المحكمة الدستورية

المحكمة الدستورية تؤكد أصالة التشريع الجزائري من بوابة الوساطة والصلح

أكدت ليلى عسلاوي، رئيسة المحكمة الدستورية، أن التشريعات الوطنية في الجزائر تستند في جوهرها إلى مرجعية أصيلة مستمدة من الشريعة الإسلامية، نافيةً بذلك الادعاءات التي تروّج لفكرة أن “القانون الجزائري مستورد من تشريعات أجنبية”.

وجاء ذلك في كلمة ألقتها بمناسبة تنظيم الندوة الشهرية الرابعة حول موضوع الوساطة والصلح بين الشرع والقانون، حيث شددت على أن المحكمة الدستورية تحرص، في كل مشاريع القوانين المعروضة عليها، على ضمان توافقها مع أحكام الدين الإسلامي ومبادئه السمحة، بما ينسجم مع الهوية الوطنية ويعكس خصوصية المجتمع الجزائري.

وأوضحت رئيسة المحكمة أن هذا التوجه ليس مجرد طرح نظري، بل ممارسة مؤسساتية راسخة تترجم في آليات الرقابة الدستورية التي تعتمدها المحكمة، والتي تجعل من المرجعية الدينية أحد الأبعاد الأساسية في قراءة النصوص القانونية وتقييم مدى مطابقتها للدستور.

 

التكامل بين المرجعيتين الدينية والقانونية

وفي سياق حديثها عن الوساطة والصلح بين الشرع والقانون، أبرزت السيدة عسلاوي أن تنظيم هذه الندوة الشهرية يعكس إرادة واضحة لترسيخ التكامل البنّاء بين العلوم الشرعية والعلوم القانونية، مؤكدة أن المرجعيتين ليستا في حالة تعارض، بل في حالة انسجام يخدم العدالة ويصون الحقوق والحريات.

وأضافت أن دستور سنة دستور الجزائر 2020 أقرّ مبادئ واضحة تكفل حماية الحقوق الأساسية للمواطنين، في إطار يحترم الثوابت الوطنية والدينية. ومن هذا المنطلق، تعمل المحكمة الدستورية على تحقيق التوازن بين متطلبات الدولة الحديثة ومقوماتها القانونية، وبين الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع الجزائري.

وشددت على أن النقاش العلمي الذي تحتضنه الندوات الدورية يهدف إلى تعميق الفهم المشترك بين الفقهاء والقانونيين، وتوسيع آفاق التعاون بما يعزز استقرار المنظومة القانونية ويقوي الثقة في مؤسسات الدولة.

 

الوساطة في المنظومة القانونية الجزائرية

وفي محور عملي يعكس تجسيد الوساطة والصلح بين الشرع والقانون داخل النصوص التشريعية، أشارت رئيسة المحكمة الدستورية إلى أن موضوع الوساطة يتجسد في عدة قوانين جزائرية، من بينها الأمر رقم 15-02 لسنة 2015، الذي يجيز لوكيل الجمهورية المبادرة بالوساطة في بعض القضايا.

وأوضحت أن هذا الإجراء يشمل قضايا ذات طابع اجتماعي حساس، مثل الإهمال العائلي وعدم تسليم الأطفال، وهي ملفات تتطلب حلولاً تراعي البعد الإنساني والاجتماعي قبل اللجوء إلى العقوبات التقليدية. وتعد هذه الآلية امتدادًا لمبدأ الصلح المعروف في الفقه الإسلامي، والذي يهدف إلى إصلاح ذات البين وتحقيق الاستقرار الأسري والمجتمعي.

وأكدت أن تبني الوساطة كآلية قانونية يعكس فلسفة تشريعية تقوم على تغليب منطق الحلول التوافقية وتقليل النزاعات القضائية، بما يخفف الضغط عن المحاكم ويساهم في تعزيز السلم الاجتماعي.

6-1 المحكمة الدستورية تؤكد أصالة التشريع الجزائري من بوابة الوساطة والصلح

الصلح قبل الطلاق: آلية لحماية الأسرة

وتطرقت السيدة عسلاوي إلى جانب آخر من تجليات الوساطة والصلح بين الشرع والقانون في التشريع الجزائري، والمتعلق بقضايا الأحوال الشخصية. وأوضحت أنه في حال اشتداد الخلاف بين الزوجين، يجوز للقاضي اللجوء إلى مساعي الصلح قبل إصدار حكم الطلاق.

ويتم ذلك من خلال تعيين حكم من أهل الزوج وحكم من أهل الزوجة، يتوليان مهمة تقريب وجهات النظر وتقديم تقرير صلحي في أجل محدد بشهرين، قبل أن يفصل القاضي في النزاع. وأكدت أن هذا الإجراء يعكس بوضوح استلهام المشرع الجزائري لأحكام الشريعة الإسلامية، التي تولي أهمية قصوى لحماية الأسرة والحفاظ على الروابط الزوجية.

وأضافت أن هذه الآلية لا تمثل فقط إجراءً قانونيًا، بل تجسد بعدًا أخلاقيًا واجتماعيًا يعزز قيم الحوار والتفاهم، ويضع مصلحة الأسرة والأبناء في صدارة الأولويات.

 

أبعاد اقتصادية واجتماعية للوساطة

وفي قراءة أوسع، فإن تكريس الوساطة والصلح بين الشرع والقانون لا يقتصر على الجوانب الأسرية أو الجزائية فحسب، بل يمتد ليشكل عنصرًا مهمًا في بيئة الأعمال والاستثمار. فالوساطة تسهم في تسوية النزاعات بطرق سريعة وفعالة، ما يعزز مناخ الثقة لدى المستثمرين ورجال الأعمال، ويحد من طول أمد التقاضي.

كما أن اعتماد آليات الصلح ينعكس إيجابًا على الاستقرار الاجتماعي، وهو عامل أساسي في تحقيق التنمية الاقتصادية وجذب رؤوس الأموال. ومن هذا المنطلق، يشكل الخطاب الذي قدمته رئيسة المحكمة الدستورية رسالة طمأنة لمختلف الفاعلين في المجتمع، مفادها أن المنظومة القانونية الجزائرية قائمة على أسس راسخة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

 

رسالة موجهة للمجتمع بمختلف فئاته

تكتسي كلمة رئيسة المحكمة الدستورية أهمية خاصة في الظرف الراهن، إذ تخاطب المواطن البسيط الذي يبحث عن عدالة منصفة، والمسؤول الحكومي الساعي إلى سن تشريعات متوازنة، ورجل الأعمال الذي يطمح إلى بيئة قانونية مستقرة، والخبير الاقتصادي الذي يدرك أهمية الاستقرار التشريعي في دعم النمو.

ومن خلال التأكيد على أن التشريعات الجزائرية ذات طابع ديني أصيل، وأن الوساطة والصلح بين الشرع والقانون يمثلان ركيزة في بناء العدالة، ترسخ المحكمة الدستورية قناعة مفادها أن المنظومة القانونية الوطنية ليست انعكاسًا لنماذج مستوردة، بل تعبير عن هوية مجتمع وتاريخه وثوابته.

 

Share this content:

إرسال التعليق