مجلس الأمة يفتح ملف زراعة الأعضاء في الجزائر ويوصي بإحياء الوكالة الوطنية واستحداث سجل وطني للتبرع
في سياق تعزيز النقاش البرلماني بشأن القضايا الصحية ذات الأبعاد الإنسانية والشرعية والقانونية، نظم مجلس الأمة، يوماً برلمانياً موسوماً بـ “زراعة الأعضاء البشرية في الجزائر: الأبعاد الشرعية والقانونية والطبية“، وذلك تحت إشراف رئيس المجلس السيد عزوز ناصري، وباقتراح من لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية والعمل والتضامن الوطني.
وعرف اللقاء حضور شخصيات سامية في الدولة، يتقدمهم رئيس المجلس الشعبي الوطني السيد إبراهيم بوغالي، ورئيسة المحكمة الدستورية السيدة ليلى عسلاوي، ومستشار رئيس الجمهورية المكلف بالشؤون القانونية والقضائية السيد محمد حموش، وفضيلة رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الدكتور مبروك زيد الخير، إلى جانب رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي السيد محمد بوخاري، ورئيس الأكاديمية الجزائرية للعلوم والتكنولوجيا السيد محمد هشام قارة، ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان السيد عبد المجيد زعلاني، ووزيرة العلاقات مع البرلمان السيدة نجيبة جيلالي، والأمين العام لوزارة الصحة السيد محمد طالحي، إضافة إلى أعضاء مجلس الأمة ونخبة من الأطباء والخبراء والمختصين.
إشادة بإنجازات وطنية كبرى: غارا جبيلات وخط تندوف–بشار
استُهلت أشغال اليوم البرلماني بكلمة لرئيس مجلس الأمة السيد عزوز ناصري، الذي نوّه بتزامن الحدث مع تدشين رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون لمنجم غارا جبيلات، ووضْع خط السكة الحديدية تندوف–بشار حيز الخدمة، معتبرًا ذلك إنجازًا استراتيجيًا وهيكليًا يعزز مسار تنويع الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية الشاملة المستدامة.
وأكد ناصري أن هذه المشاريع تمثل مكاسب تاريخية للجزائر المنتصرة، وتجسيدًا لالتزام الدولة بمرجعيتها الوطنية المستمدة من بيان أول نوفمبر 1954، في إطار دولة تحافظ على بعدها الاجتماعي والتنموي.

زراعة الأعضاء: بين الحق في الحياة وصون الكرامة الإنسانية
وفي صلب الموضوع، شدد رئيس مجلس الأمة على أن زراعة الأعضاء البشرية تُعد من أكثر القضايا حساسية وأهمية، لارتباطها بحقوق أساسية في مقدمتها الحق في الحياة وسلامة الجسد وكرامة الإنسان.
وأوضح أن تنظيم هذا اليوم البرلماني يندرج ضمن مقاربة شاملة تجمع بين الأبعاد الشرعية والقانونية والطبية، بهدف ترسيخ وعي مجتمعي سليم وممارسة صحيحة، وإزالة الإشكالات الدينية والطبية والاجتماعية المرتبطة بزراعة الأعضاء.
وأشار إلى أن التطور المتسارع للعلوم الطبية يفرض تأطير هذا المجال بضوابط قانونية صارمة توازن بين الضرورة العلاجية ومنع أي انحراف أو استغلال غير مشروع لجسد الإنسان، مؤكدًا على:
- تكريس مبدأ الرضا الحر والصريح كشرط أساسي.
- إخضاع عمليات الزرع لرقابة مؤسسات صحية معتمدة.
- تجريم أي مساس بالجسد دون سند قانوني.
- المنع المطلق للاتجار بالأعضاء باعتباره جريمة تمس الكرامة الإنسانية والنظام العام.
كما أكد أن مشروعية زراعة الأعضاء تستند إلى الواجب الدستوري للدولة في حماية حياة المواطن، وإلى المرجعية الشرعية التي تُعلي من مقاصد حفظ النفس، وفق قاعدة “لا ضرر ولا ضرار” وقوله تعالى: “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا“.
رؤية شرعية: تكامل الدين والعلم
من جهته، أوضح رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الدكتور مبروك زيد الخير أن زراعة الأعضاء تتطلب تكاملًا بين الدين والعلم، مشددًا على ضرورة إخضاع التقدم الطبي لمنظومة أخلاقية تصون كرامة الإنسان وتحفظ حرمة الجسد، مع الالتزام بالضوابط الشرعية وتعزيز التنسيق بين الفقهاء والأطباء لمنع أي استغلال محتمل.
وزارة الصحة: برنامج وطني لتوسيع عمليات الزرع
وفي كلمة وزير الصحة التي ألقاها نيابة عنه الأمين العام للوزارة السيد محمد طالحي، تم التأكيد على أن زراعة الأعضاء تُعد من الأنشطة الصحية الحيوية، لما لها من أثر مباشر في تحسين جودة حياة المرضى وتقليص تكاليف العلاج بالخارج.
وأوضح أن الإطار القانوني لزراعة الأعضاء في الجزائر يعود إلى سنة 1985، مع تسجيل تطور ملحوظ خاصة في مجال زراعة الكلى، إضافة إلى زراعة النخاع العظمي والكبد والقرنية.
وأشار إلى إعداد برنامج وطني تشرف عليه الوكالة الوطنية لزراعة الأعضاء، يتضمن:
- توسيع نشاط زرع الأعضاء عبر الوطن.
- إعادة بعث زراعة الكبد.
- إطلاق برنامج لزراعة القلب.
- إعطاء أولوية للتكوين الطبي وتبادل الخبرات الدولية.
لجنة الصحة: نحو استراتيجية وطنية شاملة
بدوره، أكد رئيس لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية والعمل والتضامن الوطني، البروفيسور حبيب دواقي، أن زراعة الأعضاء تمثل أحد أبرز إنجازات الطب الحديث ومؤشرًا على تطور المنظومة الصحية، غير أن تطويرها يستوجب إطارًا شرعيًا واضحًا، ومنظومة قانونية صلبة، وتنظيمًا صحيًا فعالًا يضمن العدالة والشفافية.
وشدد على ضرورة الانتقال إلى استراتيجية وطنية شاملة لتطوير هذا المجال، وتعزيز التعاون بين المراكز الصحية، وتقليص قوائم الانتظار، بما يكرس دور مجلس الأمة في مرافقة التحديات الصحية ذات البعد الإنساني.
مداخلات علمية متخصصة: تشخيص الواقع واستشراف الآفاق
تضمن برنامج اليوم البرلماني سلسلة من المداخلات العلمية، أبرزها:
- عرض الأستاذ الدكتور سعيد بوزيري للضوابط الشرعية لزراعة الأعضاء، مؤكدًا جواز التبرع في إطار الضرورة وحفظ النفس مع تحريم بيع الأعضاء.
- تقديم الدكتور مروك نصر الدين قراءة في الإطار القانوني المنظم لنقل وزرع الأعضاء في الجزائر.
- استعراض البروفيسور الطاهر رايان حصيلة وآفاق زراعة الكلى، مع إبراز التحديات التنظيمية والتقنية.
- تأكيد البروفيسور بوجمعة كريم أن زراعة الكبد علاج مرجعي لأمراض خطيرة رغم وجود نقائص تنظيمية وبنيوية.
- تناول الأستاذ الدكتور ريموند ريدينغ تطور زرع الكبد لدى الأطفال وأهمية نقل التكنولوجيا الطبية المتقدمة.
- عرض البروفيسور أحمد ناصر رضوان حصيلة زرع الخلايا الجذعية المكونة للدم، داعيًا إلى توسيع المراكز وتحسين التمويل.
- مناقشة الأستاذة نسيمة بن مرزوقة محفوظي واقع زرع القرنية والفجوة بين العرض والطلب والحاجة إلى تطوير بنوك القرنيات.
توصيات ختامية: سجل وطني وأقطاب جهوية متخصصة
اختُتمت أشغال اليوم البرلماني بتلاوة مجموعة من التوصيات العملية، أبرزها:
- إعادة بعث الوكالة الوطنية لزراعة الأعضاء وتعزيز صلاحياتها.
- إنشاء أقطاب استشفائية جهوية متخصصة.
- استحداث سجل وطني للتبرع بالأعضاء يخضع لضوابط قانونية وأخلاقية واضحة.
- تعزيز التكوين الطبي المتخصص وضمان العدالة والشفافية في الولوج إلى عمليات الزرع.
وأكد البروفيسور حبيب دواقي أن هذه التوصيات من شأنها تطوير هذا المجال الحيوي وإنقاذ مزيد من الأرواح.
تعزيز العلاقات الجزائرية–الصربية عبر الدبلوماسية البرلمانية
على صعيد آخر، وبتكليف من رئيس مجلس الأمة، استقبل نائب رئيس المجلس المكلف بالشؤون الخارجية السيد رابح بغالي، رئيس المجموعة البرلمانية للصداقة “صربيا–الجزائر” السيد غوران راكيتش، الذي يقوم بزيارة عمل إلى الجزائر من 9 إلى 13 فيفري 2026.
وشكل اللقاء فرصة لاستعراض واقع وآفاق العلاقات الثنائية بين الجزائر وصربيا، في ظل الإرادة المشتركة لرئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون ونظيره الصربي السيد ألكسندر فوتشيتش، لتعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والثقافة والتعليم والدفاع، وتفعيل الدبلوماسية البرلمانية عبر تكثيف الزيارات وتبادل الخبرات.

بيان اللجنة الوزارية للفتوى: توجيهات لاستقبال شهر رمضان 1447هـ
في سياق متصل، أصدرت اللجنة الوزارية للفتوى بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، يوم 9 فيفري 2026، بيانًا بمناسبة اقتراب شهر رمضان 1447هـ، دعت فيه إلى استقبال الشهر الكريم بالإيمان والعمل الصالح، والالتزام بالمرجعية الدينية الوطنية في أحكام الصيام.
وأكد البيان على:
- ضرورة تعلم فقه الصيام والرجوع إلى أهل الاختصاص.
- ترشيد الاستهلاك وتجنب الإسراف.
- الالتزام بالمواقيت الشرعية وفق الرزنامة الرسمية.
- جواز إخراج زكاة الفطر نقدًا مراعاة لمصلحة الفقير.
كما نوه البيان بتدشين منجم غارا جبيلات وخط السكة الحديدية المنجمي الغربي، واعتبره مكسبًا وطنيًا يعكس مسار التنمية، مشيدًا بمواقف الجزائر الثابتة في نصرة القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
Share this content:



إرسال التعليق