شمال إفريقيا

من الجزائر إلى موريتانيا: ثلاثية شمال إفريقيا في صلب التحرك الصيني الجديد

في لحظة دولية تتسم باضطراب موازين القوى، وتراجع اليقين الاستراتيجي لدى الفاعلين التقليديين، تبدو الصين وكأنها تمضي بثقة نحو إعادة صياغة حضورها في الفضاءات التي كانت إلى وقت قريب تُحسب ضمن دوائر النفوذ الغربي. ومن بين هذه الفضاءات، تبرز منطقة شمال إفريقيا، حيث تكثفت خلال الأسابيع الأخيرة إشارات دبلوماسية لافتة، تمثلت في سلسلة من اللقاءات الرسمية واستقبال السفراء في كل من الجزائر وتونس وموريتانيا.

هذه التحركات، وإن بدت في ظاهرها بروتوكولية، إلا أن القراءة المتأنية لما نشرته الصحافة الدولية والإقليمية تكشف أنها جزء من استراتيجية أعمق، تقوم على تثبيت الحضور الصيني عبر أدوات “القوة الناعمة”، وفي مقدمتها الدبلوماسية الثنائية عالية الكثافة.

 

دبلوماسية هادئة… ولكنها مستمرة

تشير تقارير وتحليلات منشورة في منصات بحثية ودبلوماسية صينية إلى أن عام 2026 يحمل رمزية خاصة في العلاقات الصينية الإفريقية، حيث يمثل مرور سبعين عاماً على انطلاق العلاقات الرسمية، وهو ما دفع بكين إلى تكثيف تواصلها السياسي والإنساني مع القارة .

ولعل اللافت، كما تؤكد نفس المصادر، أن إفريقيا ظلت الوجهة الأولى للسياسة الخارجية الصينية لسنوات متتالية، في تقليد دبلوماسي يعكس أولوية ثابتة في الاستراتيجية الصينية .

في هذا السياق، يمكن قراءة التحركات الأخيرة في الجزائر وتونس وموريتانيا باعتبارها امتداداً لهذا التوجه، لكنها تحمل أيضاً خصوصية إقليمية، ترتبط بتصاعد أهمية شمال إفريقيا كمنطقة عبور، ومجال تنافس جيوسياسي مفتوح.

 

 الجزائر: محور ارتكاز الشراكة الاستراتيجية

في الجزائر، لا تبدو اللقاءات الدبلوماسية مجرد مناسبات عابرة، بل تأتي في سياق علاقة توصف بأنها من الأكثر تقدماً في العالم العربي مع الصين. فقد تطورت هذه العلاقة إلى “شراكة استراتيجية شاملة”، وهي صيغة تعكس مستوى عالياً من الثقة والتنسيق السياسي والاقتصادي .

الصحافة الجزائرية، على غرار تحليلات نشرتها وسائل إعلام محلية، تميل إلى تقديم هذه العلاقة بوصفها نموذجاً للتعاون المتوازن، القائم على مبدأ “رابح-رابح”، بعيداً عن الإرث الاستعماري الذي يثقل علاقات المنطقة مع القوى الغربية.

وفي المقابل، ترى تحليلات غربية أن الجزائر تمثل بالنسبة لبكين “بوابة طاقوية واستراتيجية”، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها سوق الغاز العالمي.

 

 تونس: انفتاح اقتصادي تحت ضغط التحديات

أما في تونس، فإن استقبال السفير الصيني يأتي في سياق اقتصادي دقيق، حيث تبحث البلاد عن شركاء جدد لتجاوز أزماتها المالية.

وتشير تقارير منشورة في وسائل إعلام دولية إلى أن الصين تطرح نفسها كشريك بديل، عبر عروض استثمارية وتمويل مشاريع بنية تحتية، دون شروط سياسية صارمة، وهو ما يمنحها أفضلية نسبية في نظر بعض النخب التونسية.

العلاقة بين البلدين ليست جديدة، إذ تعود إلى عقود طويلة من التعاون السياسي والدبلوماسي، مع التزام تونسي واضح بسياسة “الصين الواحدة” ، غير أن الجديد اليوم هو انتقال هذه العلاقة من بعدها الرمزي إلى رهانات اقتصادية ملموسة.

1-9 من الجزائر إلى موريتانيا: ثلاثية شمال إفريقيا في صلب التحرك الصيني الجديد

 موريتانيا: عمق استراتيجي وموارد واعدة

في موريتانيا، تكتسب التحركات الصينية بعداً مختلفاً، يرتبط أساساً بالموارد الطبيعية والموقع الجغرافي.

فالعلاقات بين البلدين، التي تعود إلى ستينيات القرن الماضي، شهدت تطوراً ملحوظاً، خاصة في مجالات الطاقة والتعدين، حيث أبدت الصين اهتماماً متزايداً بالثروات النفطية والمعدنية في البلاد .

الصحافة الإفريقية، وعلى رأسها منصات تحليلية متخصصة، ترى أن موريتانيا تمثل حلقة مهمة في الربط بين غرب إفريقيا وشمالها، وهو ما ينسجم مع مشاريع الربط والبنية التحتية التي تدفع بها الصين في إطار توسعها القاري.

 

كيف تقرأ الصحافة العالمية هذه التحركات؟

عند تتبع ما نشرته الصحافة العالمية، يمكن رصد ثلاث قراءات رئيسية:

أولاً، قراءة تعتبر أن الصين تمارس “دبلوماسية بديلة”، تقوم على عدم التدخل، وتقديم شراكات اقتصادية دون شروط سياسية، وهو ما يعزز جاذبيتها في المنطقة.

ثانياً، قراءة تحذيرية، ترى أن هذا التوسع قد يؤدي إلى اعتماد مفرط على التمويل الصيني، وما يرافقه من مخاطر اقتصادية طويلة المدى.

أما القراءة الثالثة، وهي الأقرب إلى الطرح الأكاديمي، فترى أن ما يحدث هو إعادة توازن في النظام الدولي، حيث لم تعد المنطقة حكراً على نفوذ تقليدي واحد.

وفي هذا الإطار، تشير دراسات منشورة حول التوسع الصيني في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى أن بكين تعتمد على مزيج من الاستثمار، والدبلوماسية، والانخراط متعدد الأطراف، ما يجعل حضورها أكثر رسوخاً واستدامة .

 

بين الرمزية السياسية والرهانات الاقتصادية

اللافت في هذه التحركات أنها تجمع بين الرمزي والعملي في آن واحد.

فاستقبال السفراء يحمل دلالات سياسية تتعلق بتأكيد الشراكات، لكنه في الوقت نفسه يمهد لتوسيع التعاون في مجالات محددة، مثل:

الطاقة

البنية التحتية

التكنولوجيا

الاقتصاد الرقمي

وهنا، تتقاطع المصالح بشكل واضح: دول تبحث عن تنويع شركائها، وصين تبحث عن تثبيت حضورها في ممرات استراتيجية.

 

قراءة ختامية: ما الذي تغيّر؟

ما تغيّر اليوم ليس فقط حجم الحضور الصيني، بل طبيعته أيضاً.

فبكين لم تعد تكتفي بدور المستثمر أو الشريك التجاري، بل باتت فاعلاً دبلوماسياً نشطاً، يتحرك بهدوء، ولكن بثبات، لبناء شبكة علاقات طويلة الأمد.

وفي الجزائر وتونس وموريتانيا، تبدو هذه الاستراتيجية في طور الترسخ، مستفيدة من تحولات دولية أوسع، أبرزها تراجع الحضور الغربي التقليدي، وصعود نماذج جديدة من الشراكات الدولية.

وبينما تستمر هذه الدينامية، يبقى السؤال مفتوحاً أمام صناع القرار في المنطقة:

هل يمكن تحويل هذا الحضور الصيني إلى فرصة تنموية حقيقية، أم أنه سيعيد إنتاج أشكال جديدة من التبعية في ثوب مختلف؟

Share this content:

إرسال التعليق