حماية المعطيات الشخصية 

البرلمان التونسي يناقش حماية المعطيات الشخصية

في سياق إقليمي يتسم بتسارع التحول الرقمي وتنامي التحديات المرتبطة بحماية البيانات الشخصية، عقدت مجلس نواب الشعب التونسي، عبر لجنة الحقوق والحريات، جلسة استماع صباح الثلاثاء 24 فيفري 2026، خُصصت للنظر في مقترح القانون الأساسي المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، مع تركيز خاص على المعطيات الصحية.

ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة، ليس فقط في السياق التونسي، بل أيضاً على مستوى المنطقة المغاربية، حيث أصبحت حماية البيانات الصحية من أبرز رهانات السيادة الرقمية وحقوق الإنسان في العصر الرقمي.

حضور رسمي ونقاش موسّع

انعقدت الجلسة بحضور رئيس اللجنة السيد ثابت العابد، ونائب الرئيس السيد أيمن بن صالح، ومقرّرة اللجنة السيدة هالة جاب الله، إلى جانب عدد من أعضاء اللجنة والنواب من غير أعضائها، فضلاً عن ممثل عن جهة المبادرة التشريعية.

كما استمعت اللجنة إلى ممثلة عن وزارة الصحة التونسية، بالنظر إلى حساسية الموضوع وارتباطه المباشر بالمنظومة الصحية الوطنية.

المعطى الصحي… بين الخصوصية والحق في العلاج

في كلمته الافتتاحية، شدّد رئيس اللجنة على أن المعطيات الصحية لا يمكن اختزالها في مجرد بيانات تقنية، بل هي معلومات تمسّ الكرامة الإنسانية والحق في الحياة الخاصة، كما ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحق في العلاج.

وأوضح أن حماية هذه المعطيات يجب أن تكون في أعلى درجاتها، مع ضمان استمرارية المرفق الصحي ونجاعة المنظومات المعلوماتية بالمستشفيات، إضافة إلى دعم تطور الطب الرقمي وتمكين البحث العلمي من الاشتغال في إطار قانوني واضح وقابل للتطبيق.

وأكد أن مقترح القانون لا يهدف إلى تقليص مستوى الحماية، بل يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين صون الحياة الخاصة من جهة، وضمان فعالية المنظومة الصحية والبحث الطبي من جهة أخرى.

أحكام جديدة لتنظيم معالجة البيانات الصحية

يتضمن مقترح القانون جملة من الأحكام المهمة، أبرزها إخضاع معالجة المعطيات الصحية إلى ترخيص مسبق، وتنظيم آجال الاحتفاظ بها، وتقييد إحالتها أو إيوائها خارج التراب التونسي، إلى جانب ضبط شروط استعمالها في البحث العلمي.

وأشار رئيس اللجنة إلى أن مفهوم السيادة الرقمية لا يعني الانغلاق، بل يعني التحكم في شروط نقل المعطيات وضمان مستوى حماية مكافئ عند التعامل مع أطراف خارجية، بما يحفظ حقوق الأفراد ويصون الأمن الصحي الوطني.

وزارة الصحة: تنظيم قائم وتحديات عملية

من جهتها، أوضحت ممثلة وزارة الصحة أن المعطيات الصحية الموجودة لدى المؤسسات الصحية تُعدّ ملكاً للمؤسسة، ولا يمكن الاطلاع عليها إلا من قبل الإطار الطبي وشبه الطبي، في حين تتولى الأطراف الفنية معالجة البيانات دون التعرف على هوية أصحابها.

وبخصوص مشاريع البحث العلمي، بيّنت أن النصوص الحالية تشترط الحصول على ترخيص من هيئة حماية المعطيات الشخصية عند معالجة المعطيات الصحية. غير أن غياب هذه الهيئة منذ سنة 2024 تسبب أحياناً في تعطيل بعض المشاريع البحثية، وهو ما أثار نقاشاً حول ضرورة إيجاد حلول تنظيمية تضمن استمرارية البحث دون الإخلال بالحماية القانونية.

كما أكدت أنه لا يتم تخزين المعطيات الصحية خارج التراب التونسي وفق التشريع الجاري به العمل حالياً.

تساؤلات النواب: الأثر على المستشفيات والتعاون الدولي

خلال النقاش، طرح النواب تساؤلات حول مدى تأثير نظام الترخيص المسبق على المنظومات المعلوماتية الحالية بالمستشفيات العمومية والمصحات الخاصة، ومدى إمكانية تطبيقه دون تعطيل الخدمات الصحية.

كما استفسروا عن أثر منع إيواء المعطيات الصحية خارج تونس على التعاون الدولي، لا سيما في مجال الدراسات السريرية ومنصات الطب عن بعد، التي تعتمد أحياناً على بنى تحتية رقمية خارجية.

وتطرق النقاش أيضاً إلى مسألة إدراج معالجة المعطيات الجينية ضمن نص المقترح، نظراً لحساسيتها البالغة وتطور تقنيات التحليل الجيني في السنوات الأخيرة.

رهانات إقليمية ودروس مغاربية

يمثل النقاش الجاري في تونس مؤشراً على تعاظم الوعي التشريعي بأهمية حماية المعطيات الصحية في المنطقة المغاربية، في ظل التحول الرقمي المتسارع للقطاع الصحي.

وبالنسبة للمتابع الجزائري، فإن هذه التجربة التشريعية تطرح تساؤلات مماثلة حول التوازن بين حماية الحياة الخاصة، وتطوير الطب الرقمي، وضمان السيادة على البيانات الصحية في ظل التعاون الدولي والبحث العلمي العابر للحدود.

استكمال الدراسة بانتظار الردود الكتابية

في ختام الجلسة، تعهّدت ممثلة وزارة الصحة بمدّ اللجنة بأجوبة كتابية مفصلة عن مختلف استفسارات النواب في أقرب الآجال، بما يمكّن اللجنة من مواصلة دراسة مقترح القانون على أسس دقيقة.

ويؤكد هذا المسار التشريعي أن حماية المعطيات الصحية أصبحت من القضايا المركزية في التشريعات الحديثة، لما تمثله من تقاطع بين الحقوق الأساسية، والأمن الرقمي، ونجاعة المنظومات الصحية.

Share this content:

إرسال التعليق