الاستشراف

بين الاستشراف وبلوغ المصاف

بقلم أحمد جعدي….  كثيرا ما نسمع كلمة “الاستشراف” تتردد عبر منصات ودراسات من مهتمين ومختصين، كلمة بليغة في معناه ومراميها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها من نقاط الارتكاز التي يقوم عليها القادم من المحطات.
كيف يمكن أن نجعلها وقودا يحرك عجلات التنمية ودافعية نحو تلك الخطوط المشرقة؟
وماهي آليات غرس الاستشراف في حقول الناشئة كي تشب على تحقيق المفقود، وتطارد أحلاما يتمناها الوطن فتصنع منها ذلك الواقع الملهم والمشرّف لكل الربوع؟

 

دور المربي في غرس الاستشراف

تدريب الناشئة على الاستشراف يستدعي وجود المربي الواعي والمدرك للأحوال والطامح لحسن المآل، والمتزود من خزان القيم والمتشبع بروح الهوية الوطنية، مدرك لمكان الوقوف والعارف بخط النهاية وبما يحيط به من ظروف، ناظر ومتأمّل إلى تلك الخطوط البعيدة والراسم للطرق والطرائق الموصلة لها.

 

أهمية بناء الأساسات القيمية

مامن شك أن العارف بدعائم تقوية الأساسات يبذل الغالي والنفيس للوصول بالأجيال إلى استغلال كل صغيرة وكبيرة في التغيير دون تغيّر او مساس بالثابت الأصيل ..

 

الاستشراف كعملية استراتيجية

الاستشراف من لبيب محبّ للأرض والعِرض كفيل بأن يحدد الخطوات نحو المصاف، فهو يحدد المعاني ويختار المفاتيح المناسبة لفتح المغاليق مدركا أنّه عملية استراتيجية قائمة على تخطيط علمي ورؤية واقعية ترسم المعالم القابلة للتجسيد من أجل تشكيل المستقبل.

 

الانتقال نحو مصاف الدول المتقدمة

و يهدف الاستشراف إلى الانتقال من الوضع الحالي إلى مكانة مرموقة من خلالها يصل المجدّون بكل حزم وعزم إلى مصاف الدول المتقدمة في كل المجالات، فهم يخططون ويتوقّعون ويضعون البدائل وكل السيناريوهات، للاستفادة من الفرص، وتجاوز التحديات.

 

ردم الفجوة بين الأجيال

العمل على الوقوف سدّا منيعا أمام القطيعة والتباعد بين الأجيال في زمن القوة العلمية والهبّة التكنولوجية، وبات من الضروري إعداد النشء القادر على التحليل والاستنتاج واتخاذ القرار والمبادرة باعتبارها مهارات وسلوكات على المربين والمختصين والفاعلين ترسيخها في الأجيال الصاعدة.

 

بناء الشخصية منذ الطفولة

قد تبدأ في أول محطة لها الأثر المهم في بناء الشخصية وصقل المواهب واكتشاف الذكاءات وتوجيهها نحو الفضاءات التي تبرز فيها وتنبجس إبداعاتها، وبالرعاية تكون محور التحول من طفل تدرب واكتسب ومارس بالوسائل المتاحة وبالخبرة في مجالها المحدود ومراحلها العمرية الأولى إلى ذلك الإنسان الذي توسعت مداركه وتشكلت شخصيته وظهرت معالم القيم الوطنية والدينية التي ترعرعت معه منذ نعومة أظافره.

c-1 بين الاستشراف وبلوغ المصاف

المقاربات التربوية الحديثة

مامن شك في أن المقاربات الحديثة في مدارسنا تهتم بإعداد الفرد الصالح المتمسك بعناصر هويته والمتفاعل مع البيئة التي يعيش فيها والمتفتح على العالم بمواكبته للمستجدات، يعيش اكتساب المعارف ويقوم بتوظيفها وفق خطط وآليات مضبوطة حددتها الوصاية ، وبتطبيق عدة استراتيجيات ومقاربات حديثة في رحاب مؤسسة تربوية ووسائل بيداغوجية وتفاعل يعتمد على وضع المتعلم في إشكال وإثارة ذلك التحدي بداخله ثم تركه للمحاولة والتكرار والتجريب والقياس، وإكسابه مهارات القرن الحادي والعشرين، من تفكير تعاوني إلى التفكير الناقد ومنه إلى التواصل، وكلها مهارات تؤسس وتعمل على تشكيل الفرد المفكر والناقد الذي يحسن إدارة انفعالاته وأوقاته ويستشرف القادم منها بعد تجارب خاضها ومشاريع قام بها بمرافقة أولياء أموره في البيت وأساتذته في المدرسة والفاعلين في المجتمع ضمن الأعمال الموازية والموجهة، في إطار مرسوم الحدود رعته الدولة حفاظا على المواطن من عولمة قد تأتي على أساساته، وتحصينا لكرامة وعزة الوطن.

 

ثمار الإعداد الجيد للناشئة

الطفل الذي تم إعداده وتوحدت الأهداف من أجل ضبط خطواته هو ذلك الشاب المعطاء، الساعي في دروب وطنه إطارا ساميا في شتى المجالات يبني ويشيد فكرا ويؤسس لمعالم التعاون والتشارك والتبادل دون ان تتضرر تلك المقومات والقيم لأنها ستجري في دمه مجرى الدم في العروق.

 

أهمية التقييم والتقويم

تبقى المرافقة والتخطيط والتقييم ثم التقويم من أهم الوقفات الواجب الحرص على تمكينها لأن الاستشراف يقوم على الاستقراء والاستنتاج والاستدلال لفهم التغيرات الجذرية في الواقع القريب والبعيد قبل حدوثها سياسيا او اقتصاديا، اجتماعيا او تربويا، ومن الأهمية بمكان لابد من الإشارة إلى أن تطوّر الأمور للأحسن عندما يستغل الأفراد التّحديات ويفتكون فرص التّعلم والارتقاء لتعزيز القدرة وإثراء الرصيد المعرفي والتطبيقي للوصول إلى المصاف. ويمكن التأكيد أيضا على أمر مهم وهو ان النّجاح في المسعى المنبثق عن الاستشراف سيرا نحو المصاف يعتمد على توفر أكثر من بديل لحل المشكلات، ووضع أكثر من توقع مع احتمال التقلبات وإعداد الحلول المناسبة لكل حالة، ولضمان وصول أكيد إلى المصاف المرجوة يقوم المخلصون من أهل الهمّة بتحويل القدرات الكامنة وتركيزها على أهداف إيجابية محددة، يعملون لها انطلاقا من مكتسبات ورصيد من الخبرة دون إغفال للجانب التكنولوجي والقدرات الواجب اكتسابها في هذا المجال لأن السباق المحموم فيها يسير بلا هوادة ويسابق الريح، والتدريب في المجال التكنولوجي والتمكين لتفاصيله الإيجابية في واقع الجيل ثورة يمكن القول أن الفوز بها هو تربّع وصدارة تشهد لها المصاف الواعدة وحافز لبلوغ التميز والوجاهة والحكامة، ونيل لركيزة التنمية ودفع لعجلتها نحو الافضل.

 

الاستشراف وصناعة المستقبل

الاستشراف روح أهل النباهة والفطنة يحافظون ويتشبثون من خلاله على إرث الأجداد والموروث الحضاري للبلاد، وهوانطلاق بخطوات ثابتة إلى صناعة الغد المشرق وفق دراسات موثقة بعيدة عن العشوائية، تقوم على الخبرات والحوار الجاد المتبوع بالعمل الخاضع للمراقبة والمرافقة بعد التخطيط، والمتوقف بين فترة وفترة للتقييم والمراجعة وضبط الأمور قبل الانطلاق من جديد، وفي الأساس هو لا يعترف بالمصطلحات المثبطة والموهنة للعزائم، بل شعاره المرونة والقدرة على التكيف بسرعة مع المستجدات والتدخل في الوقت المناسب والمكان المناسب بالوسائل المناسبة .

 

العبرة من القصة الختامية

قد أختم بقصة وجدت فيها العبرة والفكرة وبُعد النظرة، حيث قام أفراد أحد الشعوب ببناء حصن متين يحميهم من تسلل الأعداء ، وقد قضوا فترة طويلة لتشييده، استنزف منهم الجهد والطاقة والأموال، للأسف بعد إتمامه تمكن الأعداء من الدخول بكل سهولة من الأبواب وهذا بعد إغراء ورشوة الحراس، الشاهد من هذه القصة أن الوقت المستغرق في بناء الأسوار كان من الأجدر ان يستغل في بناء الإنسان قيميا وأخلاقيا وإنسانيا، لأن بناء الإنسان هو الترياق الذي يصد كل فكر دخيل وهو المركب الأنجع لبلوغ الآفاق.

 

Share this content:

إرسال التعليق