قصيدة النّثر

سألونك عن قصيدة النّثر، قل هي…

بقلم:  اعمر سطايحي

إنه من سنن الحياة، فانظر إلى تقلّب فصول السنة، وإلى تعاقب الليل والنهار وأطوار تشكّل الإنسان والحيوان والنبات ونمو الزروع والثمار… أمّا التجديد الذي يُقبل عليه الإنسان، فيشمل الماديات والمعنويات؛ فأنا عندما أُرمّم مسكني، إنّما لإصلاح ما به من تصدّعات، ثم أُدخل عليه تحسينات، وليس هدمه كلّيًّا، بما فيه الأعمدة التي يرتكز عليها. وعندما أُعدّلُ رأيي أو مزاجي أو أُشحن طاقتي أو أُراجع علاقاتي، فذلك لا يعني التخلي عن رأيي ومزاجي وطاقتي وعلاقاتي. إذن فمفهوم التجديد، هو فعل يرتكز على قيمة مادية أو معنوية سابقة له، ومنهما وبهما يتولّد الجديد.

ومن مقتضيات هذا التجديد، ما تُمليه علينا الحياة بملابساتها ومستجداتها، والذي نقيضه السكون والجمود. فالحياةُ نفسُها ترفض وتُمقت الركود، فانظر إلى الماء إذا ركد، وانظر إليه في حال جريانه، هل يستويان؟ ولله دَرُّ الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، في قصيدته إرادة الحياة، حين تساءل، ثم أجاب على لسان الأرض:

ولمّا تساءلت: يا أُمُ هل تكرهين البشر؟ قالت:
أبارك في الناس أهل الطموح
ومَن يـسـتلـذ ركـوب الخطــر
وألـعَـنُ مَن لا يُمـاشي الزمـان
ويقنع بالعيش عيش الحجر.

لذلك شهدت الأجناس الأدبية العالمية، حركات تطورية وأحيانا ثورات جذرية.

 

ثورات تجديدية في الشعر العربي

فخلال المئة سنة الماضية، شهد الشِّعر العربي أربع ثورات، لا أقول: عصفت بالشِعر القديم، إنّما ثلاث منها اثرته وهذّبته
ثم طوّرته، لتُخرجه من محلـيتـه الضيّقة، حتى حلّقت به في سماء العالمية. وهذه الحركات التطورية هي:

أوّلًا: حركة الإحياء، التي بدأها الشاعر محمود سامي البارودي، ثم جاء بعده أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وأحمد محرم وعلي الجارم وغيرهم. وقد حقّقت تلك الحركة هدفها، وهو بعث الروح في التيار الأصيل، بعد أن أصابه الوهن، بفعل سقوط بغداد على أيدي التتار(، 1258).

ثانيا: المدرسة الرومنسية، باتجاهاتها الثلاث وهي:

  • أدب المهجر(1920) وخير مَن يمثّله، جبران خليل جبران، إيليا أو ماضي، ميخائيل نعيمة، رشيد أيوب، إلياس فرحات، شفيق المعلوف، رشيد سليم الخوري…
  • جماعة الديوان(الربع الأول من القرن ال 20)، بالأقطاب الثلاث وهم عباس محمود العقاد، عبد الرحمان شكري وعبد القادر المازني، فغلّبوا الفكر على العاطفة وأتوا بالمعنى الصحيح واللفظ الفصيح…
  • جماعة أبولو(1932)، وهي امتداد لمدرسة الرابطة القلمية الرومنسية التجديدية، فتأسست على يد أحمد زكي أبو شادي، ومن أقطابها نذكر محمود عماد، كامل كيلاني، محمد عبد المعطي، جميلة العلايلي وأبو القاسم الشابي… وهم الذين يزاوجون بين المبنى والمعنى في الشِعر العربي، مع سهولة في التعبير والحفاظ على الوحدة العضوية والانسجام الموسيقي والإيقاعي… الخ

ثالثا: شِعر التفعيلة: الذي ظهر بُعيد الحرب العالمية الثانية (1947) ، على يَدَيْ الشاعرين العراقيين بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، وهي حركة تجديدية، خلخلت بِنية القصيدة العمودية وأعادت هندستها، في الشكل كما في المضمون، لكنها لم تُلغِ سابقتها ولا بحور الشعر، لذلك هي اليوم، جنبا إلى جنب مع القصيدة العمودية، في تعايش سلميّ.

رابعا: قصيدة النثر/النثيرة: إلى هنا فالحركات التجديدية الثلاث السابقة، كانت لها إضافات في الشّعر العربي، في ثوبه القديم، ولم تك معاول هدم. أمّا ما اصطُلح على تسميته بقصيدة النثر، فهي ضربة موجعة للشِعر العربي، حتى كادت تقصم ظهره، لولا المرابطون الأوفياء. وهذا هو مربط الفرس في المقالة.

 

إرهاصات قصيدة النثر

بتاريخ 14 سبتمبر 1957،أعلن اللبناني يوسف الخال، عن تأسيسه لمجلّة “شِعر”، وذلك إثر عودته من أمريكا إلى موطنه. وهو المُطّلع على الحركات التجديدية للحداثة الشِعرية في الأدب الأمريكي وكذا الأدب الانجليزي، مُتأثّرا بالمجلّة الأمريكية” Poetry “. إذ بدأ يتّصل بشعراء شباب في الجامعة الأمريكي في لبنان. فمجلّة” شِعر” التي عمّرت ثماني سنوات (1957إلى1964)، وصدر منها (32) عددا، ثم احتجبت وعادت للظهور في سنوات(1967 إلى1969) وأصدرت( 12)عددا، لتحتجب نهائيا. ونذكر من مؤسسيها: أدونيس، خليل حاوي، نذير عظمة، ثم انضمّ إلى طاقمها نقاد هم: أسعد زروق، أنسي الحاج وخالدة سعيد (خزامى صبري). بينما هناك تباين في مَن كتب قصيدة النثر أوّلًا، هل هو أدونيس وبعده يوسف الخال وشوقي أبو شقرا وعصام محفوظ؟أم الكاتب السوري محمد الماغوط؟. فقد قيل: هو أدونيس، الذي تأثر بكتاب ” قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا”، لمؤلّفته الفرنسية”سوزان برنار”. في حين يرى سامي مهدي، أنّ السبق كان ل محمد الماغوط، وذلك قبل أن تُعرف تسمية قصيدة النثر بهذا الاسم، وهو الذي كان ينشر نصوصه في مجلّة”المجلّة”، في أواخر سنة 1957،ثم حذا حذوه أنسي الحاج وتبعهما أدونيس.
لقد كانت مجلّة”شِعر”في بداياتها تنشر قصائد متنوّعة، بين العمودية والحديثة والنثرية، وحتى قصائد باللهجة اللبنانية، كما فعا أنسي الحاج.

WhatsApp-Image-2026-04-12-at-7.07.00-PM سألونك عن قصيدة النّثر، قل هي...

مواقف مجلة “شعر” من اللغة والوزن والتراث

لعلّ من المواقف التي جلبت لأصحاب مجلّة “شِعر”، حملات مُضادة، هو موقف رئيسها من لغة الشِعر، القائل:” اللغة العربية الفصيحة، عاجزة عن مُجاراة الحداثة…. ثم دعا إلى الكتابة باللهجة العامية. هذا اتجاه، وهناك اتّجاه ثانٍ، يدعو إلى تمكين العامية من التعاطي مع الفصحى في ذات القصيدة. وهذا الشاعر جبرا إبراهيم جبرا، الذي يكتب باللغة الانجليزية، يرى أنّ اللغة، لا تكون إلا مادةً خامًا، يسخّرها الشاعر لمشيئته، وأنّها مجرّد وسيلة، لا تملك وظيفة سوى التوصيل.

وكان لأصحاب مجلّة “شِعر” موقفًا مُعاديا من التراث العربي، ف سامي مهدي، يُرجِع تلك المُعاداة إلى معتقاداتهم السياسية والإيديولوجية، التي يؤمنون بها، وإلى تكوينهم الغربي،، فهم لا يؤمنون بالانتماء، فكيف يؤمنون بتراث الأمّة؟!. ثم دعت المجلّة إلى التحرّر من القيود التقليدية النمطية، وفي مقدّمتها أوزان الشِعر وقوافيه. وأنّ الشِعر أكبر من أن يُحدّدَ بالعَروض؛ بمعنى أن يَنْصَبّ هاجسُ الشاعر حول المعنى والفكر فقط، لا اللغة ولا الوزن. وهنا يرى يوسف الخال (أنّ الشِعر العربي، ظلّ حبيس رومنسيته، فهو ليس حديثا إلاُ في الزمن؛ إذ لا يزال تقليديا، متخلّفا عن عصره، ولم يَجرِ عليه أيّ تعديل، فهو يصدر عن عقلية اجترارية عتيقة.

هذا وقد تبنّى جماعة قصيدة النثر، تعبير”الثورة” بدل الحركة التجديدية. يظهر ذلك في قول يوسف الخال: ” المرحلة التاريخية التي نجتازها اليوم، هي مرحلة تحرّر من كلّ ما توارثناه، في شتى نواحي الحياة، ومنها الشِعر. ”

 

التنظير لقصيدة النثر وإشكالياتها

أمّا أوّل مَن نظّر لقصيدة النثر، فهو الشاعر الناقد أحمد علي سعيد ، المشهور ب “أدونيس”، وله في العدد(14) من مجلّة شِعر، مقالة موسومة ب” في قصيدة النثر”. ثم تبعه أنسي الحاج في مقدّمة كتابه “لن”. كذلك طرح أدونيس فكرة الشِعرية والشِعر، ليُثبت أنّ قصيدة النثر، هي الشِعر عن جدارة، مع إبعاد الوزن كشرط للشعرية، مادامت تربة النثر، أكثر خصوبة من تربة الشِعر.! وهذا المذهب سبق إليه نقاد غربيون، على غرار” رولان بارث”، “تودوروف” و”فاليري،،، من أنّ الشِعرية تتحقّق في الشِعر، ولكنها في النثر أكثر.

وهذا الزعم، هو الذي جعل دعاة قصيدة النثر، يُلحقونها بركب الشِعر، وهم من المتضلّعين الأكادميين. أمّا المتشاعرين السَّوَقة، الذي لا يُطيقون امتطاء صهوة الشِعر – وما أكثرهم في زماننا- فهُم يعدّونها شِعرًا، لجفاف قرائحهم وافتقارهم للموهبة وجهلهم للأوزان الشِعرية وضحالة رصيدهم اللغوي….!

ومن الإشكاليات التي تواجه قصيدة النثر، كثرة تسمياتها؛ فقد أحصى عز الدين مناصرة ( 25) اسمًا، فهي: قصيدة النثر، النثيرة، الكتابة الحرّة، القصيدة الحرّة، شذرات شِعرية، الكتابة الخطراتية، القِطع الفنّية، النثر المُركّز، النص المفتوح، الجنس الثالث(خُنثى)، القول الشِعري، قصيدة الكتلة، الشِعرية، الشِعر المنثور، الشِعر بالنثر، النثر بالشِعر…الخ.

وحتى تسميتها ب قصيدة النثر، تسمية خاطئة، غامضة وضبابية؛ فإضافة القصيدة إلى النثر، والنثر أنواع وألوان(قصة، رواية، خاطرة، رسالة، مقالة، محاضرة…)، يوحي أنّ كلّ هذه المنثورات شِعر.! وهذا كبيرهم الذي علّمهم ال(…) محمد الماغوط، يُبطّن قوله الآتي، أن تلك النصوص النثرية، ليست شعرًا. قال: ” أنا أكتب نصوصًا، ولا أغضب إذا قيل: أنّني لستُ شاعرّا، إنّما كاتب نصوص.

 

الحاصل: إشكالية التفريق بين الشعر والنثر

الحاصول:
أمّا تساؤلي، وبعيدّا عن نظرية تداخل الأجناس الأدبية، فهو: بم نفرّق بين الشِعر والنثر؟ يقينّا أنّ العناصر الأساسية للأدب هي: فكر، شعور، خيال ولغة. وهذه العناصر يتقاسمها الشِعر مع النثر، فهي ليست مقاييس للتفريق بين هذين الجنسين، ليبقى- إذن -مقياس الوزن، الوحيد الذي يُغربل الطحين والفصل بين الدقيق والنخالة.[ قال ميخائيل نعيمة: مَن نقد الناس نخلوه.] خاصة وأنَ كتبة حروز (قصيدة النثر) سيغضبون من أمثالي. ولو أني من أنصار التجديد والتجريب في الأجناس الأدبية ، مؤمنّا بمقولة: “تجدّد أو تبدّد “. ولا خير في تجديد وتجريب يكونا مِعوَليْ هدم وإقصاء للآخَر،،، خاصة وأنّ كلّ جديد يغدو في يوم ما قديما، لذلك فكلّ أمّة تلعن سابقتها.

 

 

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق