الامتحانات الرسمية

الامتحانات الرّسمية رمزيّة وأبعاد

بقلم أحمد جعدي

المواعيد التي يزخر بها وطننا العزيز كثيرة ومتعدّدة، ومابين المحطة والمحطّة حكايات يبصم فيها كم أثر، يترك بما يحمله من أنوار على الفرد وعلى المجتمع كم درر، وليس ببعيد عاش الوطن بأطيافه استحقاقا أشرفت عليه وزارة التربية الوطنية، وعملت من أجل إنجاحه مختلف القطاعات، وصنع فسيفساءه أبطال وفرسان البكالوريا، الشّهادة الّتي ينتظرها كلّ المجتهدين، فرحة فرسان، وسعادة وطن، ومواعيد مع الازدهار بعد أتعاب خطّها طول المسار.
حركية وتخطيط وبحث واتّخاذ للأسباب ثمّ عبور بعد إمضاء على موعد شقّ دروب التّعليم العالي بإحدى الجامعات الجزائرية

 

رمزية الامتحانات وأثرها العميق

إذا خُضنا في موضوع الامتحانات فلا بد أن نشير إلى تلك الرمزية التي تتلقفها الأعماق لا إراديا وستؤتي أكلها إذا توافر معها الإدراك والاستشراف، حتما ستؤسس للقيم والمثل وتعمل لتثبيت عناصر الهوية وتزيّن إذ ذاك السّبل المُقفرة، واللبيب دوما يأخذ من روح الذكرى ومن عبق الاستحقاق الحكمة ومراميها.

 

الامتحانات الرسمية كتحول اجتماعي

إنّ الامتحانات الرسمية (مثل البكالوريا أو شهادة التعليم المتوسط) ليست مجرد أوراق تُصحح وعلامات تُرصد، بل هي “فاصل عابر ” لكنه متكامل مترسّخ له دلالات عميقة، ويحمل أبعادا ورمزية نذكر منها: الرمزية العامة، حيث أنه في علم الاجتماع هي حدثٌ ينقل التلميذ من مرحلة الطفولة والتبعية الجيلية إلى مرحلة الشباب والمسؤولية الفردية. فهو اعتراف اجتماعي بكفاءة الفرد خارج محيط الأسرة الصغير.

 

البعد النفسي واكتشاف الذات

وإذا انتقلنا إلى البعد النفسي فهو حدث من خلاله يتم تفكيك شفرة الشخصية واكتشاف الذات، لأن الامتحان هو المرآة النفسية الأولى التي يواجه فيها التلميذ قدراته ومخاوفه بمفرده، فيتعلم التحدي ومواجهة مايربك تفكيره، مما يدفعه إلى التخطيط لإدارة الانفعال وتسيير القلق والمخاوف وحسن تنظيم الوقت. يتعلم التلميذ كيف يحتوي الضغط والتوتر لأنها حالات سيصادفها خلال مساره مستقبلا .

 

أهمية التنشئة الواعية

في عديد تدخلاتي أدعو إلى ضرورة التنشئة الواعية والمرافقة المدروسة التي من خلالها يتدرب الطفل صغيرا على حل مختلف المشكلات في حدود مرحلته العمرية ليشب بعدها على مواجهة كل صعب، ومنه يستلهم ويأخذ الزاد الذي يواجه به مختلف الاستحقاقات ببناء الثقة ومواجهة الخيبات، والنجاح واحد من الأسلحة التي تمنحه
استحقاقا واستقرارا نفسيا يعزز تقديره لذاته.

 

الامتحان والنضج العاطفي

الامتحان أيضا هو انفصال عاطفي مؤقت يختبر التلميذ شعوره وهو يقف وحيداً أمام أسئلة وورقة إجابة دون حماية مباشرة من الأولياء، مما يعزز نضجه العاطفي.

 

الامتحانات الرسمية كمدرسة للقيم

تعتبر الامتحانات الرسمية مدرسة الأخلاق التطبيقية في بُعدها القيمي، و هي اختبار حقيقي للمنظومة الأخلاقية التي تلقاها التلميذ، ويدرك من خلال الاستعدادات واسترجاع المكتسبات ومحاورة الذاكرة بحثا عن المعارف والنظريات أن التميز وتحصيل أعلى الدرجات، هو ثمرة جهود وعمل وأنّ المستقبل لا تبنيه الطفرات إنما تؤخذ الدنيا غلابا.

 

النزاهة والشرف العلمي

ومن كل ماذكرنا ينشأ ناشئ الفتيان منّا وهو محتقر لإغراء الغش وقد فضل النزاهة منتصرا لقيمة الشرف العلمي، متسلحا بالانضباط والصبر والتخطيط والاستعداد، ضابطاومتحكما في الجرعات العلمية ومكتسبا تلك المناعة التي تصد ما اعوجّ من سلوكات.

 

الامتحانات وروح المواطنة

ومن ألق محطة الامتحانات التي يعيشها المجتمع بكل أطيافه ذلك البعد الذي يؤسس لروح الجماعة والمواطنة الحقّة، الامتحان الرسمي هو الأداة الأكثر ديمقراطية في المجتمع خاصة البكالوريا، لأنها الوسيلة الأعدل لتحقيق الحراك الاجتماعي، فابن العائلة البسيطة وابن العائلة الغنية يقفان أمام ورقة الامتحان بنفس الحظوظ، والجهد، والامتحان هو الذي يحدد من يصعد طبقياً ومعرفياً.

 

الامتحان كقضية مجتمعية

امتحان شهادة التعليم المتوسط وامتحان البكالوريا من الاستحقاقات المتكررة التي تظهر على إثرها تلك اللمة العائلية بمتابعتها وأحاديثها ودعاء هذا لذاك بالنجاح، يتحول الامتحان إلى قضية رأي عام؛ تعيش البيوت حالة طوارئ وتضامن، مما يقوي الروابط الأسرية ويعيد ترتيب أولويات العائلة حول “العلم” بحيث ذلك الذي كان يتكلم عن عدم فعالية الشهادة وعن تأخر العلم وافتقاره لتحقيق الربح المادي، هو نفس الشخص أيام الامتحان يسعى بلا هوادة كي يحصد النجاح.

 

الامتحانات وتجديد النخب

وإذا كان حديثنا عن العلم وعن الأسرة وعن الاستعدادات، فإننا نقول بأن الامتحانات الرسمية هي عرس وفرح مؤجل له من الأبعاد الوطنية الكثير، فهو يجدد النّخب ويحقق الأمن المعرفي.

 

وحدة الوطن ومستقبل الأجيال

و يبقى تطور الوطن وبلوغه المصاف وعناقه للأمجاد متوقف على هذه الجحافل التي نشأت بين أحضانه تنمي كفاءاتها وتصنع مستقبلها فمنها تتزيّن مختلف القطاعات بالأطباء والمهندسين والمفكرين تجمعهم رمزية سامقة هي الوحدة والجسد المتكامل الذي تهبّ نسائمه هذه الأيام، وجحافل المترشحين للامتحان تتصدر الخروج في وقت واحد لبلوغ استحقاق واحد، من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، طلبة ومؤطرين ووصاية ، عائلات بيولوجية وعائلات إعلامية وكأن المحطة تنادي فينا: هذا وطنكم وطن واحد تجمعكم فيه استحقاقات كثيرة، تتجدد فيها النخب ويتوحد فيها الوجدان الوطني، إنها عملية تجديد تذوب فيها الفروق الإقليمية والطبقية، وتعمل منظومتها من أجل النجاعة والجودة، منافسةً بذلك عبر أجيالها الصاعدة الأمم المتسابقة نحو الازدهار .

 

دعاء وتمنيات بالنجاح

نتمنى كل الموفقية لأبنائنا الممتحنين ونفع بهم المولى سبحانه في كل حين البلاد والعباد وعاشوا زهورا متفتّحة يعم شذاها كل أرجاء الوطن.

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق