العمل الخيري في الجزائر والمغرب العربي.. من ثقافة التضامن إلى قوة مجتمعية

في الخامس من سبتمبر من كل عام، يعود اليوم الدولي للعمل الخيري ليضع أمام العالم سؤالًا يتجاوز فكرة التبرع المباشر أو تقديم المساعدة العابرة: ماذا يستطيع المجتمع أن يفعل عندما تتحول الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية إلى اختبار يومي لقدرة الدولة والمواطن والمؤسسات على حماية الفئات الأكثر هشاشة؟ في الجزائر وبلدان المغرب العربي، لا تبدو الإجابة منفصلة عن تاريخ طويل من التضامن الأهلي والعمل التطوعي والجمعوي، حيث ظل التكافل الاجتماعي جزءًا من النسيج الثقافي والديني والمجتمعي، قبل أن يتطور تدريجيًا إلى مؤسسات وجمعيات ومنظمات ذات برامج أكثر تنظيمًا واتساعًا. وتأتي المناسبة الأممية في 5 سبتمبر لتذكير العالم بأن العمل الخيري ليس مجرد استجابة للحاجة، وإنما يمكن أن يكون أداة لتعزيز التماسك الاجتماعي ودعم الفئات الضعيفة والمساهمة في مواجهة الأزمات.

وقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الخامس من سبتمبر يومًا دوليًا للعمل الخيري بموجب القرار A/RES/67/105 الصادر في 17 ديسمبر 2012، بهدف تعزيز الوعي بأهمية الأنشطة الخيرية والتطوعية وحشد الأفراد والمنظمات والمجتمع المدني للمساهمة في مساعدة الآخرين. واختير التاريخ تزامنًا مع ذكرى وفاة الأم تيريزا، التي ارتبط اسمها عالميًا بالعمل مع الفقراء والمهمشين وحصلت على جائزة نوبل للسلام عام 1979. وفي تقويم الأمم المتحدة لعام 2026، يوافق اليوم الدولي للعمل الخيري يوم السبت 5 سبتمبر.

الجزائر.. العمل الخيري بين الدولة والمجتمع

في الجزائر، يملك العمل الجمعوي خلفية قانونية ومؤسساتية تمتد إلى عقود، إذ نظمت التشريعات الجزائرية عمل الجمعيات وحددت طبيعتها وأهدافها وآليات تأسيسها وتنظيمها. ويقوم المفهوم القانوني للجمعية على اجتماع أشخاص طبيعيين أو معنويين على أساس تعاقدي ولغرض غير ربحي، من أجل ترقية أنشطة متعددة ذات أبعاد اجتماعية وثقافية وتربوية وعلمية ورياضية وغيرها. ومع تطور المجتمع الجزائري، أصبحت الجمعيات جزءًا من المجال العام، تتقاطع أنشطتها مع قضايا الرعاية الاجتماعية، ومساعدة الفئات الهشة، والتطوع، والإغاثة، والتنمية المحلية.

لكن اللافت خلال السنوات الأخيرة هو انتقال العمل الجمعوي في الجزائر من المبادرات الموسمية المحدودة إلى برامج أكثر انتظامًا، مع اتجاه رسمي نحو تعزيز دور المجتمع المدني وإشراك الجمعيات ذات الطابع الاجتماعي والإنساني في تنفيذ برامج ذات صلة بالاحتياجات الاجتماعية. ففي مارس 2026 أعلنت وزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة إطلاق برنامج لدعم الجمعيات الوطنية والمحلية ذات الطابع الاجتماعي والإنساني، بما يندرج ضمن توجه يستهدف تعزيز دور المجتمع المدني وتفعيل الحركة الجمعوية وترقية نشاطاتها.

وفي يوليو 2026 أعلنت الوزارة قائمة الجمعيات الوطنية والمحلية المستفيدة من برنامج الدعم المالي للسنة نفسها، في خطوة تعكس وجود آلية رسمية لتمويل مشاريع جمعوية تدخل ضمن برامج القطاع. وهذه النقطة مهمة سياسيًا واجتماعيًا؛ لأن العلاقة بين الدولة والجمعيات لم تعد محصورة في الاعتراف القانوني بالنشاط الجمعوي، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بقدرة الجمعيات على تقديم مشاريع قابلة للتنفيذ والاستجابة لأولويات اجتماعية محددة.

الدعم العمومي.. اختبار للفعالية والشفافية

وتكشف منصة الدعم المالي العمومي للجمعيات التابعة لقطاع التضامن الوطني عن مجالات تستهدفها البرامج المدعومة، من بينها ترقية المرأة وإدماجها اقتصاديًا واجتماعيًا، والتكفل بالأطفال والمراهقين والشباب في وضع صعب، ودعم مراكز التكفل بالنساء والأشخاص المسنين، إلى جانب المساعدة المنزلية لفائدة كبار السن والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، بما يشمل الدعم والتكفل النفسي والمرافقة الاجتماعية. وهذه المجالات توضح أن مفهوم العمل الخيري في الجزائر يتسع تدريجيًا من تقديم الإعانات إلى خدمات اجتماعية مستمرة تستهدف تحسين نوعية حياة المستفيدين.

ومن منظور سياسي، فإن هذا التحول يحمل دلالة تتجاوز الأرقام والبرامج؛ فكلما أصبح المجتمع المدني أكثر قدرة على تحديد الاحتياجات المحلية واقتراح حلول لها، تحولت الجمعية من مجرد وسيط لتوزيع المساعدات إلى شريك اجتماعي يمتلك معرفة ميدانية بالفئات التي يخدمها. لكن هذه الشراكة تظل مرتبطة بقدرة القطاع الجمعوي على تحقيق الشفافية، وإثبات أثر المشاريع، وحسن إدارة الموارد، وهي مبادئ تضعها الأمم المتحدة في صميم العمل الخيري الحديث، إلى جانب إشراك المجتمعات نفسها في تحديد الأولويات بدل فرض حلول من خارجها.

الهلال الأحمر الجزائري.. حين تختبر الأزمات قدرة التضامن

إذا كان العمل الخيري يظهر في الحياة اليومية من خلال الجمعيات والمبادرات المحلية، فإن الأزمات الكبرى تكشف بصورة أوضح قدرة المنظمات الإنسانية على الانتقال السريع من النشاط الاعتيادي إلى الاستجابة الطارئة. ويبرز الهلال الأحمر الجزائري بوصفه أحد أهم الفاعلين في هذا المجال، إذ يمتلك شبكة وطنية للعمل الإنساني والتطوعي، ويشارك في عمليات الإغاثة ومرافقة الفئات المحتاجة والاستجابة للكوارث والأزمات. ويؤكد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أن الهلال الأحمر الجزائري جمعية وطنية إنسانية، وله حضور ضمن شبكة الحركة الدولية التي تضم جمعيات وطنية حول العالم.

وخلال صيف 2026، ظهر هذا الدور بوضوح في تعامل الهلال الأحمر الجزائري مع حرائق الغابات التي مست عددًا من الولايات، حيث أعلن عن تسخير إمكانياته البشرية واللوجستية لدعم جهود الدولة في إغاثة العائلات المتضررة ومرافقتها. ولم يتوقف التدخل عند الاستجابة الأولى، بل استمرت الحملة التضامنية عبر الولايات المتضررة، مع توفير الاحتياجات الضرورية وتعبئة الموارد وفق ما تفرضه الظروف الميدانية.

وقبل ذلك، أطلق الهلال الأحمر الجزائري حملة تضامنية عاجلة لفائدة الولايات الشرقية التي مستها الحرائق، ثم واصل تنفيذ عمليات الدعم والإغاثة، بما يعكس نموذجًا عمليًا للتكامل بين الدولة والتنظيمات الإنسانية والمجتمع. وفي الثالث من سبتمبر 2026، أطلق الهلال الأحمر قافلة تضامنية باتجاه ولاية جيجل، تضمنت مساعدات وتجهيزات أساسية استجابة للاحتياجات التي تم رصدها ميدانيًا. هنا تظهر قيمة العمل الخيري في صورته الأكثر مباشرة: الوصول إلى المتضرر في المكان والوقت اللذين تكون فيهما الحاجة إلى المساعدة أكبر.

من الحرائق إلى المدرسة.. التضامن لا يرتبط بالأزمات فقط

ولا يقتصر نشاط الهلال الأحمر الجزائري على الكوارث الطبيعية، إذ امتد خلال 2026 إلى مجالات اجتماعية أخرى، من بينها إطلاق حملة تضامنية وطنية تحسبًا للدخول المدرسي، بهدف مرافقة التلاميذ الأكثر احتياجًا ومساندة أسرهم. كما أطلق المنظمة حملات وبرامج أخرى مرتبطة بالإسعافات الأولية والتوعية الصحية ومرافقة المترشحين للامتحانات. وتكشف هذه الأنشطة أن العمل الخيري الأكثر تأثيرًا هو الذي يتحول إلى حضور مستمر في حياة المجتمع، وليس فقط إلى رد فعل عند وقوع الكارثة.

وفي فبراير 2026، سطر الهلال الأحمر الجزائري برنامجًا تضامنيًا واسعًا بمناسبة شهر رمضان، شمل أنشطة تستهدف ترسيخ قيم التكافل الاجتماعي عبر مختلف مناطق البلاد. وهذه المناسبات الموسمية تظل جزءًا مهمًا من الثقافة التضامنية، لكنها تصبح أكثر فاعلية عندما تندمج مع برامج دائمة تستهدف الفقر والهشاشة والصحة والتعليم والإدماج الاجتماعي.

بين الإغاثة والتنمية.. المعادلة الأصعب

المشكلة الأساسية التي تواجه العمل الخيري في منطقة المغرب العربي ليست نقص الرغبة في المساعدة بقدر ما تتمثل في كيفية تحويل هذه الرغبة إلى أثر مستدام. فالمساعدات الغذائية والمالية تظل ضرورية في حالات الفقر والكوارث، لكن معالجة جذور الهشاشة تتطلب الاستثمار في التعليم والصحة والتكوين والتشغيل وتمكين المرأة وحماية الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة.

وهنا تلتقي الرؤية الأممية مع التجارب المحلية في الجزائر والمغرب؛ فالأمم المتحدة تؤكد أن العمل الخيري المعاصر لم يعد يقتصر على الإغاثة الفورية، بل أصبح مرتبطًا بمعالجة أسباب الفقر والتفاوت، ودعم الخدمات الصحية والتعليمية، وتعزيز المجتمعات المحلية وقدرتها على الصمود. كما تربط المنظمة بين العمل الخيري وأهداف التنمية المستدامة، معتبرة أن تحقيقها يتطلب شراكات بين الحكومات والمجتمع المدني وقطاع الأعمال والمنظمات الخيرية.

الجزائر والمغرب العربي أمام فرصة جديدة

المغرب العربي يملك رأسمالًا اجتماعيًا لا يمكن تجاهله: عائلات متماسكة، تقاليد تضامنية، متطوعون، جمعيات محلية، منظمات إنسانية، ومؤسسات دينية وثقافية واجتماعية ساهمت لعقود في ترسيخ فكرة الوقوف إلى جانب المحتاج. لكن التحدي المقبل يكمن في تحويل هذا الرصيد إلى مؤسسات أكثر احترافية، قادرة على قياس نتائجها وإدارة مواردها وتكوين متطوعيها واستخدام التكنولوجيا في الوصول إلى المستفيدين.

وهذا الاتجاه ينسجم مع التصور الأممي للعمل الخيري في العصر الحديث، حيث أصبحت التقنيات الرقمية ومنصات التبرع والتمويل الجماعي وأدوات التكنولوجيا تفتح مجالات جديدة للعطاء، بالتوازي مع الحاجة إلى الشفافية والمساءلة والأخلاقيات في إدارة الموارد.

15 العمل الخيري في الجزائر والمغرب العربي.. من ثقافة التضامن إلى قوة مجتمعية

من ثقافة الإحسان إلى بناء مجتمع أكثر صمودًا

إن القيمة الحقيقية لـالعمل الخيري في الجزائر والمغرب العربي لا تقاس فقط بعدد القفف الغذائية أو حجم التبرعات أو عدد القوافل التضامنية، وإنما بقدرته على بناء مجتمع أكثر قدرة على مواجهة الصدمات. فالجمعية التي تساعد أسرة فقيرة على تجاوز أزمة مؤقتة تؤدي دورًا مهمًا، لكن الجمعية التي تساعد أحد أفراد الأسرة على التعلم أو اكتساب مهارة أو الحصول على فرصة عمل قد تكون قد ساهمت في تغيير مسار حياة كامل.

والأمر نفسه ينطبق على الكوارث الطبيعية؛ فالقافلة الإغاثية ضرورية بعد الحريق أو الفيضان أو الزلزال، لكن الأهم على المدى الطويل هو دعم قدرة المجتمعات المتضررة على إعادة بناء حياتها وتعزيز قدرتها على مواجهة المخاطر المقبلة. وهنا يصبح التضامن جزءًا من سياسة الصمود المجتمعي، لا مجرد استجابة عاطفية للحظة الأزمة.

وتؤكد الأمم المتحدة أن العمل الخيري يستطيع المساهمة في تخفيف آثار الأزمات الإنسانية، ودعم الصحة والتعليم والإسكان وحماية الأطفال والفئات المهمشة، فضلًا عن دوره في الثقافة والعلوم والرياضة وحماية التراث. كما ترى أن المشاركة المجتمعية يمكن أن تعزز الثقة بين الفئات المختلفة وتبني رأس مال اجتماعيًا يدعم قدرة المجتمعات على التماسك.

التضامن قوة لا تكتمل إلا بالمؤسسات

في اليوم الدولي للعمل الخيري، تبدو الجزائر أمام صورة متحركة لقطاع يتغير باستمرار. فمن حملات الهلال الأحمر الجزائري لإغاثة المتضررين من حرائق 2026، تتعدد الصور لكن الفكرة واحدة: المجتمع لا يمكن أن يواجه كل تحدياته بالاعتماد على المؤسسات الرسمية وحدها، كما أن الدولة لا تستطيع أن تنجح في سياساتها الاجتماعية دون مجتمع مدني نشط ومسؤول.

والرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة سيكون في بناء معادلة متوازنة: دولة قوية بمؤسساتها، مجتمع مدني مستقل وفعال، جمعيات شفافة، متطوعون مؤهلون، ومتلقون للمساعدة يتحولون تدريجيًا إلى شركاء في التنمية. عندها فقط ينتقل العمل الخيري من فعل إحسان إلى قوة اجتماعية قادرة على تقليل الهشاشة، وتعزيز الثقة، ودعم الاستقرار، وبناء مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.

وهذا هو المعنى الأعمق للمناسبة الأممية: أن العطاء لا ينبغي أن يكون مجرد استجابة للحاجة، بل يمكن أن يصبح استثمارًا في الإنسان، وفي قدرة المجتمعات على حماية أضعف أفرادها، وفي بناء مستقبل أكثر عدلًا وتضامنًا واستدامة.

 

 

For more on the latest news from Algeria, click to enter the Algeria Now section here 

For more Africa news, click the World Now Africa section here 

For more Maghreb news, click to enter the Greater Maghreb section now here 

For more news on the Algerian government, click to enter the Algeria Now section, my national here. 

For more Media Maghreb AI videos and other videos, click here 

For more Media Maghreb economic infographics click here 

Share this content:

Post Comment