تونس تشدد حربها على المخدرات وتبحث مراجعة شاملة للقانون 52
تتجه تونس نحو مراجعة شاملة لمنظومتها القانونية الخاصة بمكافحة المخدرات، في ظل مؤشرات متزايدة على تنامي الظاهرة واتساع نطاقها داخل المجتمع، خاصة بين فئة الشباب. وفي هذا الإطار، واصلت لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب التونسي مناقشة مقترح قانون يهدف إلى تنقيح القانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بمكافحة المخدرات، وذلك خلال جلسة خُصصت للاستماع إلى ممثلي وزارة الداخلية.
وعُقدت الجلسة يوم الخميس 25 جوان 2026، برئاسة فوزي دعاس رئيس اللجنة، وبحضور نائب الرئيس يوسف التومي وعدد من أعضاء اللجنة والنواب، حيث تم التطرق إلى مختلف الجوانب الأمنية والتشريعية المرتبطة بملف المخدرات في تونس، والوقوف على حجم التحديات التي تواجهها الدولة في التصدي لهذه الآفة.
أرقام عالمية مقلقة تدفع للبحث عن أسواق جديدة
خلال الجلسة، أوضح ممثلو وزارة الداخلية أن العالم يشهد تصاعدًا غير مسبوق في إنتاج المواد المخدرة، وخاصة مادة الكوكايين التي تجاوز إنتاجها عالميًا مليوني طن، وهو ما دفع شبكات التهريب والترويج الدولية إلى البحث عن أسواق جديدة لتصريف هذه المواد، من بينها بلدان شمال إفريقيا.
وأشار المتحدثون إلى أن ما يقارب 4 بالمائة من سكان العالم يتعاطون أنواعًا مختلفة من المخدرات، في وقت تشهد فيه الأسواق غير المشروعة تنوعًا متزايدًا في المواد المعروضة، خاصة الأقراص المخدرة التي سجلت ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الاستهلاك خلال السنوات الأخيرة.
ارتفاع جرائم المخدرات في تونس خلال 2025
وفي عرضهم للواقع المحلي، كشف ممثلو وزارة الداخلية عن تسجيل نحو 15 ألفًا و253 قضية مخدرات خلال سنة 2025، تورط فيها ما يقارب 27 ألفًا و338 شخصًا.
وأظهرت المعطيات المقدمة أن الفئة العمرية الممتدة بين 19 و40 عامًا تمثل حوالي 89 بالمائة من إجمالي المتورطين في هذه القضايا، ما يعكس حجم التهديد الذي تشكله الظاهرة على الفئات الشابة والمنتجة داخل المجتمع.
وعلى المستوى الجغرافي، أوضحت الوزارة أن مناطق تونس الكبرى والشريط الساحلي وبعض مناطق الشمال الغربي تعد من أبرز المناطق التي تشهد استهلاكًا وترويجًا للمخدرات، الأمر الذي يفرض تعزيز الجهود الأمنية والوقائية في هذه الجهات.
حجز كميات كبيرة من المخدرات وتفكيك شبكات ترويج
واستعرض ممثلو وزارة الداخلية أبرز النتائج الأمنية المحققة في مجال مكافحة المخدرات خلال الفترة الماضية، سواء من خلال تفكيك شبكات إجرامية مختصة في التهريب والترويج أو عبر حجز كميات كبيرة من المواد المخدرة.
ووفق المعطيات الرسمية، تمكنت الأجهزة الأمنية خلال سنة 2025 من ضبط 2.590.707 قرص مخدر، إضافة إلى حجز 131.810,57 غرامًا من مادة الكوكايين.
وأكدت الوزارة أن هذه النتائج تعكس حجم الجهود المبذولة ميدانيًا، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن اتساع نشاط الشبكات الإجرامية المنظمة التي تنشط عبر الحدود وتستفيد من تطور وسائل الاتصال والتنقل.
موقع تونس الاستراتيجي يفرض تحديات إضافية
وترى وزارة الداخلية أن موقع تونس الجغرافي والاستراتيجي جعل منها نقطة عبور مهمة ضمن مسارات تهريب المخدرات العابرة للحدود، وهو ما يزيد من تعقيد مهمة الأجهزة المختصة في التصدي لهذه الجرائم.
وأكد ممثلو الوزارة أن التحديات الحالية لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تتطلب أيضًا تعزيز العمل الوقائي والتوعوي من خلال حملات تحسيسية تستهدف مختلف فئات المجتمع، إلى جانب مواصلة تفكيك الشبكات والعصابات المتورطة في الاتجار بالمخدرات.
إشادة بمقترح القانون وتشديد العقوبات على المروجين
وفيما يتعلق بمشروع تعديل القانون، ثمّن ممثلو وزارة الداخلية المحاور الأساسية التي تضمنها النص المقترح، معتبرين أنه يقدم آليات جديدة من شأنها تعزيز مكافحة المخدرات في تونس.
ومن أبرز الإجراءات الواردة في المقترح تشديد العقوبات المسلطة على مروجي المخدرات، واعتماد ظروف تشديد إضافية عندما تُرتكب الجرائم داخل المؤسسات التربوية أو الرياضية أو في محيطها، فضلًا عن إدراج تدابير علاجية ووقائية تهدف إلى الحد من انتشار الظاهرة ومعالجة آثارها الاجتماعية.
دعوة إلى مراجعة شاملة للقانون 52
وشدد ممثلو الوزارة على أن طبيعة جرائم المخدرات شهدت تطورًا كبيرًا خلال العقود الأخيرة، حيث أصبحت مرتبطة بشبكات دولية وعنقودية عابرة للقارات يصعب تفكيكها بالوسائل التقليدية.
وبناءً على ذلك، اعتبروا أن أي تعديل للقانون عدد 52 لسنة 1992 يجب أن يندرج ضمن مراجعة شاملة تستند إلى معطيات دقيقة ودراسات علمية متخصصة، مع إشراك مختلف المؤسسات والجهات المعنية في صياغة مقاربة وطنية متكاملة.
وكشف ممثلو الوزارة في هذا السياق عن تشكيل لجنة تضم ممثلين عن مختلف الوزارات والهياكل ذات الصلة، تتولى إعداد مشروع قانون جديد يهدف إلى تحديث المنظومة التشريعية الخاصة بمكافحة المخدرات وفق رؤية شاملة ومتوازنة.
مقاربة مستوحاة من تجربة مكافحة الإرهاب
وأوضح المسؤولون أن المقاربة المعتمدة في إعداد النص الجديد تستلهم التجربة التي اعتمدتها تونس في مجال مكافحة الإرهاب وغسل الأموال، والتي أثمرت نتائج إيجابية بعد صدور القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015.
وأكدوا أن الإصلاح التشريعي المنشود يجب أن يكون متناغمًا مع بقية القوانين الوطنية ذات الصلة، وكذلك مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها تونس، بما يضمن فعالية التطبيق وتحقيق الأهداف المرجوة.
كما اقترح ممثلو الوزارة تحيين الجداول الملحقة بقانون المخدرات لمواكبة التطورات المتسارعة التي تشهدها أنواع المواد المخدرة وأساليب تصنيعها وترويجها، مع احترام مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.
النواب يطالبون بإدارة خاصة لمكافحة المخدرات
من جانبهم، عبّر أعضاء لجنة التشريع العام والنواب المشاركون في الجلسة عن تقديرهم للجهود التي تبذلها القوات الأمنية في مواجهة شبكات المخدرات، مؤكدين أن هذه الظاهرة أصبحت تمثل تهديدًا حقيقيًا للمجتمع التونسي، وخاصة للشباب والتلاميذ.
واقترح عدد من النواب إنشاء إدارة متخصصة لمكافحة المخدرات على غرار الإدارة العامة لمقاومة الإرهاب، مع توفير مزيد من الإمكانات والدعم القانوني واللوجستي للأجهزة الأمنية.
كما ركزت مداخلات النواب على ضرورة تعزيز التواجد الأمني في محيط المدارس والمعاهد والأحياء الشعبية، والعمل على توفير الحماية اللازمة للمبلغين عن جرائم المخدرات، فضلًا عن تقييم نجاعة آليات التحري الخاصة المستخدمة في كشف الشبكات الإجرامية.
المخدرات قضية أمن وطني
وفي ختام الجلسة، أكد ممثلو وزارة الداخلية أن انتشار المخدرات لم يعد مجرد ظاهرة اجتماعية أو أمنية محدودة، بل أصبح قضية أمن وطني تستوجب تضافر جهود جميع مؤسسات الدولة.
وشددوا على أهمية إعداد برنامج وطني شامل يجمع بين الجوانب التشريعية والأمنية والوقائية والتوعوية، ويستند إلى تشخيص علمي وواقعي لتطور الظاهرة، بما يتيح وضع آليات فعالة للحد من انتشارها وحماية المجتمع من تداعياتها.
كما جددت الوزارة استعدادها للتعاون الكامل مع السلطة التشريعية من أجل تطوير المبادرة المعروضة وتحسينها بما يحقق أقصى درجات الفاعلية في مواجهة آفة المخدرات في تونس.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق