الجزائر تتوّج بذهب «تارانتو 2026» على حساب تونس.. الخضر يحسمون النهائي المغاربي بثنائية كحيلي
لم تكن ليلة تارانتو الإيطالية مجرد مباراة نهائية عابرة في منافسات كرة القدم بدورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط 2026، بل كانت موعدًا مغاربيًا خالصًا جمع منتخبين يعرف كل منهما الآخر جيدًا، وانتهت بتتويج المنتخب الجزائري لأقل من 21 سنة بالميدالية الذهبية بعد فوزه على نظيره التونسي بهدفين دون رد، في نهائي أكد فيه «الخضر» قدرتهم على التعامل مع المباريات الكبرى، فيما اكتفى المنتخب التونسي بالميدالية الفضية بعد مشوار لافت انتهى عند الخطوة الأخيرة. وأقيمت المواجهة على ملعب إيراسمو ياكوفوني بمدينة تارانتو، في ختام منافسات كرة القدم للرجال ضمن الألعاب المتوسطية.
ومن المهم تصحيح معلومة تتكرر في بعض الصياغات الإعلامية حول مكان إقامة الدورة؛ فدورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط لعام 2026 تقام في مدينة تارانتو الإيطالية، وليس في إيطاليا واليونان معًا. والنسخة الحالية هي الدورة العشرون من الألعاب المتوسطية، بينما تمتد منافساتها حتى الثالث من سبتمبر، بمشاركة رياضيين ومنتخبات في عدد كبير من الرياضات، وتأتي كرة القدم ضمن أبرز مسابقاتها الجماعية. أما نهائي كرة القدم بين الجزائر وتونس فقد جرى في 30 اوت 2026 بمدينة تارانتو.
نهائي مغاربي على ذهب المتوسط
دخلت الجزائر وتونس المباراة النهائية بعد مشوار مختلف في التفاصيل، لكنه متشابه في النتيجة الأساسية: كلا المنتخبين وصل إلى النهائي من دون أن يتذوق طعم الهزيمة، وهو ما جعل المواجهة تحمل منذ البداية ملامح مباراة متقاربة، لا سيما أن المنتخبين ينتميان إلى مدرسة كروية شمال إفريقية واحدة، ويملكان عناصر شابة تبحث عن تثبيت أقدامها في كرة القدم الدولية. ولذلك لم يكن الوصول إلى النهائي مفاجأة بقدر ما كان انعكاسًا للمستوى الذي قدمه المنتخبان خلال البطولة.
المنتخب التونسي كان قد حجز بطاقة العبور إلى المباراة النهائية بطريقة لافتة، بعدما قلب تأخره أمام المنتخب الإيطالي، صاحب الأرض والجمهور، إلى فوز كبير بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد في نصف النهائي. إيطاليا تقدمت في الدقيقة 21 عن طريق دياجو بريلو، لكن المنتخب التونسي لم يسمح للهدف بأن يربك حساباته، فعاد في الشوط الثاني بثلاثة أهداف حملت توقيع علاء الدين الدربالي في الدقيقة 59، وريان عنان في الدقيقة 74، ثم وليد ذويب في الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع.
وكان الانتصار على إيطاليا أكثر من مجرد عبور إلى النهائي بالنسبة إلى المنتخب التونسي؛ فقد حمل رسالة واضحة بشأن شخصية المجموعة وقدرتها على التعامل مع الضغط. اللعب أمام المنتخب الإيطالي في أرضه ثم تحويل التأخر إلى انتصار بثلاثة أهداف يعكس قدرة ذهنية لا تقل أهمية عن القدرات الفنية، كما أن تسجيل ثلاثة أهداف في الشوط الثاني أظهر أن الفريق التونسي لم يكتفِ بالدفاع عن حظوظه، بل امتلك الجرأة على تغيير إيقاع المباراة والبحث عن الفوز.
أما المنتخب الجزائري، فقد احتاج إلى طريق أكثر توترًا في نصف النهائي، عندما اصطدم بالمنتخب المغربي في مواجهة شمال إفريقية أخرى انتهى وقتها الأصلي بالتعادل بهدف لمثله، قبل أن تبتسم ركلات الترجيح للجزائر بنتيجة 4-3. وبهذا الانتصار انتقل «الخضر» من مباراة شديدة الحساسية أمام المغرب إلى نهائي مغاربي جديد أمام تونس، لتتحول البطولة بالنسبة إلى المنتخب الجزائري إلى سلسلة من المواجهات ذات الطابع الإقليمي القوي.
بداية جزائرية قلبت حسابات النهائي
من الناحية الفنية، كان الهدف المبكر هو نقطة التحول الأولى في المباراة. فقد نجح بن أحمد كحيلي في منح الجزائر التقدم منذ الدقيقة الأولى، بتسديدة بعيدة المدى لتجد طريقها إلى شباك المنتخب التونسي وتضع «الخضر» في موقع مريح نفسيًا منذ اللحظات الأولى. الهدف المبكر فرض على تونس أن تعيد ترتيب حساباتها، في الوقت الذي حصلت فيه الجزائر على أفضلية ثمينة تسمح لها بإدارة المباراة وفق الإيقاع الذي تريده.
مثل هذه الأهداف المبكرة لا تقاس فقط بقيمتها على لوحة النتيجة، وإنما بتأثيرها على البنية التكتيكية للفريق المنافس. المنتخب التونسي الذي كان يدخل المباراة مدفوعًا بالثقة التي اكتسبها من ريمونتادا إيطاليا وجد نفسه هذه المرة مطالبًا بالعودة من الخلف أمام منتخب جزائري أكثر حذرًا في إدارة تقدمه. وهنا تحولت المباراة سريعًا من صراع على المبادرة إلى صراع على كيفية التعامل مع الهدف الأول.
الجزائر، في المقابل، لم تتعامل مع هدف كحيلي بوصفه دعوة إلى التراجع الكامل، وإنما حافظت على قدر من السيطرة، وواصلت البحث عن المساحات التي يمكن أن تمنحها هدفًا ثانيًا. ويشير وصف المباراة إلى أن المنتخب الجزائري كان الطرف الأكثر سيطرة على مجريات اللعب، في وقت حاول فيه المنتخب التونسي الوصول إلى مناطق الخطورة من أجل إعادة المباراة إلى نقطة الصفر.
كحيلي.. رجل النهائي
إذا كان من الطبيعي أن يتوزع التألق في المباريات النهائية بين أكثر من لاعب، فإن بن أحمد كحيلي نجح في حجز مكانه كأبرز أسماء النهائي دون جدال، بعدما سجل الهدف الأول مبكرًا ثم عاد في الشوط الثاني ليضع بصمته مجددًا من علامة الجزاء في الدقيقة 81، موقعًا على ثنائية شخصية قادت الجزائر إلى الذهب. وهكذا لم يكن كحيلي مجرد صاحب الهدف الافتتاحي، بل تحول إلى اللاعب الذي حمل العبء الأكبر في حسم المواجهة.
الهدف الثاني جاء في توقيت مثالي للجزائر، إذ كان المنتخب التونسي لا يزال يمتلك فرصة للعودة ما دام الفارق هدفًا واحدًا. لكن ركلة الجزاء التي نفذها كحيلي بنجاح في الدقيقة 81 أنهت عمليًا الجزء الأكبر من التشويق، وحولت الدقائق الأخيرة إلى سباق مع الزمن بالنسبة إلى تونس، التي أصبحت بحاجة إلى هدفين للعودة إلى المباراة، بينما كانت الجزائر تمتلك أفضلية نفسية وفنية واضحة.
وبالنظر إلى تسلسل المباراة، يمكن القول إن الجزائر أدارت النهائي بعقلية مختلفة عن تلك التي احتاجتها أمام المغرب. ففي نصف النهائي كان عليها الصمود حتى ركلات الترجيح، أما في النهائي فقد وجدت نفسها أمام فرصة حسم مبكر، واستغلتها عبر هدف في الدقيقة الأولى ثم هدف آخر قبل نهاية اللقاء. الفارق هنا أن المنتخب الجزائري لم ينتظر سيناريو اللحظات الأخيرة، بل صنع لنفسه هامش أمان كافيًا قبل صافرة النهاية.
تونس.. فضية بطعم مشوار قوي
على الجانب الآخر، لا تختزل خسارة تونس للنهائي في نتيجة 2-0 فقط. فالمنتخب التونسي دخل المباراة وهو يحمل واحدة من أكثر القصص إثارة في الأدوار الإقصائية، بعد أن أسقط إيطاليا بثلاثية في نصف النهائي، عقب تأخره بهدف. لذلك كانت التوقعات تشير إلى أن «نسور قرطاج» قادرون على صناعة مباراة أخرى من النوع الذي يتطلب الصبر والقدرة على العودة. غير أن الهدف الجزائري المبكر هذه المرة جعل المهمة مختلفة تمامًا.
وإذا كانت تونس قد أثبتت أمام إيطاليا أنها تستطيع تحويل التأخر إلى انتصار، فإن النهائي كشف في المقابل أن تكرار السيناريو نفسه أمام الجزائر لم يكن سهلًا. المنتخب الجزائري لعب بصورة أكثر تحفظًا في إدارة تقدمه، ولم يمنح منافسه المساحات الكافية التي تسمح له بتكرار العودة التي حققها أمام أصحاب الأرض، كما أن الهدف الثاني في الدقيقة 81 جاء في اللحظة التي كان فيها أي اندفاع تونسي يحمل مخاطر إضافية.
ورغم ضياع الذهب، فإن وصول المنتخب التونسي إلى النهائي للمرة الثالثة في تاريخ مشاركاته في كرة القدم بألعاب البحر الأبيض المتوسط يمثل محطة مهمة في سجله. فقد سبق لتونس الوصول إلى النهائي في دورة إزمير عام 1971، ثم في دورة 2001 التي استضافتها تونس، وتمكنت يومها من التتويج بالميدالية الذهبية. أما في تارانتو 2026، فقد عاد المنتخب التونسي إلى منصة التتويج من بوابة الفضية بعد مشوار قوي، وهو ما يمنح هذه المشاركة قيمة خاصة للجيل الشاب.
الذهب يعود إلى الجزائر بعد أكثر من نصف قرن
اللقب الذي حققته الجزائر في تارانتو يحمل كذلك قيمة تاريخية، إذ يمثل ثاني ذهبية للمنتخب الجزائري في منافسات كرة القدم بدورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط، بعد الذهب الذي حققه في نسخة 1975. وبذلك أعاد جيل 2026 الجزائر إلى قمة كرة القدم المتوسطية بعد انتظار طويل، وأضاف ميدالية ذهبية جديدة إلى سجل المشاركة الجزائرية في الألعاب.
هذه الجزئية التاريخية تجعل الإنجاز أكبر من مجرد انتصار في مباراة نهائية. فالمنتخب الذي توج بالذهب في سبعينيات القرن الماضي عاد بعد عقود طويلة ليحقق اللقب من جديد، ولكن هذه المرة عبر جيل تحت 21 سنة، وفي بطولة أقيمت على الأراضي الإيطالية، وبعد سلسلة من المواجهات الصعبة أمام منتخبات من شمال إفريقيا وأوروبا. ومن هنا يمكن النظر إلى التتويج باعتباره لحظة مهمة في مسار إعداد جيل جديد من اللاعبين الجزائريين.
النهائي يؤكد قيمة التفاصيل الصغيرة
من منظور كروي بحت، يمكن اختصار المباراة في ثلاثة مفاتيح: الهدف المبكر، القدرة على التحكم في الإيقاع، ثم الحسم من ركلة الجزاء. الجزائر سجلت أولًا، ثم حافظت على تقدمها، وبعد أن وصل اللقاء إلى مراحله الأخيرة وجهت الضربة الثانية التي أغلقت الطريق أمام العودة التونسية. وهذه هي بالضبط طبيعة المباريات النهائية؛ فالفارق بين فريق يخرج بالذهب وآخر يعود بالفضة قد يكون في استغلال لحظة واحدة، أو خطأ واحد، أو تسديدة بعيدة، أو ركلة جزاء.
الهدف الأول لكحيلي كان نموذجًا لذلك. فالتسديدة البعيدة جاءت في الدقيقة الأولى، أي قبل أن يأخذ النهائي شكله التكتيكي الكامل، بينما الهدف الثاني من ركلة الجزاء جاء في الدقيقة 81، عندما كانت تونس بحاجة إلى المخاطرة بصورة أكبر. وبين الهدفين استطاعت الجزائر أن تحافظ على توازنها، وهو أمر مهم جدًا في نهائي لا يملك فيه الفريق فرصة لتعويض الأخطاء في مباراة لاحقة.
وفي المقابل، كان على المنتخب التونسي أن يطارد المباراة منذ بدايتها، وهي مهمة مرهقة ذهنيًا وبدنيًا، خصوصًا بعد الجهد الكبير الذي بذله أمام إيطاليا في نصف النهائي. وفي مثل هذه الظروف يصبح تسجيل هدف التعادل هو المفتاح، لأن بقاء النتيجة 1-0 يمنح الفريق المتقدم فرصة الاستمرار في اللعب بأقل قدر من المخاطرة، وهو ما حدث بالفعل حتى جاءت ركلة الجزاء الجزائرية قبل النهاية.
تارانتو.. مسرح ليلة جزائرية خالصة
مدينة تارانتو، الواقعة في إقليم بوليا جنوب إيطاليا، تحولت خلال أيام الألعاب المتوسطية إلى نقطة التقاء رياضي بين ضفتي المتوسط. وفي ملعب إيراسمو ياكوفوني، اختتمت منافسات كرة القدم بمشهد يحمل طابعًا شمال إفريقيًا واضحًا، بعدما جمع النهائي الجزائر وتونس، فيما كانت إيطاليا والمغرب قد تقابلا على الميدالية البرونزية في مباراة تحديد المركز الثالث.
وكان الملعب ذاته شاهدًا على نهاية رحلة المنتخبين، لكن بصورة مختلفة. تونس وصلت إليه بعد انتصار مدوٍ على المنتخب الإيطالي، بينما وصلت الجزائر بعد مباراة ماراثونية أمام المغرب انتهت بركلات الترجيح. وبمجرد انطلاق النهائي، لم تعد كل تلك التفاصيل مهمة بقدر قدرة كل فريق على التعامل مع تسعين دقيقة جديدة، وهو ما نجحت الجزائر في القيام به بكفاءة أكبر.
جيل جديد يطرق الباب
أهمية هذه الذهبية الجزائرية لا تتوقف عند حدود دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط. فاللاعبون المشاركون في منافسات تحت 21 سنة يمثلون جزءًا من مخزون بشري يمكن أن تستفيد منه المنتخبات الوطنية في السنوات المقبلة. والبطولات الدولية الكبرى بالنسبة إلى هذه الفئة العمرية ليست فقط فرصة للفوز بالميداليات، بل مساحة لاختبار الشخصية، والقدرة على تحمل الضغط، والتعامل مع مباريات لا تحتمل التعويض.
وفي تونس، يمكن النظر إلى الفضية من الزاوية نفسها. الفريق الذي نجح في تجاوز إيطاليا بثلاثة أهداف مقابل هدف، بعدما كان متأخرًا، أثبت امتلاكه شخصية تنافسية، بينما أظهر بلوغه النهائي للمرة الثالثة في تاريخ المشاركة المتوسطية أن كرة القدم التونسية ما زالت قادرة على إنتاج أجيال تنافسية في هذه الفئة. وقد تكون خسارة النهائي درسًا أكثر أهمية من الفوز في بعض الأحيان، خصوصًا للاعبين الذين سيحملون لاحقًا مسؤوليات أكبر مع الأندية والمنتخبات.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق