تونس تعتمد الفوترة الإلكترونية: نقاشات مكثفة حول التدرج والتحديات
نظمت الأكاديمية البرلمانية لمجلس نواب الشعب يوم الأربعاء 25 مارس 2026 يومًا دراسيًا حول نظام الفوترة الإلكترونية، أشرف عليه العميد إبراهيم بودربالة، رئيس مجلس نواب الشعب، بحضور نائبي رئيس المجلس السيدة سوسن المبروك والسيد أنور المرزوقي، ورئيس لجنة المالية والميزانية السيد ماهر الكتاري، ورئيس لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد السيد سامي الرايس، إلى جانب عدد من الخبراء والإطارات السامية من وزارة تكنولوجيات الاتصال وعدة منظمات وطنية ومهنية.
وأكد رئيس مجلس نواب الشعب أن الأكاديمية البرلمانية تشكل فضاءً جامعًا لاستقبال الخبرات التونسية وتعميق دراسة مقترحات القوانين وتجويدها، مشددًا على حرص المجلس على تطوير التشريعات لخدمة المصلحة الوطنية وتعزيز الصالح العام. كما أبرز أهمية موضوع اليوم الدراسي، معربًا عن أمله في أن تفضي مخرجاته إلى دعم جهود المجلس في معالجة مسألة الفوترة الإلكترونية، مع تحقيق التوازن بين التقدم التكنولوجي ومتطلبات القطاعات الاقتصادية المختلفة.
دور الفوترة الإلكترونية في التشريع والنمو الاقتصادي
أكد السيد ماهر الكتاري، رئيس لجنة المالية والميزانية، أن من واجب الوظيفة التشريعية معالجة أي نقائص قد ترد في القوانين الصادرة، مشيرًا إلى أن الفوترة الإلكترونية المنصوص عليها في قانون المالية لسنة 2026 قابلة للمراجعة في سبيل تحقيق النمو الاقتصادي المرجو. وأوضح أن الأكاديمية البرلمانية تمثل منصة مفتوحة لتبادل الرؤى بين مختلف الفاعلين، بما يضمن تشارك الخبرات والآراء قبل اتخاذ القرارات النهائية.
من جانبه، استعرض السيد سامي الرايس، رئيس لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد، مسار تطبيق الفوترة الإلكترونية منذ 2016 وصولًا إلى قانون المالية لسنة 2026، مشيرًا إلى ردود الفعل المتباينة حول التطبيق العملي وأهمية مراعاة مصالح صغار المهنيين والمنتسبين لقطاع الخدمات، مع التأكيد على الرقمنة كخيار استراتيجي لا يتعارض مع حقوق الفاعلين الاقتصاديين.

دور وزارة تكنولوجيات الاتصال في الرقمنة
قدمت السيدة سناء الهواري، المديرة العامة لتكنولوجيا المعلومات بوزارة تكنولوجيات الاتصال، مداخلة تناولت أهمية الفوترة الإلكترونية كجزء من تحديث الإدارة، معتبرة أن المشروع يمثل خيارًا استراتيجيًا لتكريس مبادئ حسن التصرف ومكافحة الاقتصاد غير المنظم.
وشددت على اعتماد المرونة في تطبيق العقوبات، وتوفير الإحاطة والدعم الفني للفاعلين الاقتصاديين، وإطلاق منصة رقمية موجهة للحرفيين والمؤسسات الصغيرة، إضافة إلى توسيع قاعدة الحلول التقنية لتشمل المؤسسات المتوسطة والكبرى. كما أبرزت السيدة الهواري أهمية الهوية الإلكترونية والإمضاء الإلكتروني لضمان نجاح المشروع.
التحديات والخصوصيات القطاعية
أوضح العديد من الخبراء والمهنيين، مثل الأستاذ محمد صالح العياري، أهمية اعتماد السلاسة والمرونة في تنفيذ أحكام الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026، مؤكدين ضرورة اعتماد التدرج والزمن الكافي للانخراط في المنظومة.
كما أثار ممثل الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، السيد مهدي البحوري، الحاجة إلى رزنامة مرحلية، ومرافقة تقنية واضحة، مع تعديل نظام العقوبات ليكون تصاعديًا، وحماية المعطيات الشخصية والسر المهني.
وأشار ممثل الهيئة الوطنية للمحامين، الأستاذ العروسي زقير، إلى خصوصية مهنة المحاماة والسر المهني، مطالبًا باستبعاد المحامين من نطاق التطبيق الحالي للفوترة الإلكترونية لضمان عدم المساس بحقوق المتعاملين وسرية المعطيات.

القطاع الطبي ومسألة الفوترة الإلكترونية
أوضح ممثل المجلس الوطني لعمادة الأطباء، السيد رضا الضاوي، أن تطبيق الفوترة الإلكترونية في الوضع الراهن لن يعزز الشفافية الجبائية للأطباء بشكل جوهري، بل سيزيد الأعباء الإدارية. وأكد على ضرورة اعتماد حلول رقمية تدريجية تراعي خصوصيات الممارسة الطبية وتحافظ على سرية البيانات الصحية، داعيًا إلى إصلاح شامل ومتوازن للمنظومة الجبائية للقطاع الطبي.
الفوترة الإلكترونية للمهندسين والخدمات الهندسية
استعرض السيد إحسان الزرعي، عضو مجلس عمادة المهندسين، التحديات المالية واللوجستية المرتبطة بتطبيق الفوترة الإلكترونية، خاصة فيما يتعلق بمرحلة استحقاق المدفوعات والربط بين إصدار الفاتورة والتدفقات النقدية الفعلية، مؤكدًا ضرورة اعتماد فترة انتقالية وتدرج في التطبيق لتفادي أي تأثير سلبي على المكاتب الهندسية.

توصيات النواب والكنفيدرالية
أشاد النواب خلال المناقشات بأهمية اليوم الدراسي في توضيح الرؤية بخصوص اعتماد الفوترة الإلكترونية، مؤكدين على ضرورة وجود نص موحد لتنقيح قانون المالية يواكب الرقمنة بشكل يخدم مصلحة المواطن والدولة. كما تم التأكيد على أهمية مراعاة الخصوصيات القطاعية والسر المهني، وتوفير الدعم الفني والتدريب، مع مراعاة جاهزية البنية التحتية التقنية.
وقدمت الكنفيدرالية الوطنية توصيات بشأن اعتماد مقترح القانون عدد 12 لسنة 2026 كأساس تشريعي، مع وضع رزنامة مرحلية تعتمد على حجم المعاملات، وضمان حماية المعلومات الشخصية، وفتح المجال للمنافسة في المنصات التقنية وتفعيل حوكمة تشاركية بين القطاعين العام والخاص.
نحو رقمنة مدروسة ومرحلية
أكد الجميع أن الفوترة الإلكترونية تمثل خيارًا استراتيجيًا لتطوير الإدارة وتحسين الشفافية الجبائية، مع ضرورة مراعاة التدرج والمرونة لتجنب أي آثار سلبية على صغار المهنيين والقطاعات الخاصة، وضمان التوافق بين الرقمنة وخدمة مصالح المواطنين والاقتصاد الوطني على حد سواء.
Share this content:



إرسال التعليق