اللغة العربية في الطب بالجزائر

مشروع وطني لتعزيز استعمال اللغة العربية في الطب بالجزائر

مشروع وطني لتعزيز استعمال اللغة العربية في الطب بالجزائر

احتضن مقر المجلس الأعلى للغة العربية صبيحة يوم الثلاثاء 03 مارس 2026، الموافق لـ13 رمضان 1447هـ، اجتماعًا رسميًا خُصّص لتنصيب لجنة مشروع تعميم استعمال اللغة العربية في المجال الطبي في الجزائر، تحت رئاسة الأستاذ الدكتور صالح بلعيد، رئيس المجلس.

ويأتي هذا الاجتماع في سياق توجه وطني يرمي إلى تعزيز حضور اللغة العربية في ميادين التخصص العلمي، وعلى رأسها القطاع الصحي، بما يعكس إرادة مؤسساتية واضحة لتطوير المصطلح الطبي العربي، وتكريس استعماله في الممارسة اليومية داخل المؤسسات الاستشفائية والجامعية.

مشاركة وطنية وعربية واسعة

شهد اللقاء حضور نخبة من الأساتذة والباحثين المختصين من كليات الطب والمراكز الطبية الجزائرية، إلى جانب خبراء من دول شقيقة، على غرار تونس وسوريا والكويت، فضلاً عن مشاركة إطارات المجلس الأعلى للغة العربية وعدد من المترجمين المختصين في المصطلح الطبي.

ويعكس هذا الحضور المتنوع البعد العلمي والتشاوري الذي أُريد للمشروع، حيث تم التأكيد على أهمية توحيد الجهود بين مختلف الفاعلين في قطاع الصحة واللغة، من أجل إنجاح مشروع تعميم استعمال اللغة العربية في المجال الطبي في الجزائر وفق رؤية منهجية دقيقة تراعي الخصوصيات الوطنية والمعايير العلمية المعتمدة دوليًا.

ضبط منهجية العمل وتحديد آليات التنسيق

خُصص الاجتماع لتنصيب لجنة المشروع رسميًا، حيث تم ضبط منهجية العمل وتحديد آليات التنسيق العلمي بين مختلف المشاركين، بما يضمن السير الحسن للمشروع وتحقيق أهدافه ضمن آجال معقولة.

كما تم الاتفاق على اعتماد مقاربة تشاركية تقوم على جمع المصطلحات الطبية المتداولة، ودراستها، وتوحيدها، واقتراح بدائل عربية دقيقة، مع مراعاة التطورات المتسارعة في العلوم الطبية.

وفي هذا الإطار، تم تعيين الدكتور بومدين قراوي منسقًا لأعمال اللجنة، حيث سيتولى متابعة مراحل تنفيذ المشروع وضمان الانسجام بين الفرق العلمية واللغوية المشاركة.

أهداف استراتيجية لخدمة المريض والمجتمع

يهدف مشروع تعميم استعمال اللغة العربية في المجال الطبي في الجزائر إلى توسيع حضور اللغة العربية في الممارسة الطبية، بما يسهم في تسهيل التواصل الفعال بين الطواقم الطبية والمريض وأفراد عائلته.

فالتواصل الطبي الواضح يعد عنصرًا أساسيًا في جودة الرعاية الصحية، إذ يضمن فهمًا دقيقًا للتشخيص وخطط العلاج، ويعزز الثقة بين الطبيب والمريض. كما يسهم اعتماد اللغة العربية في تقليص الفجوة اللغوية التي قد تواجه بعض المرضى، خاصة كبار السن أو غير المتمكنين من اللغات الأجنبية.

ومن جهة أخرى، يسعى المشروع إلى تعزيز التواصل بين الأطقم الطبية ومختلف الهيئات ذات الصلة، مثل قطاع العدالة والأجهزة الأمنية، خصوصًا في القضايا التي تتطلب تقارير طبية أو خبرات شرعية، ما يفرض توحيد المصطلحات وضبطها بدقة علمية.

أسس علمية ومصطلحية راسخة

يرتكز المشروع على وضع أسس علمية ومصطلحية كفيلة بترسيخ استعمال اللغة العربية في المجال الطبي، دون الإخلال بالمعايير الأكاديمية أو العلمية المعترف بها عالميًا.

ويؤكد القائمون على المبادرة أن الهدف لا يتمثل في القطيعة مع اللغات الأجنبية، بل في تطوير رصيد لغوي عربي متخصص قادر على مواكبة مستجدات الطب الحديث، واستيعاب المفاهيم الجديدة بدقة ووضوح.

كما يتضمن المشروع العمل على إعداد مراجع ومعاجم طبية عربية محدثة، يمكن اعتمادها في كليات الطب والمعاهد الصحية، بما يعزز تكوين الطلبة باللغة العربية، ويدعم البحث العلمي في هذا المجال.

امتداد لجهود وطنية في ترقية اللغة العربية

يأتي هذا المشروع ضمن مسار متواصل يقوده المجلس الأعلى للغة العربية لترقية حضور اللغة العربية في ميادين التخصص العلمي، وتطوير المصطلح العربي بما يستجيب لمتطلبات المعرفة المعاصرة.

ويؤكد رئيس المجلس، الأستاذ الدكتور صالح بلعيد، أن تعميم استعمال العربية في القطاعات الحيوية يمثل خيارًا استراتيجيًا يهدف إلى خدمة المجتمع وتعزيز السيادة اللغوية، مع الانفتاح على التجارب العربية والدولية الرائدة في هذا المجال.

أبعاد متعددة تمس مختلف الفاعلين

لا يقتصر أثر مشروع تعميم استعمال اللغة العربية في المجال الطبي في الجزائر على القطاع الصحي فحسب، بل يمتد ليشمل مختلف الفاعلين في المجتمع.

فبالنسبة للمواطن، يمثل المشروع خطوة نحو تبسيط الخطاب الطبي وتعزيز حقه في فهم حالته الصحية بلغة واضحة. أما بالنسبة للمسؤولين الحكوميين، فيندرج ضمن جهود تطوير الإدارة العمومية وتعزيز استعمال اللغة الوطنية في القطاعات الاستراتيجية.

كما يشكل المشروع أهمية للباحثين والأكاديميين، إذ يفتح آفاقًا جديدة للبحث في المصطلح الطبي العربي، ويسهم في إثراء الإنتاج العلمي باللغة العربية، بما يعزز مكانة الجزائر في الفضاء العلمي العربي.

نحو تكريس ثقافة علمية باللغة الوطنية

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجال العلوم الطبية، تبرز الحاجة إلى تطوير أدوات معرفية باللغة الوطنية تتيح مواكبة هذه التطورات، وتسهيل نقل المعرفة إلى المجتمع.

ويمثل هذا المشروع خطوة عملية نحو تكريس ثقافة علمية باللغة العربية، تعزز الانتماء الثقافي وتدعم في الوقت ذاته جودة الأداء المهني في القطاع الصحي.

وبتنصيب لجنة المشروع، تكون الجزائر قد أطلقت ورشًا علميًا واعدًا، يسعى إلى تحقيق توازن بين الأصالة والانفتاح، وبين الهوية الوطنية ومتطلبات التخصص العلمي الحديث.

Share this content:

إرسال التعليق