لجنة المالية والميزانية

جلسة مفصلية مشتركة بين لجنة المالية والميزانية ولجنة تنظيم الإدارة داخل البرلمان التونسي

في تحرك تشريعي لافت، عقد البرلمان التونسي يوم الثلاثاء 23 فيفري 2026 جلسة مشتركة بين لجنة المالية والميزانية ولجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد، خُصصت للاستماع إلى جهة المبادرة التشريعية بشأن مقترحين مهمين يتعلقان بتمديد آجال الامتثال للفوترة الإلكترونية وإصلاح مجلة الصرف.

الاجتماع، الذي يُتابع باهتمام في الأوساط الاقتصادية المغاربية، يندرج ضمن مسار إصلاحي يستهدف تحديث المنظومة المالية في تونس. ويكتسي أهمية خاصة بالنسبة للفاعلين الاقتصاديين في الجزائر أيضاً، بحكم تشابه التحديات المرتبطة بالرقمنة والتحرير المالي وجذب الاستثمار.

الفوترة الإلكترونية: دعم للرقمنة أم تأجيل ضروري؟

أكد ممثلو جهة المبادرة أمام نواب البرلمان التونسي أن مقترح القانون المتعلق بتمديد آجال الامتثال لا يهدف إلى التراجع عن خيار الرقمنة، بل إلى معالجة الصعوبات التقنية واللوجستية التي تعترض التطبيق الفوري والإلزامي للمنظومة في صيغتها الحالية.

وأوضحوا أن تعميم الفوترة الإلكترونية يتطلب جاهزية رقمية متكاملة تشمل البنية التحتية المعلوماتية، وأنظمة التأمين السيبراني، وآليات التحقق من الهوية الرقمية، إلى جانب تمكين المؤسسات الصغرى والمتوسطة وأصحاب الأنشطة الفردية من الوسائل التقنية والموارد البشرية اللازمة.

وبحسب المعطيات المقدمة، فإن المنظومة مطالبة بمعالجة ما يفوق 400 مليون فاتورة سنوياً، في وقت يتجاوز فيه عدد الشركات المسجلة 800 ألف شركة، ما يستدعي نظاماً معلوماتياً عالي القدرة يضمن حماية المعطيات الشخصية والمهنية ويحافظ على سرية المعلومات.

صعوبات ميدانية وتحذير من اضطراب النشاط الاقتصادي

بيّنت جهة المبادرة أن عدداً هاماً من المتعاملين الاقتصاديين في تونس لا يزال يواجه صعوبات في الحصول على خدمات الإمضاء الإلكتروني والمفاتيح الرقمية واستكمال إجراءات التسجيل، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات في النشاط الاقتصادي في حال فرض التطبيق الفوري دون مرحلة انتقالية واضحة.

كما أُثيرت مسألة عدم جاهزية الأجهزة الرقابية حالياً لمتابعة التطبيق ومراقبته بكفاءة، ما قد ينعكس على مبدأ المساواة بين الخاضعين للمنظومة.

وفي السياق ذاته، طُرحت تساؤلات حول الجدوى المالية المباشرة للإجراء، خاصة وأن توسيع نطاق الفوترة الإلكترونية لن يترتب عنه، في المدى القريب، موارد إضافية مباشرة لخزينة الدولة.

نقاش برلماني بين التحفيز والعقوبات

شهدت الجلسة نقاشاً موسعاً بين النواب، حيث شدد عدد منهم على ضرورة التثبت من جاهزية المنظومات التقنية وضمان وضوح الإطار القانوني المنظم للمرحلة الانتقالية.

كما أشار بعض النواب إلى أن الفصل المعني ضمن قانون المالية لم يحظ بالوقت الكافي من الدراسة بسبب ضغط مناقشة الميزانية، رغم تأكيد وزارة المالية التونسية جاهزيتها للتطبيق.

في المقابل، دعا نواب آخرون إلى اعتماد مقاربة تدريجية واضحة، تقوم على التحفيز والتشجيع لفائدة المؤسسات المنخرطة في الرقمنة، بدل الاقتصار على المقاربة الردعية.

وأكدت جهة المبادرة استعدادها لدمج المقترحات المختلفة ضمن رؤية موحدة توازن بين تحديث الإدارة الجبائية وضمان استقرار النشاط الاقتصادي.

مجلة الصرف: مراجعة قانون يعود إلى 1976

انتقل البرلمان التونسي خلال الجلسة ذاتها إلى مناقشة مقترح قانون يتعلق بإصلاح مجلة الصرف، حيث أكدت جهة المبادرة أن التشريع الحالي الصادر سنة 1976 لم يعد يستجيب للتحولات الهيكلية التي شهدها الاقتصاد الوطني والعالمي.

وأوضحت أن الفلسفة القائمة على الحظر والترخيص المسبق والرقابة المركزية المشددة لم تعد ملائمة لاقتصاد منفتح ومندمج في المنظومة المالية الدولية، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.

تحول في الفلسفة القانونية: من المنع إلى الحرية المنظمة

يقترح المشروع الجديد الانتقال من منطق المنع والترخيص إلى منطق الحرية المنظمة والمسؤولية، عبر تعزيز الرقابة البعدية وتبسيط الإجراءات الإدارية المتعلقة بالعمليات المالية.

ويهدف هذا التوجه إلى تسريع المبادلات، وتخفيف الأعباء عن المستثمرين والمتعاملين الاقتصاديين، مع توجيه الرقابة نحو العمليات ذات المخاطر الحقيقية.

ويتضمن المشروع تنظيماً أوضح لفتح الحسابات بالعملة، وتحيين تعريف المقيم وغير المقيم، وإرساء قواعد أكثر مرونة للتحويلات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي المشروع.

مواكبة الاقتصاد الرقمي والأصول الافتراضية

من بين أبرز النقاط التي تضمنها مقترح مجلة الصرف الجديدة إدماج الأنشطة الرقمية والعمل عن بُعد والتعامل عبر المنصات الدولية ضمن الإطار القانوني الرسمي.

كما تطرقت المبادرة إلى ضرورة تأطير النقود والأصول الرقمية ووسائل الدفع الإلكترونية، بما يضمن خضوعها لقواعد الامتثال والحوكمة، ويحمي الاستقرار المالي في ظل توسع المعاملات العابرة للحدود.

دلالات إقليمية تهم القارئ الجزائري

بالنسبة للقارئ الجزائري، سواء كان مسؤولاً حكومياً أو مستثمراً أو رجل أعمال أو خبيراً اقتصادياً، فإن ما يجري داخل البرلمان التونسي يعكس توجهاً إقليمياً نحو تحديث التشريعات المالية ومواكبة الاقتصاد الرقمي.

وتبقى مسألة التوازن بين التحرير الاقتصادي والحفاظ على التوازنات المالية تحدياً مشتركاً في المنطقة، خاصة في ظل التحولات العالمية وتسارع رقمنة المعاملات.

واختتمت الجلسة بالتأكيد على مواصلة النظر في المقترحين وعقد سلسلة اجتماعات إضافية مع مختلف الأطراف المعنية، بما يضمن صياغة إصلاحات متدرجة ومدروسة.

 

Share this content:

إرسال التعليق