منتدى الشباب والسلام

منتدى الشباب والسلام: الجزائر تجمع الطاقات العربية لصناعة المستقبل

في مدينة تتقاطع فيها الذاكرة مع الحاضر، وتلتقي فيها رهانات الإقليم بطموحات الأجيال الصاعدة، تستعد وزارة الشباب الجزائرية لاحتضان حدث يتجاوز في رمزيته مجرد فعالية شبابية عابرة، حين تنظم بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالجزائر فعاليات المنتدى العربي للشباب والسلام والأمن يومي 28 و29 مارس 2026 بالعاصمة الجزائرية، تحت شعار يبدو للوهلة الأولى بسيطًا لكنه يحمل في طياته رهانات معقدة: “شركاء في السلام، شباب يصنع المستقبل”، وهو شعار يعكس بوضوح التحول المتدرج في النظرة إلى دور الشباب في المنطقة العربية، من فئة تحتاج إلى التأطير والدعم إلى فاعل مركزي في صياغة السياسات وبناء الاستقرار، في زمن باتت فيه التحديات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية مترابطة بشكل يجعل من إقصاء هذه الفئة مغامرة لا يمكن تحمل كلفتها.

 

المنتدى في سياق التحولات الإقليمية وبناء السلام

هذا المنتدى، الذي يجمع طاقات شبابية وأخصائيين وخبراء من مختلف أنحاء الوطن العربي، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الإقليمي الذي يطغى عليه سؤال الاستقرار، حيث تعيش المنطقة منذ أكثر من عقد على وقع تحولات عميقة أعادت تشكيل موازين القوى وأفرزت تحديات جديدة، من النزاعات الممتدة إلى تصاعد التهديدات غير التقليدية، وهو ما دفع العديد من المنظمات الدولية، وفي مقدمتها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى إعادة التفكير في مقاربات بناء السلام، عبر إدماج الشباب ليس فقط كمتلقين لسياسات الاستقرار، بل كشركاء في تصميمها وتنفيذها، وهو ما يتجسد في مثل هذه المنتديات التي تسعى إلى خلق فضاءات حوار عابرة للحدود، تتيح تبادل الخبرات وبناء شبكات تعاون قادرة على تحويل الأفكار إلى مبادرات ملموسة على أرض الواقع.

 

ديناميكية تفاعلية ومقاربات جديدة لبناء السلام

ولعل ما يميز هذا الحدث هو طابعه التفاعلي الذي يتجاوز الشكل التقليدي للملتقيات، حيث لا يقتصر على عرض تجارب أو تقديم مداخلات نظرية، بل يسعى إلى خلق ديناميكية جماعية تقوم على النقاش المفتوح وتبادل الرؤى بين المشاركين، في محاولة لصياغة مقاربات جديدة تعكس واقع الشباب العربي وتطلعاته، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن بناء السلام لم يعد مسألة أمنية بحتة، بل عملية معقدة تتداخل فيها الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وهو ما يجعل من إشراك الشباب عنصرًا حاسمًا في نجاح أي استراتيجية في هذا المجال، خاصة وأن هذه الفئة تمثل النسبة الأكبر من سكان المنطقة، وتملك في الوقت ذاته القدرة على التأثير في مساراتها المستقبلية، سواء بشكل إيجابي أو سلبي، بحسب طبيعة السياسات المعتمدة تجاهها .

 

الجزائر كفضاء للحوار الإقليمي ودعم الاستقرار

وفي هذا السياق، تبدو الجزائر، من خلال احتضانها لهذا المنتدى، وكأنها تراهن على دورها كفضاء للحوار الإقليمي، مستفيدة من رصيدها التاريخي في دعم قضايا التحرر والسلم، ومن موقعها الجغرافي الذي يجعلها نقطة تلاقٍ بين ضفتي المتوسط والعمق الإفريقي، وهو ما يمنحها هامشًا معتبرًا للمساهمة في النقاشات الإقليمية حول قضايا الشباب والسلام، خاصة في ظل التحديات التي تعرفها منطقة الساحل، والتي تجعل من مسألة إشراك الشباب في بناء الاستقرار أولوية لا يمكن تأجيلها، في وقت تشير فيه تقارير دولية إلى أن تهميش الشباب يمثل أحد أبرز عوامل الهشاشة في المجتمعات، ويزيد من احتمالات الانخراط في مسارات العنف أو الهجرة غير النظامية، وهو ما يجعل من مثل هذه المبادرات استثمارًا في الأمن على المدى الطويل .

f-5 منتدى الشباب والسلام: الجزائر تجمع الطاقات العربية لصناعة المستقبل

إشكالية الاستدامة وتحويل التوصيات إلى واقع

غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في تنظيم المنتدى بحد ذاته، بل في ما يمكن أن ينتج عنه من توصيات ومبادرات قابلة للتنفيذ، حيث تشير تجارب سابقة إلى أن العديد من الفعاليات الشبابية تنتهي إلى بيانات ختامية طموحة لكنها تظل حبيسة الأدراج، في غياب آليات متابعة فعالة تضمن تحويل الأفكار إلى سياسات أو مشاريع ملموسة، وهو ما يطرح سؤال الاستدامة، ومدى قدرة القائمين على هذا المنتدى على بناء جسور بين النقاش النظري والعمل الميداني، عبر إشراك المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني في تبني المبادرات التي قد تخرج من هذا اللقاء، بما يضمن لها فرص النجاح والاستمرارية، بعيدًا عن منطق المناسباتية الذي طالما طبع العمل الشبابي في العديد من الدول.

 

إعادة تعريف مفهوم السلام في السياق العربي

ومن زاوية أخرى، يفتح هذا المنتدى المجال أمام إعادة التفكير في مفهوم “السلام” نفسه، الذي لم يعد يقتصر على غياب النزاع المسلح، بل أصبح يشمل مجموعة من الشروط المرتبطة بالعدالة الاجتماعية، وفرص العمل، والمشاركة السياسية، وهي عناصر ترتبط بشكل مباشر بوضعية الشباب في المجتمعات العربية، حيث يواجه الكثير منهم تحديات تتعلق بالبطالة والتهميش وضعف التمثيل، وهو ما يجعل من إشراكهم في مثل هذه الفضاءات خطوة مهمة نحو إدماجهم في عملية صنع القرار، وتعزيز شعورهم بالانتماء والمسؤولية، وهي عوامل أساسية في بناء مجتمعات مستقرة وقادرة على مواجهة التحديات.

 

دلالات الشراكة وتمكين الشباب كقوة اقتراح

ولا يمكن إغفال البعد الرمزي لشعار المنتدى، الذي يضع الشباب في موقع “الشريك” لا “المستفيد”، وهو تحول دلالي يعكس تغييرًا في طريقة التفكير، حيث لم يعد يُنظر إلى الشباب كفئة تحتاج إلى التأهيل فقط، بل كقوة اقتراح وإبداع قادرة على تقديم حلول مبتكرة للتحديات القائمة، خاصة في ظل التحولات التكنولوجية التي أفرزت أشكالًا جديدة من التعبير والمشاركة، وهو ما يفرض على صناع القرار إعادة النظر في أدوات التواصل مع هذه الفئة، واعتماد مقاربات أكثر مرونة وانفتاحًا، تتيح استيعاب طاقاتها بدل تقييدها.

 

المنتدى كمسار لإعادة صياغة دور الشباب في المستقبل

وفي المحصلة، يبدو أن المنتدى العربي للشباب والسلام والأمن، الذي تحتضنه الجزائر، يشكل أكثر من مجرد حدث عابر، بل هو جزء من مسار أوسع يسعى إلى إعادة تعريف دور الشباب في المنطقة، في زمن لم يعد فيه المستقبل يُبنى بقرارات فوقية فقط، بل بتفاعل جماعي يشارك فيه مختلف الفاعلين، وفي مقدمتهم الشباب، الذين يمثلون في نهاية المطاف الرهان الحقيقي لأي مشروع يسعى إلى تحقيق السلام والتنمية في آن واحد، وهو ما يجعل من هذا الموعد فرصة ليس فقط لتبادل الأفكار، بل لإعادة صياغة العلاقة بين الأجيال الصاعدة وصناع القرار، في اتجاه شراكة حقيقية قد تكون مفتاحًا لفهم مستقبل المنطقة في السنوات القادمة .

 

Share this content:

إرسال التعليق