الناتو بين الابتزاز الاستراتيجي واختبار الحرب
بقلم البروفيسور إدريس عطية
في ظل سيولة جيوسياسية غير مسبوقة، أعاد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب صياغة إشكالية “تقاسم الأعباء” داخل حلف شمال الأطلسي (NATO)، منتقلًا بها من حيز العتاب الدبلوماسي إلى مربع “الابتزاز الوجودي”. لم يعد الأمر يقتصر على لوم الحلفاء، بل وصل إلى التلويح بـ”رفع الحماية” وربط الالتزام بالمادة الخامسة بسقف إنفاق عسكري تعجيزي (5%)، معتبراً الانكفاء الأوروبي عن مساندة واشنطن في حرب محتملة ضد إيران “خطيئة استراتيجية”. هذا الطرح يضعنا أمام تساؤل جوهري: هل نحن أمام عملية “تحديث” قسرية للحلف، أم أمام إعلان مبكر عن تفكك العقد الأطلسي؟
أولاً: من “القيم المشتركة” إلى “الترانزاكشن“
ينقل خطاب ترامب الحلف من فضاء “التحالف القيمي” الذي تأسس في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إلى منطق “العائد مقابل الكلفة”. إن رفع سقف الإنفاق المطلوب إلى 5%—وهو رقم يتجاوز القدرات المالية لمعظم الاقتصادات الأوروبية المثقلة بالديون والتضخم—يوحي بأن المطلب ليس عسكرياً تقنياً، بل هو أداة ضغط سياسي لانتزاع تنازلات سيادية.
ومع ذلك فالتهديد بالانسحاب هنا ليس “انتحاراً استراتيجياً” أمريكياً بقدر ما هو محاولة لإعادة تموضع واشنطن كـ “متعهد أمني” يفرض شروطه، بدلاً من كونها “قائداً لكتلة” تلتزم بأعبائها.
ثانياً: تصدع العقيدة الدفاعية وأزمة “الردع المتخيل“
يؤدي هذا الخطاب إلى زلزلة الأركان التي قام عليها الحلف عبر ثلاثة مسارات:
تقويض “قدسية” الدفاع الجماعي: بمجرد جعل المادة الخامسة مشروطة، يفقد الردع قيمته النفسية أمام الخصوم (روسيا والصين)، ويتحول الحلف إلى “مظلة مثقوبة”.
استفاقة الهوية الدفاعية الأوروبية: إن الشعور بـ “اليتم الاستراتيجي” يدفع دولاً مثل فرنسا وألمانيا لتسريع “الاستقلالية الاستراتيجية”، مما قد يخلق ازدواجية في الهياكل العسكرية تضعف التنسيق الأطلسي.
ظهور “الأطلسي الانتقائي”: تحول الحلف إلى شبكة مرنة (Flexible Network) بدلاً من كتلة صلبة، حيث تختار كل دولة ساحات الانخراط بناءً على مصالحها الضيقة، لا التزاماتها الجماعية.
ثالثاً: الجبهة الإيرانية.. صاعق التفجير الداخلي
على خلاف الصراع الأوكراني الذي أوجد حداً أدنى من الإجماع، تمثل إيران “نقطة افتراق” استراتيجية. فأي مغامرة عسكرية أمريكية ضد طهران لن تكون عامل حشد، بل ستكون “إسفيناً” يدق في جسد الحلف لعدة أسباب:
- أمن الطاقة: الحساسية الأوروبية تجاه تدفقات النفط عبر مضيق هرمز تختلف بنيوياً عن الحسابات الأمريكية.
- الجغرافيا السياسية: تداعيات “حروب الوكالة” والنزوح الأمني ستصيب العمق الأوروبي مباشرة، بينما تظل واشنطن محمية بجغرافيتها البعيدة.
- تباين المقاربات: ترى أوروبا في “الدبلوماسية الخشنة” وسيلة للتعامل مع إيران، بينما يراها الجناح الترامبي هدفاً لـ “تغيير السلوك الجذري” أو المواجهة.
رابعاً: نحو “ناتو متعدد السرعات” في عالم سيال
نحن نشهد ولادة نموذج “الناتو الانتقائي”؛ حيث تغيب الالتزامات الشاملة وتحل محلها “تحالفات الضرورة”. هذا التحول هو انعكاس طبيعي لانتقال النظام الدولي من القطبية الأحادية إلى التعددية القطبية، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لفرض التماسك دون توافق المصالح الاقتصادية والجيوسياسية.
الناتو بين إعادة الاختراع أو التفكك
إن تهديدات ترامب، وإن بدت “شعبوية” في ظاهرها، إلا أنها تعبر عن تيار عميق في الدولة العميقة الأمريكية يرفض الاستمرار في تحمل “ضريبة القيادة” العالمية دون مقابل مجزٍ. الناتو اليوم ليس في اختبار قوة عسكرية أمام خصومه فحسب، بل هو في مواجهة مع ذاته؛ فإما إعادة اختراع وظيفي يتناسب مع طموحات “أمريكا أولاً” وهواجس أوروبا، أو الانزلاق نحو تحلل تدريجي يجعل من الحلف مجرد “ذكرى مؤسسية” في كتب التاريخ.
Share this content:



إرسال التعليق