التنمية المحلية في الجزائر… من الابتكار الجامعي إلى القرض المصغر
شكّلت الجلسة الحوارية الثانية الموسومة بعنوان “التنمية المحلية… استثمار في المجال والإنسان” محطة مهمة لتسليط الضوء على مختلف الآليات العملية التي تعزز مسار التنمية المحلية في الجزائر، من خلال مقاربة شاملة تجمع بين الابتكار الجامعي، ودعم المؤسسات الناشئة، وآليات التمويل المصغر، إلى جانب دور التأمين في إدارة المخاطر الاقتصادية والاجتماعية.
وقد نشّط الجلسة الإعلامي جمال بوراس، الذي أدار النقاش بين نخبة من الإطارات السامية وممثلي مؤسسات الدولة، في طرح تفاعلي أبرز تكامل الأدوار بين القطاعات المختلفة خدمةً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية على المستوى المحلي.
ريادة الأعمال الجامعية… من الثقافة إلى القيمة المضافة
في مداخلته، أكد رئيس اللجنة الوطنية التنسيقية لمتابعة الابتكار وحاضنات الأعمال والواجهات بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، أحمد مير، أن الجامعة الجزائرية لم تعد فضاءً للتلقين المعرفي فقط، بل تحولت إلى فاعل محوري في مسار التنمية المحلية في الجزائر، من خلال ترسيخ ثقافة ريادة الأعمال والابتكار لدى الطلبة.
وأوضح أن المقاربة الجديدة تقوم على الانتقال من نشر ثقافة المبادرة إلى خلق قيمة مضافة حقيقية في الاقتصاد الوطني، عبر مرافقة الطلبة حاملي المشاريع داخل الحاضنات الجامعية، وربط البحث العلمي بالاحتياجات الفعلية للمحيط الاقتصادي والاجتماعي.
وأشار إلى أن حاضنات الأعمال الجامعية والواجهات المؤسساتية تمثل جسراً بين الجامعة والمؤسسة، ما يسمح بتحويل الأفكار البحثية إلى مشاريع قابلة للتجسيد، تسهم في خلق الثروة ومناصب الشغل، خاصة في المناطق الداخلية والجنوبية، بما يعزز العدالة التنموية والتوازن الإقليمي.
هياكل الدعم… رافعة للتنمية المقاولاتية
من جانبها، أبرزت مديرة المؤسسات المصغرة بوزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغرة، صندرة سايبي، أهمية هياكل الدعم في مرافقة الشباب حاملي المشاريع، مؤكدة أن الدولة وضعت منظومة متكاملة لدعم المؤسسات المصغرة والناشئة في مختلف مراحلها.
وأوضحت أن التنمية المحلية في الجزائر تعتمد على تمكين الشباب من أدوات التسيير والتخطيط والتمويل، إلى جانب توفير المرافقة التقنية والإدارية، بما يعزز فرص بقاء المشاريع واستمراريتها في السوق.
كما شددت على أن الوزارة تعمل على تبسيط الإجراءات وتكثيف برامج التكوين والمرافقة، مع التركيز على إدماج المشاريع ذات الطابع الابتكاري والرقمي، انسجاماً مع التحولات الاقتصادية العالمية ومتطلبات الاقتصاد المبني على المعرفة.

القرض المصغر… آلية لتعزيز التنمية الريفية
بدورها، أكدت المديرة العامة للوكالة الوطنية لتسيير القرض المصغر، سعاد بن جميل، أن القرض المصغر يشكل إحدى الأدوات الفعالة لدعم التنمية المحلية في الجزائر، خاصة في المناطق الريفية وشبه الحضرية.
وأوضحت أن هذه الآلية لا تقتصر على بعدها الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى بعدها الاجتماعي، من خلال تمكين الفئات الهشة والنساء الماكثات في البيت والشباب البطال من إطلاق مشاريع مدرة للدخل، تسهم في تحسين مستوى المعيشة وتعزيز الاستقرار الأسري.
وأضافت أن الوكالة تعمل على مرافقة المستفيدين قبل وبعد التمويل، عبر برامج تكوين في التسيير المالي والتسويق، لضمان نجاح المشاريع واستدامتها، مشيرة إلى أن القرض المصغر ساهم في خلق آلاف النشاطات في قطاعات الفلاحة، الصناعات التقليدية، الخدمات، والحرف.
التأمين… ركيزة لإدارة المخاطر وحماية الاستثمار
في السياق ذاته، تناولت مديرة الاتصال والعلاقات الخارجية بالشركة الجزائرية للتأمينات، كاوة ياسمين خديجة، موضوع التنمية التأمينية باعتبارها مرتكزاً أساسياً في إدارة المخاطر وحماية الأفراد والمؤسسات من التقلبات.
وأكدت أن أي مشروع استثماري، مهما كان حجمه، يحتاج إلى تغطية تأمينية تضمن استمراريته في مواجهة المخاطر المحتملة، سواء تعلق الأمر بالكوارث الطبيعية أو الحوادث أو تقلبات السوق.
وأشارت إلى أن نشر الثقافة التأمينية يعد جزءاً لا يتجزأ من مسار التنمية المحلية في الجزائر، لأنه يعزز ثقة المستثمرين ويشجع على المبادرة، كما يوفر شبكة أمان اجتماعي واقتصادي تحمي الأسر والمؤسسات على حد سواء.
تكامل الأدوار… نحو نموذج تنموي مستدام
أجمع المتدخلون خلال الجلسة على أن التنمية المحلية في الجزائر تتطلب تنسيقاً دائماً بين مختلف القطاعات، من الجامعة إلى مؤسسات التمويل وهيئات الدعم وشركات التأمين، في إطار رؤية استراتيجية موحدة.
فريادة الأعمال الجامعية تفرز أفكاراً ومشاريع مبتكرة، وهياكل الدعم توفر المرافقة والتأطير، والقرض المصغر يمنح التمويل الضروري، بينما يؤمّن قطاع التأمين الحماية والاستقرار. هذا التكامل يخلق منظومة متكاملة قادرة على تحويل الإمكانات المحلية إلى فرص حقيقية للنمو.
كما شدد المشاركون على أن الاستثمار في الإنسان يظل حجر الأساس لأي تنمية مستدامة، من خلال التكوين، والتحفيز، وتعزيز روح المبادرة، بما يضمن إشراك المواطن في صنع التنمية والاستفادة من ثمارها.

التنمية المحلية… خيار استراتيجي للمستقبل
تؤكد مضامين الجلسة الحوارية أن التنمية المحلية في الجزائر لم تعد شعاراً نظرياً، بل تحولت إلى مسار عملي يعتمد على أدوات تمويل ومرافقة وتكوين متكاملة، تستهدف المواطن في مختلف الولايات والقطاعات.
وبينما تواصل الدولة تعزيز منظومة الابتكار والمقاولاتية، يبقى الرهان الأكبر هو تحويل هذه الجهود إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، عبر خلق مشاريع مستدامة، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتحقيق تنمية متوازنة تعود بالنفع على الفرد والمجتمع.
Share this content:



إرسال التعليق