جدل قانوني في تونس حول المحكمة الدستورية ومرسوم الجرائم الرقمية
في سياق الحراك التشريعي المتواصل في تونس، شهدت لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب جلسة استماع مهمة خُصصت لمناقشة مقترحي قانونين بارزين يتعلقان بإرساء المحكمة الدستورية وتنقيح المرسوم الخاص بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال. وقد عكست هذه الجلسة تفاعلاً لافتاً بين السلطة التشريعية والهيئة الوطنية للمحامين، في خطوة تعكس أهمية العمل التشاركي في صياغة نصوص قانونية تستجيب لمتطلبات المرحلة وتحافظ على التوازن بين الحقوق والحريات.
جلسة استماع موسعة بحضور نواب ومسؤولين
بدعوة رسمية من لجنة التشريع العام، انعقدت يوم الجمعة 27 مارس 2026 جلسة استماع خُصصت للاستماع إلى ممثلي الهيئة الوطنية للمحامين بتونس، وذلك بحضور رئيس اللجنة ونائبه والمقرر وعدد من أعضاء اللجنة، إلى جانب مجموعة من النواب.
وتندرج هذه الجلسة في إطار دراسة مقترح القانون عدد 100 لسنة 2025 المتعلق بإحداث المحكمة الدستورية، إضافة إلى مقترح القانون عدد 17 لسنة 2024 المتعلق بتنقيح وإتمام المرسوم عدد 54 لسنة 2022 الخاص بمكافحة الجرائم الرقمية.
وقد شكل اللقاء فرصة لتبادل الآراء القانونية والفنية حول هذين النصين، بما يعزز جودة التشريع ويضمن توافقه مع الدستور والمعايير الدولية.
دعم مبدئي لإرساء المحكمة الدستورية
في مداخلتهم، عبّر ممثلو الهيئة الوطنية للمحامين عن دعمهم لمقترح إرساء المحكمة الدستورية، معتبرين أن هذه المؤسسة تُعدّ حجر زاوية في بناء دولة القانون والمؤسسات.
وأكد عميد الهيئة أن إرساء المحكمة الدستورية يجب أن يترافق مع استكمال بقية المؤسسات الدستورية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للقضاء، لما له من دور محوري في ضمان استقلال السلطة القضائية وفق المعايير الدولية المعتمدة.
ويأتي هذا التوجه في ظل الحاجة الملحة لتعزيز التوازن بين السلطات وترسيخ آليات الرقابة الدستورية على التشريعات.

تحفظات على تركيبة المحكمة الدستورية
رغم الدعم المبدئي، أبدى أعضاء الهيئة جملة من التحفظات على تركيبة المحكمة كما وردت في نص المقترح.
وأشاروا إلى أن الاقتصار على القضاة في تشكيل المحكمة قد يؤدي إلى عزلها عن محيطها المجتمعي والسياسي، كما قد يحرمها من الاستفادة من خبرات متنوعة في مجالات القانون العام والعلوم السياسية.
وأكدوا أن التعدد في الاختصاصات داخل المحكمة من شأنه أن يعزز جودة قراراتها ويمنحها بعداً أكثر شمولية في معالجة القضايا الدستورية.
إشكاليات وظيفية ومعايير اختيار الأعضاء
على المستوى الوظيفي، أثار ممثلو الهيئة مسألة اعتماد معايير الأقدمية والسن كشرط أساسي للترشح لعضوية المحكمة، معتبرين أن ذلك قد يُقصي كفاءات قانونية شابة تتمتع بقدرات عالية.
وأوضحوا أن التركيز على الكفاءة والاقتدار القانوني يجب أن يكون المعيار الأساسي، خاصة وأن المحكمة الدستورية تحتاج إلى عناصر قادرة على الحسم السريع والدقيق في القضايا المعروضة عليها.
كما حذروا من أن هذه الشروط قد تؤثر سلباً على استقرار الاجتهاد القضائي وسرعة الفصل في النزاعات.
مقترحات لتحسين الصياغة والمضمون
على مستوى الصياغة، قدمت الهيئة الوطنية للمحامين مجموعة من المقترحات العملية التي تهدف إلى تحسين نص المشروع، سواء من حيث وضوح العبارات أو دقة المفاهيم القانونية المستخدمة.
وتركزت هذه المقترحات على ضمان انسجام النص مع أحكام الدستور، إضافة إلى تعزيز قابلية التطبيق العملي للقانون بما يحد من التأويلات المتضاربة.

موقف النواب: دعم مع انفتاح على التعديل
من جهتهم، شدد النواب على أهمية الإسراع في إرساء المحكمة الدستورية، باعتبارها خطوة ضرورية لاستكمال البناء المؤسساتي للدولة.
وأكدوا التزامهم بمنهجية العمل التشاركي، معبرين عن انفتاحهم على كافة المقترحات والملاحظات التي من شأنها تحسين النص التشريعي وضمان توافقه مع الدستور وخدمة المصلحة العامة.
كما أشاروا إلى أن هذا النوع من الحوارات يعزز جودة التشريع ويمنح النصوص القانونية مشروعية أوسع.
مراجعة مرسوم الجرائم الرقمية
فيما يتعلق بمقترح القانون الثاني، المتعلق بتنقيح وإتمام المرسوم عدد 54 لسنة 2022، أكد ممثلو الهيئة دعمهم لمراجعة هذا النص، بل ودعوا إلى استبداله بنص قانوني جديد أكثر شمولاً وتوازناً.
وأشاروا إلى ضرورة أن يحقق القانون توازناً دقيقاً بين حماية الحقوق والحريات من جهة، وضمان حقوق الغير من جهة أخرى، خاصة في ظل التوسع الكبير في استخدام التكنولوجيا الرقمية.
ضرورة التوافق مع المعايير الدولية
شددت الهيئة على أهمية توافق النص الجديد مع اتفاقية بودابست المتعلقة بمكافحة الجرائم السيبرانية، والتي صادقت عليها تونس سنة 2024.
وأكدت أن المعاهدات الدولية المصادق عليها تُعدّ أعلى مرتبة من القوانين الوطنية، وفقاً للدستور، وهو ما يستوجب مراعاة مقتضياتها عند صياغة التشريعات ذات الصلة.
ويمثل هذا التوجه خطوة مهمة نحو تعزيز اندماج المنظومة القانونية التونسية في الإطار الدولي.

ملاحظات قانونية وشكلية على النص
قدم أعضاء الهيئة جملة من الملاحظات التي شملت الجوانب الشكلية والقانونية للمقترح، واقترحوا إدخال تعديلات تهدف إلى تحسين وضوح النص وتبسيط صياغته، بما يسهم في تعزيز مقروئيته وسهولة تطبيقه.
وتعكس هذه الملاحظات حرص الهيئة على ضمان جودة التشريع وتفادي أي ثغرات قانونية قد تؤثر على فعالية النص.
التأكيد على حماية الحقوق والحريات
خلال النقاش، شدد النواب على أهمية الحفاظ على منظومة الحقوق والحريات، باعتبارها أساس الاستقرار الاجتماعي.
وفي الوقت ذاته، أكدوا ضرورة عدم استغلال هذه الحقوق للتعدي على حقوق الآخرين أو المساس بسمعتهم، مشددين على أهمية تحقيق التوازن بين الحرية والمسؤولية في الفضاء الرقمي.
ويُعد هذا التوجه محورياً في ظل التحديات التي تفرضها البيئة الرقمية الحديثة.
ختام الجلسة: انفتاح على تطوير النصوص
اختُتمت الجلسة بالتأكيد على انفتاح النواب على جميع المقترحات والتعديلات التي من شأنها تحسين النصوص القانونية وضبط مضامينها بما يضمن حماية حقوق جميع الأطراف.
ويُتوقع أن تستمر المشاورات خلال الفترة المقبلة، في إطار السعي لإصدار قوانين متوازنة تعكس تطلعات المجتمع وتواكب التحولات التكنولوجية والمؤسساتية.
Share this content:



إرسال التعليق