مهمًا
  • وإيطاليا تبحث عن استقرار طويل الأمد في الإمدادات

لكن اللافت أن النقاش لم يتوقف عند الغاز التقليدي، بل امتد إلى الطاقات المتجددة، في مؤشر على محاولة بناء شراكة أكثر استدامة.

من الطاقة إلى الصناعة… توسيع دائرة المصالح

ما يميز هذه الزيارة، مقارنة بسابقاتها، هو هذا السعي الواضح لتوسيع التعاون خارج الإطار الطاقوي. فقد طُرحت مشاريع تتعلق بالصناعة، والبنية التحتية، وحتى نقل التكنولوجيا.

هذا التوجه يعكس تحولًا في الرؤية الجزائرية، التي لم تعد تكتفي بدور المورد، بل تسعى إلى بناء شراكات إنتاجية، وهو ما يتقاطع مع حاجة إيطاليا إلى أسواق مستقرة وقريبة جغرافيًا.
16-5 ميلوني في الجزائر… زيارة سريعة تعيد رسم معادلة الطاقة في المتوسط

قراءة في الخلفية الدولية للزيارة

لا يمكن فصل هذه الزيارة عن السياق الدولي الأوسع. فالتوترات الجيوسياسية، خاصة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، أعادت تشكيل خريطة الطاقة في أوروبا.

في هذا السياق، برزت الجزائر كأحد أهم المصادر، وهو ما يفسر تكثيف الزيارات الأوروبية رفيعة المستوى إليها، ومحاولة بناء شراكات طويلة الأمد تتجاوز منطق الصفقات الظرفية.

الهجرة والأمن… ملفات حاضرة بهدوء

رغم أن التركيز الإعلامي انصب على الطاقة، إلا أن ملفات أخرى حضرت في خلفية النقاش، وعلى رأسها الهجرة والتعاون الأمني.

هذه القضايا، وإن لم تُطرح بشكل صريح في الواجهة، تبقى جزءًا من الحوار بين الضفتين.

14-6 ميلوني في الجزائر… زيارة سريعة تعيد رسم معادلة الطاقة في المتوسط

كيف تُقرأ الزيارة من الجزائر؟

من زاوية جزائرية، تبدو الزيارة فرصة لإعادة ضبط ميزان العلاقة مع أوروبا. فالجزائر، التي عززت موقعها كمورد موثوق، تسعى إلى استثمار هذا الموقع لتحقيق مكاسب أوسع.

الرهان هنا لا يتعلق فقط بزيادة الصادرات، بل بـ:

  • جذب استثمارات نوعية
  • تطوير القاعدة الصناعية
  • تعزيز نقل التكنولوجيا

بمعنى آخر، الجزائر تحول قوتها الطاقوية إلى نفوذ اقتصادي أوسع.

بين الشراكة والندية

الخطاب الرسمي الجزائري يميل إلى التأكيد على “الشراكة المتوازنة”، وهو تعبير يعكس رغبة واضحة في تجنب أي علاقة غير متكافئة.

هذا التوجه ينسجم مع تقاليد الدبلوماسية الجزائرية، التي تقوم على تنويع الشركاء وعدم الارتهان لطرف واحد، حتى في ظل الإغراءات الاقتصادية.

لحظة المغادرة… دلالة لا تقل أهمية

مع نهاية الزيارة، غادرت جورجيا ميلوني الجزائر، في ختام يوم مكثف من اللقاءات. وكان في توديعها عدد من كبار المسؤولين، من بينهم الوزير الأول سيفي غريب، ووزير الخارجية أحمد عطاف، ووزير الطاقة محمد عرقاب.

هذا الحضور في مراسم التوديع يعكس، في العرف الدبلوماسي، مستوى التقدير السياسي للزيارة، ويؤكد أنها لم تكن محطة عابرة.

الزيارة انتهت في يوم واحد، لكن ما طُرح خلالها قد يمتد أثره لسنوات.

Share this content:

إرسال التعليق