برلمانات إسبانية تعيد الصحراء الغربية إلى واجهة النقاش الأوروبي وتدعوا لإنهاء الاحتلال المغربي للإقليم
عودة قضية الصحراء الغربية إلى الواجهة الأوروبية
في لحظة سياسية لافتة، أعادت برلمانات جهوية إسبانية فتح ملف الصحراء الغربية من بوابة القانون الدولي، مجددةً الدعوة إلى إنهاء الاحتلال المغربي للإقليم، في ختام أشغال المؤتمر التاسع والعشرين للمجموعات البرلمانية المشتركة الذي احتضنه برلمان نافارا نهاية هذا الأسبوع. الحدث، وإن كان ذا طابع برلماني جهوي، إلا أن صداه تجاوز الجغرافيا المحلية ليحمل رسائل سياسية واضحة إلى مدريد وبروكسل على حد سواء، ويؤكد أن القضية الصحراوية لا تزال حاضرة في الوعي السياسي الإسباني رغم التحولات التي شهدها الموقف الرسمي للحكومة المركزية خلال السنوات الأخيرة.
إعلان نافارا: إعادة تأطير النزاع قانونياً
المؤتمر الذي تم بمقر برلمان إقليم نافارا، خرج بما عُرف بـ«إعلان نافارا»، وهو نص سياسي يعبّر عن موقف ممثلين عن عشرة برلمانات جهوية إسبانية، شددوا فيه على ضرورة إنهاء الاحتلال المغربي للصحراء الغربية باعتبارها إقليماً مدرجاً ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والخاضعة لمسار تصفية الاستعمار وفق الأمم المتحدة. هذا التوصيف القانوني لم يكن تفصيلاً عابراً في البيان، بل شكّل جوهر الموقف، إذ أعاد النقاش إلى مربعه الأصلي: قضية تصفية استعمار مؤجلة وليست نزاعاً إقليمياً عابراً.
الاعتراف بالبوليساريو ورفض الموقف الحكومي الإسباني
اللافت في إعلان نافارا أنه لم يكتفِ بالتأكيد على دعم حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، بل جدد الاعتراف بـ جبهة البوليساريو كممثل شرعي ووحيد للشعب الصحراوي، وفق ما هو معترف به دولياً. كما عبّر المشاركون عن رفضهم للموقف الرسمي للحكومة الإسبانية بخصوص الصحراء الغربية، في إشارة واضحة إلى التحول الذي طرأ على سياسة مدريد في السنوات الأخيرة. هذا التباين بين الموقفين، الحكومي والبرلماني الجهوي، يعكس حالة نقاش داخلي لم تُغلق صفحته بعد داخل إسبانيا، خاصة في ظل الإرث التاريخي والقانوني الذي يربطها بالإقليم.
مسؤولية إسبانيا التاريخية والقانونية
ومن الناحية القانونية، ذكّر البيان بمسؤولية إسبانيا التاريخية بوصفها القوة الاستعمارية السابقة، بل والقوة الإدارية بحكم القانون وفق بعض القراءات القضائية، وهو توصيف يضع مدريد أمام أسئلة أخلاقية وقانونية معقدة. فالقضية لا تتعلق، بحسب هذا المنظور، بموقف سياسي ظرفي، بل بمسار تصفية استعمار لم يكتمل، وبالتزامات دولية لم تسقط بالتقادم.
الأمم المتحدة وملف حقوق الإنسان
ولم تغب الأمم المتحدة عن صلب النقاش. فقد أكد المؤتمر دعمه للمسار السياسي الذي ترعاه المنظمة الدولية، داعياً إلى التوصل إلى حل عادل ودائم يضمن حق تقرير المصير. وفي هذا السياق، برزت الدعوة إلى توسيع صلاحيات بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة اختصاراً بـ بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية، لتشمل مراقبة وحماية حقوق الإنسان، إلى جانب المطالبة بتعيين مقرر خاص بالصحراء الغربية لدى مجلس حقوق الإنسان. هذه المطالب تعكس قناعة متزايدة لدى قطاعات أوروبية بضرورة ربط الحل السياسي بالضمانات الحقوقية، وعدم الفصل بين المسارين.
الإفراج عن المعتقلين واستمرار الرقابة البرلمانية
كما دعا المشاركون إلى الإفراج الفوري عن السجناء السياسيين الصحراويين، وفي مقدمتهم معتقلو أكديم إزيك، ووقف الانتهاكات في الأراضي المحتلة، مع التأكيد على استمرار بعثات المراقبة البرلمانية خلال عام 2026. هذه الإشارة تحمل دلالة عملية، إذ توحي بأن المسألة لن تبقى في حدود البيانات السياسية، بل ستُترجم إلى متابعة ميدانية ورقابة برلمانية مستمرة.
البعد الاقتصادي واستغلال الموارد
اقتصادياً، تضمن إعلان نافارا رفضاً لأي اتفاقيات اقتصادية أو تجارية تمس بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، في ظل استمرار استغلال ثروات الإقليم. هذا البعد يكتسي أهمية خاصة، لأنه يربط بين الشرعية السياسية والسيادة على الموارد، ويضع الشركات والمؤسسات الأوروبية أمام معادلة دقيقة: الاستثمار في إقليم متنازع عليه دون موافقة ممثليه المعترف بهم دولياً قد يثير إشكالات قانونية وأخلاقية على المدى البعيد.
قراءة جزائرية للتطور الأوروبي
بالنسبة للقارئ الجزائري، سواء كان مواطناً معنياً بتطورات الملف الإقليمي، أو مسؤولاً يتابع توازنات الدبلوماسية الأوروبية، أو مستثمراً يقرأ التحولات الجيوسياسية بعين اقتصادية، فإن ما صدر عن مؤتمر نافارا يشير إلى أن القضية الصحراوية لا تزال قادرة على تحريك المياه الراكدة داخل أوروبا. فالتباين داخل الساحة الإسبانية يعكس أن الملف لم يُحسم سياسياً، وأن منسوب التعاطف مع حق تقرير المصير لا يزال حاضراً في مؤسسات تمثيلية مؤثرة.
بين القانون الدولي وحسابات المصالح
ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن السياق الأوسع، حيث تتقاطع اعتبارات القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والمصالح الاقتصادية، وحسابات الاستقرار الإقليمي. فكل موقف يصدر من برلمان أوروبي، ولو كان جهوياً، يضيف لبنة جديدة في مسار طويل ومعقد. وقد لا يغير إعلان نافارا موازين القوى بين ليلة وضحاها، لكنه يرسّخ سردية قانونية وسياسية ترى في الصحراء الغربية قضية تصفية استعمار غير مكتملة، ويعيد التأكيد على أن حق تقرير المصير يظل حجر الزاوية في أي تسوية مستقبلية.
Share this content:




إرسال التعليق