الاقتصادات العربية

أكبر الاقتصادات العربية في 2030.. السعودية في الصدارة ومصر والإمارات ترسمان مثلث الثقل الاقتصادي

تدخل الاقتصادات العربية النصف الثاني من العقد الحالي أمام مشهد اقتصادي مختلف عما كان عليه قبل سنوات قليلة، ليس فقط بسبب تغير أسعار الطاقة أو تداعيات التوترات الجيوسياسية، وإنما نتيجة إعادة صياغة واسعة لأولويات الاستثمار والإنتاج والتجارة في المنطقة. ويكشف ترتيب توقعات الناتج المحلي الإجمالي في عام 2030 عن استمرار الثقل الكبير لدول الخليج، بالتوازي مع بقاء مصر والجزائر والمغرب والعراق في قلب خريطة الاقتصاد العربي، مع تفاوت واضح في حجم الاقتصادات وفي قدرتها على تحويل مواردها الطبيعية والجغرافية والبشرية إلى نمو مستدام. وتُظهر البيانات المستخدمة في الإنفوجراف أن السعودية ستظل أكبر اقتصاد عربي في 2030 بناتج محلي اسمي يناهز 1.65 تريليون دولار، تليها الإمارات بنحو 770.2 مليار دولار، ثم مصر بنحو 611 مليار دولار، بينما يأتي العراق رابعًا والجزائر خامسًا.

كيف تُقرأ أرقام الناتج المحلي؟

ولا ينبغي قراءة هذه الأرقام على أنها نتيجة محتومة أو قياس مباشر لمستويات المعيشة؛ فهي تعكس الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية مقومًا بالدولار الأمريكي، وهو معيار يستخدم أساسًا لقياس الحجم الاقتصادي الاسمي ومقارنة الاقتصادات على المستوى الدولي. ولذلك فإن ترتيب دولة ما يمكن أن يتأثر بالنمو الحقيقي، والتضخم، وسعر الصرف، وتطور أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تغيرات الإنتاج والاستثمار. كما أن الحديث عن عام 2030 يعني التعامل مع توقعات اقتصادية وليست حصيلة محققة، وهو ما يجعل أي مقارنة جادة مرتبطة بضرورة متابعة تحديثات قواعد البيانات كلما تغيرت الافتراضات الاقتصادية والمالية.

السعودية والإمارات ومصر في قلب الثقل الاقتصادي

واللافت سياسيًا واقتصاديًا هو أن الدول الثلاث الأولى تستحوذ، وفق الأرقام الواردة في القائمة، على نحو 3.03 تريليون دولار من أصل 4.907 تريليون دولار تمثل مجموع الاقتصادات العربية الخمسة عشر الواردة فيها، أي ما يقرب من 61.8%. وهذه النسبة تكشف أن الوزن الاقتصادي العربي سيظل متركزًا بدرجة كبيرة في عدد محدود من الدول، حتى مع صعود اقتصادات أخرى في شمال أفريقيا والمشرق والخليج. وبعبارة أخرى، فإن خريطة القوة الاقتصادية العربية في 2030 لن تكون موزعة بالتساوي، بل ستظل محكومة بقوة الحجم السعودي، والدور الإماراتي، والكتلة السكانية والسوقية المصرية.

السعودية.. الاقتصاد العربي الأكبر

في القمة تأتي السعودية بفارق واسع عن بقية الاقتصادات العربية، عند مستوى 1.65 تريليون دولار، وهو رقم يضعها في المركز التاسع عشر عالميًا ضمن بيانات التوقعات المستخدمة في هذه المقارنة. والأهم من الرقم ذاته أن المملكة تخوض منذ سنوات تحولا اقتصاديا وهيكليا واسع النطاق تحت مظلة «رؤية 2030»، يستهدف رفع مساهمة الأنشطة غير النفطية، وزيادة دور القطاع الخاص، وتطوير السياحة والخدمات واللوجستيات والتقنية والصناعة، إلى جانب توسيع قاعدة الاستثمار. وقد أشارت تقييمات حديثة إلى أن الإصلاحات منذ 2016 ساعدت بالفعل في تحسين بيئة الأعمال والحوكمة وأسواق رأس المال وسوق العمل والقطاع الخارجي، وهو ما يمنح المملكة قاعدة أكثر تنوعًا مما كانت عليه في مراحل سابقة.

النفط يظل عاملًا حاسمًا في الاقتصاد السعودي

لكن حجم الاقتصاد السعودي لا يزال مرتبطًا بدرجة كبيرة بقطاع الطاقة، وهذه الحقيقة ستظل عنصرًا حاسمًا في قراءة المستقبل. فحتى مع توسع القطاعات غير النفطية، تبقى أسعار النفط والإنتاج العالمي والتوازنات داخل سوق الطاقة عوامل قادرة على التأثير في الإيرادات الحكومية وفي الإنفاق والاستثمار. وفي عام 2026، أظهر الاقتصاد السعودي قدرة ملحوظة على امتصاص صدمات إقليمية حادة، مدعومًا بقوة أساسياته وبنية لوجستية أكثر تنوعًا وشبكة بنية تحتية تساعد على إعادة توجيه صادرات الطاقة. وفي الوقت نفسه، شدد التقييم الدولي على أن الاستمرار في ضبط المالية العامة وتنفيذ إصلاحات «رؤية 2030» سيظلان ضروريين للحفاظ على النمو وتنويع الاقتصاد.

الإمارات.. نموذج اقتصادي أكثر تنوعًا

وتأتي الإمارات في المركز الثاني عربيًا بنحو 770.2 مليار دولار، وهو موقع يعكس نموذجًا اقتصاديًا مختلفًا نسبيًا عن الاقتصادات النفطية التقليدية. فعلى الرغم من أهمية الهيدروكربونات، أصبحت قطاعات السياحة والعقارات والخدمات والتمويل والتجارة والطيران والنقل والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا جزءًا أساسيًا من المحرك الاقتصادي. وتظهر التقييمات الدولية أن قوة النمو غير النفطي في الإمارات ارتبطت بتدفقات الاستثمار الأجنبي والإصلاحات التنظيمية والاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية والتكنولوجيا، إلى جانب صعود الدولة كمركز متنامٍ في مجالات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية.

المنافسة الخليجية تنتقل إلى الاستثمار والتكنولوجيا

وهنا تظهر واحدة من أهم التحولات في الخليج: المنافسة لم تعد تدور فقط حول حجم إنتاج النفط والغاز، وإنما حول من يمتلك القدرة على بناء مركز أعمال وخدمات عالمي يستقطب رؤوس الأموال والشركات والمواهب. الإمارات قطعت شوطًا متقدمًا في هذا المسار، لكن السنوات المقبلة ستختبر قدرتها على الحفاظ على النمو في ظل تقلبات الأسواق العالمية، ومخاطر القطاع العقاري، وتغير حركة التجارة الدولية، والتوترات الجيوسياسية. وحتى التقييمات المتفائلة تشير إلى أن تعميق التكامل التجاري، والاستثمار في التكنولوجيا ورأس المال البشري، ومواصلة التنويع ستظل عناصر أساسية للحفاظ على متانة الاقتصاد.

مصر.. قوة السوق والسكان وتنوع القطاعات

أما مصر، صاحبة المركز الثالث عربيًا بنحو 611 مليار دولار، فتمثل حالة مختلفة من حيث طبيعة الاقتصاد والحجم السكاني واتساع السوق المحلية. فالقوة المصرية لا تستند إلى مورد واحد، وإنما إلى مزيج من قطاعات الصناعة والخدمات والزراعة والسياحة والطاقة والنقل وقناة السويس والتحويلات والاستثمار، فضلًا عن قاعدة بشرية وسوق استهلاكية ضخمة. غير أن السنوات الأخيرة كشفت في الوقت نفسه عن حجم الضغوط التي يواجهها الاقتصاد، خصوصًا فيما يتعلق بالعملة الأجنبية والتضخم والدين والتمويل الخارجي وتكلفة الواردات. ومع ذلك، أظهر الاقتصاد قدرة على الصمود، واستمر برنامج الإصلاح الاقتصادي في التركيز على مرونة سعر الصرف والضبط المالي وتقليص دور الدولة التدريجي في بعض الأنشطة وفتح مجال أكبر أمام القطاع الخاص.

مصر بين الخليج وشمال أفريقيا والبحر المتوسط

والرقم المصري المتوقع لعام 2030 يكتسب أهمية إضافية لأنه لا يضع مصر فقط كأكبر اقتصاد عربي في أفريقيا ضمن هذه المقارنة بعد السعودية والإمارات، بل يضعها أيضًا في موقع يمكن أن يجعلها نقطة ارتكاز بين الخليج وشمال أفريقيا والبحر المتوسط. وتبقى الرهان الحقيقي بالنسبة للقاهرة هو تحويل الحجم السكاني والسوق الواسعة إلى نمو نوعي أكثر استدامة، عبر رفع إنتاجية الاقتصاد وزيادة الصادرات وجذب استثمارات طويلة الأجل وتحسين بيئة الأعمال، بدل الاعتماد المتكرر على التدفقات التمويلية لمعالجة اختلالات قصيرة الأجل. ويكتسب هذا التحدي أهمية مضاعفة في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والتمويل وتأثير الاضطرابات الإقليمية في التجارة والاستثمار.

العراق في المركز الرابع

بعد الدول الثلاث الكبرى، يقف العراق في المرتبة الرابعة بنحو 339.8 مليار دولار، متقدمًا على الجزائر بفارق محدود نسبيًا، وهو موقع لافت بالنظر إلى طبيعة الاقتصاد العراقي واعتماده الكبير على النفط. فالاقتصاد يمتلك إمكانات هائلة مرتبطة بالموارد الطبيعية وبالحاجة الواسعة إلى إعادة الإعمار وتحديث البنية التحتية وتطوير الطاقة والخدمات، لكن هذه الإمكانات لا تعني تلقائيًا تحولًا اقتصاديًا متوازنًا. وتشير التقييمات المالية إلى أن الاعتماد على الإيرادات النفطية ما زال يمثل نقطة ضعف رئيسية، وأن ارتفاع سعر النفط اللازم لمعادلة الموازنة خلال السنوات الأخيرة يعكس حساسية مالية واضحة تجاه تقلبات الأسواق العالمية.

تحديات الاقتصاد العراقي

ولهذا فإن وصول العراق إلى المركز الرابع في حجم الناتج لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره انتصارًا نهائيًا لنموذج اقتصادي مكتمل، بقدر ما هو انعكاس لمزيج بين الوزن النفطي الكبير والإمكانات المستقبلية المرتبطة بالاستثمار وإعادة البناء. وفي حال تمكن بغداد من توسيع الإيرادات غير النفطية وإصلاح القطاع المالي وتحسين بيئة الأعمال وتحويل جزء أكبر من الإنفاق العام إلى استثمارات منتجة، فإن الاقتصاد العراقي يمتلك مساحة كبيرة لرفع وزنه الإقليمي. أما استمرار الاعتماد المفرط على النفط مع ارتفاع النفقات العامة، فيبقي هذا الوزن معرضًا لتقلبات حادة من دورة إلى أخرى.

9-2 أكبر الاقتصادات العربية في 2030.. السعودية في الصدارة ومصر والإمارات ترسمان مثلث الثقل الاقتصادي

الجزائر تقترب من العراق

في المرتبة الخامسة تأتي الجزائر عند 325.4 مليار دولار، بفارق ضئيل عن العراق، وهو ما يجعل السباق بين الاقتصادين مفتوحًا من حيث الوزن الاسمي. وتبرز الجزائر هنا باعتبارها واحدة من أكبر الاقتصادات العربية والأفريقية في آن واحد، مستفيدة من قاعدة سكانية كبيرة وموارد هيدروكربونية ضخمة وموقع جغرافي استراتيجي وامتداد متوسطي يسمح لها بالاقتراب أكثر من أسواق أوروبا وأفريقيا. وقد سجل الاقتصاد الجزائري خلال 2025 نموًا قويًا نسبيًا، مدفوعًا بالاستثمار، في وقت ظل فيه نمو قطاع المحروقات أكثر تواضعًا، بينما واصلت السلطات الدفع نحو تنويع الاقتصاد وتحسين بيئة الأعمال.

تحدي التنويع في الاقتصاد الجزائري

لكن التحدي الجزائري، شأنه شأن عدد من اقتصادات المنطقة، يتمثل في الانتقال من مجرد امتلاك موارد طبيعية إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على خلق قيمة مضافة خارج قطاع الطاقة. والتقييمات الأخيرة أشارت بوضوح إلى استمرار مخاطر مرتبطة بتقلب أسعار المحروقات، واتساع العجز المالي، والضغط على الاحتياطيات، والحاجة إلى إصلاحات تدعم الاستثمار الخاص وتقلل الارتباط المفرط بين الدولة والمؤسسات العمومية والقطاع المصرفي. وفي المقابل، فإن جهود التنويع وتحسين البيئة التنظيمية والخروج من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي تمثل فرصًا يمكن البناء عليها لتعزيز الجاذبية الاستثمارية للجزائر.

قطر والوزن المتواصل لاقتصادات الغاز

أما قطر، فتحتفظ بالمركز السادس عند 288.9 مليار دولار، لتؤكد استمرار الوزن الكبير لاقتصادات الغاز في الخريطة العربية. وتملك الدوحة أحد أهم مراكز إنتاج الغاز الطبيعي المسال عالميًا، ما يمنحها قدرة مالية واستثمارية كبيرة، لكن قطاع الطاقة نفسه يجعلها أيضًا شديدة الحساسية للأزمات الجيوسياسية ومسارات النقل العالمية. وقد أظهر عام 2026 بصورة قاسية مدى هذا الارتباط، مع اضطرابات كبيرة في حركة شحن الغاز عبر المنطقة، ما انعكس على الصادرات والإمدادات والأسواق الأوروبية والآسيوية.

رهانات قطر لما بعد الطاقة

وفي المقابل، فإن قطر تراهن على استمرار توسعة قدراتها في الغاز الطبيعي المسال، وعلى توظيف العوائد في البنية التحتية والاستثمارات العالمية وتنويع الاقتصاد. ولذلك فإن المعادلة القطرية خلال السنوات المقبلة ستكون مرتبطة بقدرتها على استخدام الطفرة في الغاز بوصفها منصة لبناء قطاعات أكثر تنوعًا، وليس كغاية اقتصادية نهائية. وتظل أهمية هذا التحول أكبر في ظل تسارع استثمارات العالم في الطاقة المتجددة واحتمالات تغير مزيج الطاقة على المدى الطويل.

المغرب ونموذج التنويع الاقتصادي

ويأتي المغرب في المركز السابع عند 263.2 مليار دولار، وهي نتيجة تعكس صعود نموذج اقتصادي مغاربي يقوم بدرجة أكبر على تنوع القطاعات مقارنة بالاقتصادات التي تعتمد على النفط والغاز. ويستند الاقتصاد المغربي إلى الصناعة والسياحة والزراعة والخدمات والطاقة المتجددة وسلاسل التوريد الأوروبية، مع استفادة واضحة من الاستثمارات في البنية التحتية والمشروعات الكبرى. وتشير التقييمات الأخيرة إلى استمرار زخم النمو مدعومًا بالاستثمار العام والخاص والإنتاج الزراعي، مع توجه لزيادة الاستثمار في البنية التحتية ورفع القدرة على خلق الوظائف.

نقاط القوة والتحديات المغربية

وتكمن أهمية المغرب في هذا الترتيب في أن تجربته تعطي مثالًا على إمكانية بناء اقتصاد عربي كبير من دون الاعتماد على صادرات النفط والغاز بوصفها المحرك الرئيسي. غير أن الطريق ليس خاليًا من التحديات، إذ يظل الاقتصاد المغربي حساسًا للظروف المناخية، وخاصة أداء القطاع الزراعي، كما أن ارتفاع الاستثمار العام يفرض الحاجة إلى إدارة مالية دقيقة وضمان توجيه الإنفاق نحو القطاعات القادرة على زيادة الإنتاجية والتشغيل. ولهذا يركز التقييم الاقتصادي على ضرورة تنمية رأس المال البشري وتوسيع دور القطاع الخاص وتحسين سوق العمل بالتوازي مع الاستثمارات الكبرى.

الكويت أمام اختبار التنويع

الكويت، التي تحل ثامنة عند 192.4 مليار دولار، تقف هي الأخرى أمام اختبار التحول من اقتصاد نفطي ريعي إلى اقتصاد أكثر تنوعًا. وتمتلك البلاد احتياطيات مالية ضخمة وهوامش أمان مهمة، لكن قوة المركز المالي لا تلغي الحاجة إلى إصلاحات بنيوية تتعلق بالإيرادات غير النفطية، وأجور القطاع العام، ودعم الطاقة، وسوق العمل وبيئة الأعمال. وتكشف التقييمات الحديثة عن تقدم في مسار الإصلاح، لكنه يحتاج إلى حزمة أكثر تكاملًا وتسلسلًا حتى تتحول الاستثمارات العامة إلى نمو مستدام لا يعتمد بصورة أساسية على دورة أسعار النفط.

سلطنة عُمان ورؤية 2040

وفي المركز التاسع تأتي سلطنة عُمان عند 134.1 مليار دولار، في وقت تحاول فيه مسقط ترسيخ مسار «رؤية عُمان 2040» عبر تعزيز الأنشطة غير الهيدروكربونية والاستثمار في قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى. وقد أظهرت المؤشرات استمرار قدرة الاقتصاد على تحمل الصدمات مع تحسن المراكز المالية والخارجية، لكن التحدي المعلن يتمثل في تسريع التنويع والانتقال من الأنشطة منخفضة القيمة نسبيًا إلى القطاعات التصديرية القادرة على خلق وظائف وإيرادات أجنبية. وتوفر خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة الممتدة من 2026 إلى 2030 إطارًا إضافيًا لهذا التحول.

بقية الاقتصادات العربية في القائمة

وفي بقية القائمة، يظهر الأردن عند 80.1 مليار دولار، ثم السودان عند 62.6 مليارًا، فتونس عند 61.6 مليارًا، والبحرين عند 58.2 مليارًا، وليبيا عند 49.8 مليارًا، وأخيرًا الصومال عند 19.9 مليار دولار. وهذه المجموعة تعكس اتساع الفوارق داخل العالم العربي، ليس فقط في الموارد الطبيعية، وإنما أيضًا في الاستقرار السياسي، وحجم السكان، والقدرة على جذب الاستثمارات، وقوة المؤسسات، والبنية التحتية، ودرجة الاندماج في الاقتصاد العالمي. وتبرز تونس، مثلًا، عند نحو 61.6 مليار دولار في 2030 ضمن التقديرات الاسمية، بينما تبقى اقتصادات أخرى مثل ليبيا والسودان شديدة الحساسية للتقلبات السياسية والأمنية ولقدرتها على استعادة الإنتاج وتهيئة بيئة مستقرة للاستثمار.

التحول في مفهوم القوة الاقتصادية العربية

ومن الزاوية السياسية، فإن هذه الخريطة الاقتصادية تحمل دلالات أبعد من مجرد ترتيب بالأرقام. فهي تكشف استمرار انتقال مركز الثقل العربي تدريجيًا من مفهوم «اقتصاد النفط» إلى مفهوم «اقتصاد الاستثمار والتنويع»، لكن بدرجات متفاوتة بين دولة وأخرى. فالسعودية تستخدم حجمها المالي والنفطي لإطلاق استثمارات ضخمة في قطاعات جديدة، والإمارات تراهن على التجارة والخدمات والتكنولوجيا والتمويل، والمغرب يركز على الصناعة والبنية التحتية والطاقة والسلاسل الإنتاجية، فيما تحاول مصر توظيف حجم السوق والموقع الجغرافي والصناعة والخدمات للخروج من دورات الاختناق المالي. أما الدول التي ما زالت تعتمد بشكل كثيف على مصدر واحد للدخل، فستواجه ضغطًا متزايدًا لتوسيع قاعدة اقتصادها.

الجغرافيا السياسية وتأثيرها على الاقتصاد

والعامل الآخر الذي لا يمكن تجاهله هو الجغرافيا السياسية. فالأزمات التي شهدتها المنطقة خلال 2026 أثبتت مجددًا أن الاقتصاد العربي ليس منفصلًا عن طرق التجارة والطاقة العالمية. اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مثلًا، انعكس سريعًا على اقتصادات الخليج وأسواق النفط والغاز والشحن والسياحة، ودفع دولًا خليجية إلى تسريع التفكير في خطوط بديلة وموانئ إضافية وشبكات لوجستية أكثر قدرة على التعامل مع الصدمات. وهذا يعني أن البنية التحتية والجغرافيا الاقتصادية باتتا جزءًا من الأمن القومي والقدرة التنافسية للدول، وليس مجرد ملفات تنموية تقليدية.

الموانئ واللوجستيات في اقتصاد 2030

وهنا تحديدًا يمكن فهم سبب أهمية الموانئ والطرق والسكك الحديدية ومراكز الخدمات اللوجستية الجديدة في الخليج وشمال أفريقيا. فاقتصاد 2030 لن يقاس فقط بما تنتجه الدول من النفط أو الغاز أو السلع، وإنما بقدرتها على تحريك تلك المنتجات، وتأمين سلاسل الإمداد، وجذب المصانع والشركات، وربط الأسواق الإقليمية بالقارات الأخرى. ومن هذه الزاوية، فإن المنافسة المقبلة بين الاقتصادات العربية قد تكون منافسة على «الموقع الاقتصادي» بقدر ما هي منافسة على الناتج المحلي نفسه.

الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي

كما أن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والتحول الرقمي يتجهان إلى أن يصبحا عنصرين أكثر حضورًا في رسم ملامح اقتصاد المنطقة خلال السنوات المقبلة. فالإمارات تستثمر بصورة مباشرة في البنية الرقمية والذكاء الاصطناعي، والسعودية تدفع نحو توسيع الاقتصاد الرقمي والصناعات الجديدة، فيما تتزايد الحاجة في الاقتصادات الأكبر من حيث السكان، وفي مقدمتها مصر والجزائر والمغرب، إلى تحويل التحول الرقمي من مجرد تحديث للخدمات إلى قطاع إنتاجي قادر على التصدير وخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة. وهذه المسألة قد تكون حاسمة في تحديد أي الاقتصادات سيكون قادرًا على تحويل النمو الكمي إلى قوة اقتصادية نوعية.

أرقام 2030 ليست نتيجة محسومة

ومع ذلك، فإن الرقم النهائي لناتج 2030 ليس قدرًا اقتصاديًا مكتوبًا سلفًا. فقد تتغير الأسعار العالمية، وأسعار الصرف، ومستويات التضخم، والاستثمارات، والنفقات الحكومية، والسياسات التجارية، كما يمكن للأزمات السياسية والأمنية أن تغير مسارات النمو في غضون شهور. وقد أظهرت تحديثات 2026 نفسها إلى أي مدى يمكن للحرب والاضطرابات في أسواق الطاقة والنقل أن تدفع المؤسسات الدولية إلى تعديل توقعاتها بصورة كبيرة لدول المنطقة وفي مقدمتها العراق وقطر والكويت والسعودية. لذلك فإن أفضل قراءة لهذه الأرقام هي باعتبارها «خريطة اتجاه» للوزن الاقتصادي المحتمل، وليست حكمًا نهائيًا على شكل الاقتصاد العربي بعد أربع سنوات.

خريطة القوة الاقتصادية العربية في 2030

وفي المحصلة، تبدو خريطة 2030 العربية واضحة في اتجاهاتها الكبرى: السعودية تظل في موقع القيادة بفارق مريح، والإمارات تواصل ترسيخ نموذج اقتصادي شديد الانفتاح، ومصر تحافظ على موقعها كقوة سوقية وسكانية وصناعية كبرى، بينما يقترب العراق والجزائر من كتلة اقتصادية جديدة تقف خلف الدول الثلاث الأولى. وفي الصف التالي يثبت المغرب حضوره كواحد من أهم الاقتصادات العربية المتنوعة، فيما تتحرك قطر والكويت وعُمان في اتجاه إعادة تعريف العلاقة بين عوائد الطاقة وبين مستقبل ما بعد النفط والغاز.

نوعية النمو هي الرهان الحقيقي

والرسالة الأهم التي تحملها هذه الخريطة ليست أن دولة ما ستصبح «الأغنى»، وإنما أن الصراع الحقيقي في العقد المقبل سيكون حول نوعية النمو. فاقتصاد يبلغ تريليونات الدولارات يمكن أن يظل هشًا إذا بقي أسير مصدر واحد للإيرادات، بينما يستطيع اقتصاد أصغر بكثير أن يضاعف تأثيره الإقليمي إذا نجح في بناء صناعة تنافسية، وخدمات مالية وتقنية متقدمة، وبنية تحتية فعالة، وقطاع خاص منتج، ورأس مال بشري قادر على مواكبة الاقتصاد العالمي. وبذلك، فإن ترتيب 2030 يقدم صورة للحجم، لكن المنافسة السياسية والاقتصادية الحقيقية ستدور حول ما وراء هذا الحجم: من يملك اقتصادًا أكثر تنوعًا، وأكثر إنتاجية، وأكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات، وأكثر اتصالًا بمراكز التجارة والتكنولوجيا والاستثمار في العالم.

 

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق