تاريخ المسرح

المسرح من الطقوس اليونانية إلى الركح المغاربي: رحلة عبر التاريخ والتحولات

بقلم: رابح الأصقع

الحديث عن المسرح العالمي، يقودنا إلى السفر عبر قطار الزمن، للولوج إلى ركح المسرح، عبر بوابة التاريخ، ونطل من نافذته على فن التراجيديا أو المأساة، والأشد ارتباطا بالطقوس الدينية، خاصة عند اليونانيين، مثل أعياد “دينوسيوس”، إلٰه الخصب والنماء.. وباقي المؤسسين لهذا اللون من المسرح اليونانيّ، الذي يُعدّ من موارد الحضارة اليونانية
( سخليوس) و(سوفوكلس)، وكلاهما عاش ومات قبل الميلاد. وما ميّز أسلوبهما، في العرض المسرحيّ آنذاك، التراجيديا، ذات النهايات المأساوية الحزينة والمؤثّرة، وإبراز سلطان القدر، خاصة في مسرحية ” أوديب”، ملِكا ل (سوفوكلس) و(يوربيس)، هذا الذي أحدث تغييرا، بجعل المسرح يقترب من الواقع ومعالجة مجال المشاعر والعواطف واليوميات الوجدانية، بدل القدر والآلهة.. إلى درجة الوصول إلى اللون الكوميديّ.

 

المسرح الكلاسيكي وتأثير الشعر

كما كتب (أرسطو) “فانيس”. أما ما شجّع هذا اللون، في الأداء والعَرض المسرحيّ، أنه يحتوي على فن الشعر، وهو ما يُعرف بالمسرح الكلاسيكيّ.

 

من اليونان إلى روما: تطور الإنتاج المسرحي

إنّ الحديث عن المسرح اليونانيُ، يقتضي الحديث عن المسرح الرومانيّ، الذي تطوّر إلى حد ما، تاركا إنتاجا مسرحيا هائلا، من حيث الكم. ومن أشهر كُتابه (بلوتوس)، الذي كتب نصوصا كوميدية، أهمها” دعاء الذهب”.

 

عصر النهضة: المسرح بين الأدب والفلسفة

أما في عصر النهضة، فقد تطوّر المسرح العالميّ بسكل بارز، لما أصبح ملازما ومدمجا مع الألوان الأدبية، واقترابه من الفلسفة العقلية. وقد استفاد نقاد هذه المرحلة، من الكاتب والناقد (أرسطو)، في فن الشعر، خاصة من ثلاثيته الشهيرة، متمثلة في وحدة كلّ من الحدث، الزمان والمكان، والتي أصبحت قاعدة أساسية، بل قانونا للكُتاب المسرحيين،
والذين من أشهرهم، في هذه المرحلة (كورني، راسين، و موليير…). كذلك ما ميّز النص المسرحيّ، هو الإضافة والتعديل في:
1- الزيادة في عدد الفصول والحوار وعدد الممثلين
2- تهذيب اللغة وتفادي الكلام الساقط والمبتذل؛ باعتبار المسرح- في هذه المرحلة – فنا قائما على العقل. وهذا الأخير ميال إلى الارتقاء والتهذيب وفخامة الديكور والإكسسوارات.

 

الرومانسية: التمرد على القواعد

أما في عصر الرومنسية، التي تميُزت بروح التمرد وتفضيل الحريات الفردية، على حساب قيم المجتمع، فهي لا تبالي بقانون الوحدات الثلاث ل ” أرسطو” (حدثا، زمانا ومكانا). وبدل الارتقاء بالحوار المبتذل،، شجّعت الكلام السوقيّ، كما تخلّت عن الطبقة الأرستقراطية. ومن أعلام هذا اللون المسرحي، نذكر
(فيكتور هيجو)، في عديد مسرحياته، منها “كرومويل”و” الكسندر دوماس”.

 

المسرح الحديث: من الواقعية إلى العبث

ومع مطلع القرن العشرين، ظهر المسرح التقليديّ، كاتجاه جديد، خاصة مع ظهور علم النفس، في اللاوعي والمسرح العبثي واللامعقول. ومن رواده (صمويل بكيت)، في مسرحيته الشهيرة ” في انتظار جودو”. كما برز الكاتب المسرحيّ الكبير ( بريخت)، في مسرحيته “دائرة الطباشير القوقازية”، بتوظيفه البنية الملحمية والأسطورية.
للإشارة لم يعرف المسرح وحده هذه التحوُلات، بل رافقته مدارس فنية أخرى، خاصة الفنون التشكيلية، توازنا مع الاتجاهات المنادية بتخحرير العقل، وبروز التمرد وتشجيع الحريات الفردية، على حساب القيم الدينية والأعراف الاجتماعية، وحتى القوانين التنظيمية للنسيج الاجتماعيّ.

 

نشأة المسرح العربي الحديث

وعن المسرح العربيّ الحديث، فقد تأسس في منتصف القرن التاسع عشر، في بلاد الشام، وازدهر في مصر، من خلال التأثر بالغرب والشرق.. من هنا بدأت مرحلة الاقتباس ثم الترجمة، كما في مسرحية ” البخيل” ل (موليير)، ومسرحية “هارون الرشيد”، ثم ترجمة الموروث الشعبي، مثل” الف ليلة وليلة”. وعلى مستوى اللغة، تم توظيف العامية؛ بهدف إيصال الرسائل السياسية وتعزيز الوعي الاجتماعيّ ونقد الواقع المعاش، كما فعل المسرحيّ اللبنانيُ مارون النقاش، الذي عمد إلى ترجمة عديد المسرحيات. هذا وقد أسهم الكاتب المسرحيّ جورح أبيض، في سنة 1910، في رسم المشهد المسرحيّ، في مصر والوطن العربيّ، ليقدّم أروع المسرحيات، التي تناولت قضايا الشعوب العربية. وهناك من الكُتاب المسرحيين، مَن اشتغل بالتمثيل والإخراج، مثل سلامة حجازي، فاطمة رشدي.. وهم ممن أضافوا ألوانا أخرى، للعُروض المسرحية، كالمسرح الغنائي والأوبرات.

 

التأثيرات الثقافية في المغرب العربي

ونظرا لقرب بلاد المغرب العربي من مصر وفرنسا، فقظ حصل الاحتكاك والتبادل الثقافيّ، من ذلك قدوم يوسف وهبي بقرقته إلى الحزائر، وفنانون آخَرون مثل الفرد فرح، يوسف إدريس، سعد الدين وهبة، الماغوط، معين بسيسو، صلاح عبد الصبور ورواد المسرح الغنائي، ك توفيق الحكيم وأحمد شوقي
وأحمد درويش.. فأضاؤوا ركح المسرح مشرقا ومغربا.

 

بدايات المسرح في تونس والمغرب

ففي المغرب العربي، كانت انطلاقة المسرح على ضوء زيارات فرق مسرحية، من مصر ولبنان. ففي تونس، كان هناك عمل مشترك، رسم المشهد المسرحيّ، في سنة 1909،من خلال تشكيل جوق مصريّ تونسيّ، وجماعة الآداب العربية (1911).
ولعل أشهر النصوص التونسية، كانت ل محمد الجعايبي، ونص الانتقام للشيخ محمد مناشو.. وقد أقام في تونس الفنان القدير جورج أبيض، سنة كاملة، الأمر الذي كان وراء تأسيس مسرح عربيّ في تونس. فتخرّج من هذه المدرسة خليفة إسطنبولي ومحمد البنزرتي والشاذلي جعنورة، وهما ممثلان ومٕخرجان مسرحيان… وكان لإنشاء مدارس ومعاهد مسرحية، فضل في اقتفاء طريقة المسرح في المشرق العربيّ.

 

تطور المسرح في المغرب الأقصى

كما انتعش الفعل المسرحيّ، في المغرب الأقصى، وكان أوّل الوافدين إليه، فرقة عز الدين المصرية، إذ قدّمت في سنة 1923،مسرحية “صلاح الدين الأيوبي”، الحاملة لمقاصد المقاومة.. لتبرز بعدها عديد الأسماء، خاصة بعد زيارة فرقة فاطمة رشدي، في سنة 1932.. وهو ما سارع بظهور نجوم مسرحية، مثل المهدي المنيعي، الذي قاوم الاستعمار بالمسرح، وقد طاله السجن والتعذيب ثم النفي.

 

نشأة المسرح الجزائري وتطوره

أما في الجزائر، فهناك اختلاف بين الدارسين، حول البداية الفعلية لفن المسرح، لكن الثابت أنّ فرقة الزاهية، صاحبة عرض مسرحية” جحا” ل سلالي علي، المعروف ب علالو، في سنة، 1926، هو أوُل عَرض مسرحيّ، بقاعة (الكورسال)، ب باب الوادي. وهو ما أكّده الفنان محي الدين بشطارزي. ففي تلك المسرحية، وظُف كاتبها اللغة العامية؛ بحكم أنّ الاستعمار الفرنسي، أصدر في سنة 1938 قانونا يحظر استعمال الجزائريين للغتهم الفصحى.!

 

المسرح الجزائري: من المقاومة إلى العالمية

وقد شهد المسرح الجزائريّ تطوّرا، عندما ركّز على القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية، بطريقة نقدية عميقة ومميُزة، وذلك في مراحله الثلاث، قبل وأثناء وبعد الثورة.. فكان المسرح لسان حال الشعب، في مقاومة الاستعمار، ناهيك عن دوره في التوعية، من خلال تمرير رسائل مشفّرة، فكان حلقة وصل بين المجاهدين والشعب. كما صار المسرح ممثلا للجزائر في المحافل الدولية، بفرقة جبهة التحرير الوطني.

 

المسرح بعد الاستقلال والدعم المؤسسي

وكانت ثالث مرحلة، بعد الاستقلال، إذ اهتمت الجزائر بإنشاء معاهد للفنون وترقية الأداء المسرحيّ وتفعيل الممارسة الثقافية.. فكانت المواضيع تمجّد الثورة وتُخلّد ذكرى الشهداء، خاصة بعد تبني الدولة للنظام الاشتراكيّ. وازداد المسرح انتعاشا وتطوّرا بعد العشرية السوداء، في تسعينيات القرن الماضي، بظهور فِرق احترافية ومواهب شبانية، على درجة عالية من التكوين المسرحي، حصدت جوائز وطنية وجهوية ودولية، امتدادا لمؤسسي المسرح الجزائري، أمثال محي الدين بشطارزي، محمد التوري، مصطفى كاتب، حسن الحسني، رضا حوحو و محمد ونيش… ممن رحلوا عنا، تاركين لنا أسسا ورسائل، ليعمّ نور المسرح ويطرق أبواب مدارسنا ومراكز ودور الثقافة. والأجمل ما أقدم عليه رئيس الجمهورية، حين أنشأ شعبة بكالوريا في فنون الموسيقى والمسرح والسمعي البصري والفنون التشكيلية. إضافة إلى بناء وإنشاء معاهد وكليات مختصة بالدراما والمهن الثقافية، ولعلّ أبرزها ميلاد القانون الأساسي للفنان، الذي انتظره منذ فجر الاستقلال.. خاصة من خلال إصدار بطاقة الفنان الرقمية الرسمية،؛ لتسمح له بالانضمام إلى النسبج الاجتماعيُ، وصيانة حقوقه، كبطاقة الشفاء والمزايا الصحية والتقاعد.. كما عند عمال المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

 

المسرح المغاربي وآفاق المستقبل

على أن يبقى المسرح، في مغربنا العربي، بحاجة إلى رسم معالمه، وأن تتفاعل الهيئات المسؤولة، على دمج المسارح المغاربية؛ لإنتاج مسرح مشترك، يُسهم في الوعي والحس المدني والحضاري، خاصة في ظل التكتلات والتحالفات سياسيا، اقتصاديا، عسكريا، ثقافيا وإعلاميا.

Share this content:

إرسال التعليق