تنظيم القطاع السياحي

مناقشة إصلاحات جديدة لتنظيم السياحة وتطوير الخدمات السياحية

عقدت لجنة السياحة والثقافة والخدمات والصناعات التقليدية جلسة عمل يوم الأربعاء 11 مارس 2026 خُصصت للاستماع إلى عدد من أصحاب المبادرات التشريعية المتعلقة بتطوير تنظيم القطاع السياحي، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى تحديث التشريعات المرتبطة بالقطاع ومواكبة التحولات التي يشهدها مجال السياحة والخدمات المرتبطة به.

وشهدت الجلسة حضور رئيس اللجنة السيد محمد اليحياوي، إلى جانب المقرر السيد أيمن البوغديري، وأعضاء اللجنة صالح الصيادي ورمزي الشتوي ونزار الصديق، بالإضافة إلى عدد من النواب غير الأعضاء الذين شاركوا في النقاشات المطروحة.

وقد تناولت الجلسة ثلاث مبادرات تشريعية أساسية تتعلق بتنظيم مهنة الدليل السياحي، وإرساء منظومة وطنية للسياحة الاجتماعية، إضافة إلى تنظيم استغلال الشقق والمساكن المفروشة، وهي ملفات تحظى باهتمام متزايد نظراً لدورها في دعم الاقتصاد السياحي وتعزيز جودة الخدمات السياحية.

 

مراجعة القوانين المنظمة لمهنة الدليل السياحي

استهلت اللجنة أعمالها بالاستماع إلى ممثلي المبادرة التشريعية المتعلقة بتنظيم مهنة الدليل السياحي، حيث أكدوا أن النصوص القانونية الحالية التي تنظم هذه المهنة تعود إلى سبعينات القرن الماضي، وهو ما يجعلها غير مواكبة للتطورات التي شهدها قطاع السياحة خلال العقود الأخيرة.

وأوضح أصحاب المبادرة أن هذه التشريعات أصبحت في حاجة ماسة إلى مراجعة شاملة، خاصة في ظل ظهور عدد من الاختلالات التي أثرت على صورة المهنة وعلى جودة الخدمات السياحية المقدمة للزوار.

وأشاروا إلى أن مهنة الدليل السياحي تعاني من حالة من التهميش خلال السنوات الماضية، الأمر الذي أدى إلى عزوف العديد من أصحاب الكفاءات عن ممارستها، في مقابل انتشار ممارسات غير قانونية من قبل أشخاص لا يمتلكون المؤهلات اللازمة للعمل في هذا المجال.

كما لفتوا إلى أن ضعف الرقابة نتيجة قلة عدد المتفقدين ساهم في تفاقم هذه الظاهرة، وهو ما ينعكس سلباً على صورة السياحة ويؤثر على جودة المعلومات التي يحصل عليها السائح.

dd-1 مناقشة إصلاحات جديدة لتنظيم السياحة وتطوير الخدمات السياحية

مقترح لتنظيم المهنة وضمان حقوق السائح والدليل

وفي إطار معالجة هذه الإشكالات، أوضح أصحاب المبادرة أن المقترح الجديد يهدف إلى وضع شروط واضحة وصارمة لممارسة مهنة الدليل السياحي، بما يضمن للسائح الحصول على معلومات دقيقة ومرافقة سياحية مهنية.

ويتضمن المقترح اشتراط توفر حد أدنى من المعرفة بتاريخ البلاد وثقافتها، إلى جانب إتقان اللغات الأجنبية التي تمكن الدليل السياحي من التواصل مع الزوار القادمين من مختلف الدول.

كما يهدف النص المقترح إلى حماية حقوق الدليل السياحي سواء على المستوى المهني أو المادي، بما يعزز جاذبية المهنة ويشجع الكفاءات على الانخراط فيها.

وخلال النقاش، شدد النواب على أهمية الدور الذي يلعبه الدليل السياحي باعتباره سفيراً ثقافياً يعرّف الزائر بتاريخ البلاد وحضارتها، مؤكدين أن تنظيم هذه المهنة بشكل دقيق يعد خطوة أساسية لتحسين صورة القطاع السياحي.

 

نقاش حول الإطار القانوني المنظم للقطاع

أشار عدد من النواب إلى أن القطاع السياحي يخضع حالياً لأحكام المرسوم عدد 5 لسنة 1973 والنصوص التطبيقية المرتبطة به، ومنها الأمر عدد 512 لسنة 1973، والذي تم تحديثه مؤخراً بموجب الأمر عدد 551 لسنة 2024.

وفي هذا السياق، دعا النواب إلى توضيح ما إذا كانت المبادرة التشريعية المطروحة تهدف إلى تنقيح النصوص الحالية أو إلى إصدار قانون جديد يلغي ويعوض المنظومة القانونية القائمة.

كما اعتبر بعض المتدخلين أن العديد من التجاوزات المسجلة في القطاع لا تعود بالضرورة إلى ضعف النصوص القانونية، بل إلى ممارسات مخالفة للقانون من قبل بعض الدخلاء، وهو ما يستوجب تعزيز الرقابة والتعامل مع هذه الحالات من خلال الإجراءات الأمنية والقضائية.

وفي ردهم على هذه الملاحظات، أكد ممثلو أصحاب المبادرة أن النص المقترح تم إعداده بالاستناد إلى التشريعات الحالية وإلى عدد من التجارب المقارنة، إضافة إلى مقترحات مهنيي القطاع، مشيرين إلى أنه يمثل مشروعاً أولياً قابلاً للتعديل والتطوير.

 

السياحة الاجتماعية بين الطموح والتحديات

في محور آخر من الجلسة، استمعت اللجنة إلى أصحاب المبادرة التشريعية المتعلقة بإرساء منظومة وطنية للسياحة الاجتماعية.

وأوضح ممثلو المبادرة أن ارتفاع أسعار الإقامة في الفنادق والشقق السياحية بالمناطق السياحية ساهم في تراجع السياحة الداخلية، خاصة بالنسبة للفئات ذات الدخل المحدود والمتوسط.

وأشاروا إلى أن السياحة الداخلية أصبحت بالنسبة للكثير من المواطنين حلماً يصعب تحقيقه، الأمر الذي يستدعي تدخل الدولة لوضع آليات تتيح لهذه الفئات الاستفادة من الخدمات السياحية.

ويقترح المشروع في هذا الإطار إلزام المؤسسات السياحية بتخصيص جزء من خدماتها لفائدة الفئات محدودة الدخل في إطار مسؤوليتها الاجتماعية.

 

ملاحظات النواب حول تطبيق السياحة الاجتماعية

وخلال النقاش، اعتبر عدد من النواب أن المبادرة تحمل بعداً اجتماعياً وإنسانياً مهماً، غير أن تطبيقها قد يواجه عدة صعوبات قانونية وواقعية.

وأشاروا إلى أن إلزام المؤسسات السياحية الخاصة بتخصيص نسبة لا تقل عن 30 بالمائة من طاقتها الإيوائية لفائدة الفئات الفقيرة قد يكون أمراً غير عملي ويشكل عبئاً على هذه المؤسسات.

واقترح النواب اعتماد مقاربة تدريجية في تطبيق مفهوم السياحة الاجتماعية، مع تقييم النتائج بشكل دوري لضمان تحقيق الأهداف المرجوة.

كما دعوا إلى اعتماد نظام يقوم على المشاركة الطوعية للمؤسسات السياحية، مقابل منحها حوافز مالية أو امتيازات جبائية تشجعها على الانخراط في هذا البرنامج.

وفي ردهم على هذه الملاحظات، أكد أصحاب المبادرة أن نسبة 30 بالمائة تمثل مجرد اقتراح يمكن مراجعته أو تعديله بما يتماشى مع توجهات اللجنة والجهات المعنية.

ddd-1 مناقشة إصلاحات جديدة لتنظيم السياحة وتطوير الخدمات السياحية

تنظيم استغلال الشقق والمساكن المفروشة

خصص الجزء الثالث من الجلسة لمناقشة المبادرة التشريعية المتعلقة بتنظيم استغلال الشقق والمساكن المفروشة.

وأوضحت ممثلة أصحاب المبادرة أن الهدف من المشروع هو التصدي للارتفاع الكبير في أسعار كراء الشقق المفروشة خاصة في المناطق السياحية، إضافة إلى الحد من ظاهرة عدم التصريح بمداخيل هذه الأنشطة للسلطات المختصة.

وأكدت أن هذه الممارسات تؤدي إلى إثقال كاهل المواطنين من جهة، وتحرم الدولة من موارد جبائية مهمة من جهة أخرى.

ويقترح المشروع إخضاع نشاط كراء الشقق المفروشة لكراس شروط صارم يصدر بقرار من الوزير المكلف بالسياحة، إضافة إلى إلزام المؤجرين بإبرام عقود كتابية وتسجيل جميع المعاملات المالية في دفتر مرقم ومصادق عليه من مصالح الجباية.

 

نقاش حول الإطار القانوني لكراء المساكن

خلال النقاش، شدد أعضاء اللجنة على ضرورة التمييز بين الإقامة في الوحدات السياحية المنظمة والخاضعة لقوانين خاصة، وبين كراء المساكن والشقق المملوكة بصفة فردية.

وأشاروا إلى أن هذه المساكن تخضع أساساً لأحكام القانون المدني، ولا تدخل عادة ضمن اختصاص وزارة السياحة إلا في حال استغلالها بصفة منتظمة للإيواء السياحي.

واقترح النواب في هذا السياق مراجعة مضمون المبادرة بما يضمن تحقيق التوازن بين تنظيم النشاط وحماية حقوق المالكين والمستأجرين.

 

جلسات استماع جديدة لتطوير المقترحات

في ختام الجلسة، قررت لجنة السياحة والثقافة تنظيم سلسلة من جلسات الاستماع مع مختلف الأطراف المعنية، من مهنيين وخبراء وممثلين عن القطاع السياحي.

وتهدف هذه الخطوة إلى تعميق النقاش حول المقترحات التشريعية المطروحة والعمل على تطويرها بما يضمن تحقيق أهدافها.

كما يأتي هذا التوجه في إطار تعزيز التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من أجل صياغة قوانين أكثر فعالية تسهم في تطوير تنظيم القطاع السياحي وتعزيز دوره في دعم الاقتصاد الوطني.

 

Share this content:

إرسال التعليق