السلام في إفريقيا

الاتحاد الإفريقي يدفع نحو إصلاحات عاجلة لتعزيز السلام في القارة

تتجه أنظار القارة الإفريقية إلى العاصمة الأنغولية لواندا، حيث تنعقد الدورة الاستثنائية السادسة والعشرون للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي، المخصصة لتعزيز آليات منع النزاعات وحلها في إفريقيا، في اجتماع يسعى إلى إجراء تقييم استراتيجي لمدى فعالية الأدوات والآليات القارية القائمة في مواجهة التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الأمني والسياسي في القارة.

وخلال كلمته الرئيسية في أشغال الدورة، حذّر رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، من تزايد تعقيد بيئة السلام والأمن في إفريقيا، في ظل اتساع نطاق التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات الإفريقية، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تفرض مراجعة آليات العمل القاري وتعزيز قدرة المؤسسات الإفريقية على الوقاية من الأزمات والتعامل معها قبل تفاقمها.

ويأتي هذا النقاش تحت قيادة رئيس جمهورية أنغولا، جواو مانويل غونسالفيس لورينسو، بصفته رائد الاتحاد الإفريقي للسلام والمصالحة في إفريقيا، على أن تسبق اجتماعات المجلس التنفيذي القمة المقررة غدًا، بما يتيح لرؤساء الدول والحكومات إجراء تقييم سياسي واستراتيجي للآليات القارية المعتمدة في مجال منع النزاعات وتسويتها.

الإرهاب والتطرف والأزمات الداخلية أبرز التحديات

وأوضح رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي أن بيئة السلام والأمن في القارة تواجه تحديات متزايدة التعقيد، تبدأ من توسع الإرهاب والتطرف العنيف، ولا تنتهي عند الأزمات الداخلية والتوترات بين الدول والصدمات الخارجية التي يمكن أن تؤثر في استقرار الدول والمناطق الإفريقية.

وتضع هذه التحديات الدول الإفريقية أمام أسئلة جوهرية بشأن مدى قدرة الأدوات الحالية على التعامل مع طبيعة الأزمات الجديدة، ومدى ملاءمة هيكل السلم والأمن الإفريقي للظروف المتغيرة التي تعيشها القارة.

وفي هذا السياق، طرح محمود علي يوسف تساؤلًا مباشرًا حول ما إذا كانت إفريقيا مجهزة فعلًا لمواجهة هذه التحديات بالاستراتيجيات والآليات والموارد المتاحة حاليًا، وما إذا كان هيكل السلم والأمن الإفريقي متكيفًا بما يكفي مع طبيعة الظروف الراهنة.

وأكد أن الإجابة السلبية عن هذه التساؤلات تعني ضرورة التحرك بصورة عاجلة نحو تنفيذ إصلاحات حقيقية، قادرة على سد الثغرات وتعزيز فعالية الاستجابة الإفريقية للأزمات.

تعزيز الوقاية والإنذار المبكر

وشدد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي على ضرورة تعزيز آليات الوقاية من النزاعات ونظم الإنذار المبكر، مع إعطاء أهمية أكبر للتحرك السياسي في المراحل الأولى للأزمات.

وبحسب الطرح الذي قدمه، فإن التعامل مع بوادر الأزمات منذ بدايتها يتطلب انخراطًا سياسيًا رفيع المستوى في أقرب وقت ممكن، بدل انتظار تحول التوترات إلى نزاعات واسعة يصعب احتواؤها لاحقًا.

ويعكس هذا التوجه أهمية الانتقال من إدارة الأزمات بعد اندلاعها إلى اعتماد مقاربة استباقية تستند إلى الرصد المبكر والتحليل السياسي والتحرك الدبلوماسي، بما يمكن المؤسسات الإفريقية من التدخل في الوقت المناسب للحد من احتمالات التصعيد.

ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول الإفريقية التي تواجه تحديات أمنية وتنموية متداخلة، إذ إن الوقاية من النزاعات تساعد أيضًا على حماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتقليل التداعيات التي يمكن أن تنتج عن الأزمات الممتدة.

تنسيق أكبر بين مؤسسات الاتحاد الإفريقي

ومن بين الإصلاحات التي دعا إليها رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي تعزيز التنسيق بين مختلف الأطراف الفاعلة في منظومة السلم والأمن القارية.

وتشمل هذه الأطراف مفوضية الاتحاد الإفريقي، ومجلس السلم والأمن، والدول الأعضاء، إضافة إلى التجمعات الاقتصادية الإقليمية.

ويرى الاتحاد الإفريقي أن رفع مستوى التنسيق بين هذه المؤسسات والجهات يمكن أن يساهم في تحسين الاستجابة للأزمات وتجنب ازدواجية الجهود، فضلًا عن ضمان انتقال المعلومات والتقييمات السياسية والأمنية بصورة أكثر كفاءة.

كما أن تعزيز التنسيق الإقليمي والقاري يسمح بمواءمة المبادرات المختلفة، والاستفادة من القدرات والخبرات المتوفرة على المستويين الوطني والإقليمي، بدل التعامل مع كل أزمة بصورة منفصلة عن السياق القاري الأوسع.

7-2 الاتحاد الإفريقي يدفع نحو إصلاحات عاجلة لتعزيز السلام في القارة

مواجهة الإرهاب تتطلب مقاربة شاملة

وفي ما يتعلق بالإرهاب والتطرف العنيف، دعا محمود علي يوسف إلى اعتماد مقاربة شاملة لمكافحة هذه الظاهرة، محذرًا من محدودية الاكتفاء بالاستجابة الأمنية وحدها.

وأكد أن التجربة أظهرت أن الحلول القائمة بصورة خالصة على الأدوات الأمنية لها حدودها، ما يستدعي معالجة أوسع للأسباب والعوامل التي تساهم في انتشار الإرهاب والتطرف العنيف.

وتتطلب هذه المقاربة، وفق التصور المطروح، الجمع بين الإجراءات الأمنية والجهود السياسية والتنموية والاجتماعية، بما يسمح بمعالجة التحديات بصورة أكثر شمولًا واستدامة.

ويمثل هذا الطرح أهمية بالنسبة إلى مختلف الدول الإفريقية، بما فيها دول شمال إفريقيا، بالنظر إلى أن التحولات الأمنية في منطقة الساحل ومناطق أخرى من القارة يمكن أن تكون لها تداعيات مباشرة وغير مباشرة على الأمن الإقليمي وحركة التجارة والاستثمار والاستقرار الاقتصادي.

رفض التغييرات غير الدستورية مع الحفاظ على الحوار

وشدد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي كذلك على أن الحزم في مواجهة التغييرات غير الدستورية للحكومات يجب أن يظل مبدأ أساسيًا في عمل الاتحاد.

غير أنه أكد في الوقت نفسه ضرورة أن يترافق هذا الحزم مع الحوار، بما يتيح معالجة الأزمات السياسية من خلال أدوات سياسية ودبلوماسية إلى جانب الالتزام بالمبادئ الدستورية والقارية.

وتعكس هذه المقاربة محاولة تحقيق توازن بين حماية المبادئ التي يقوم عليها الاتحاد الإفريقي وبين توفير مساحة للحوار السياسي باعتباره وسيلة أساسية لمنع تصاعد الخلافات وتحولها إلى أزمات أكثر تعقيدًا.

تمويل السلام الإفريقي بعيدًا عن الاعتماد الخارجي

وفي محور آخر من كلمته، ركز محمود علي يوسف على مسألة تمويل أجندة السلام في إفريقيا، معتبرًا أن تحقيق هدف إسكات البنادق بحلول عام 2030 لا يمكن أن يستمر في الاعتماد بصورة أساسية على الموارد الخارجية.

ودعا في هذا السياق إلى تعزيز صندوق السلام التابع للاتحاد الإفريقي، بما يرفع قدرة القارة على تمويل عملياتها ومبادراتها الخاصة بالسلام والأمن.

كما دعا إلى تجديد الدعم للقرار 2719 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز قدرة الاتحاد الإفريقي على القيام بدور أكبر في إدارة الأزمات وحفظ السلام في القارة.

وتحمل مسألة التمويل أهمية استراتيجية، إذ إن امتلاك المؤسسات الإفريقية لموارد مالية مستدامة يمنحها قدرة أكبر على التخطيط والاستجابة، ويقلل من تأثير القيود المرتبطة بالاعتماد المفرط على مصادر التمويل الخارجية.

الإرادة السياسية مفتاح التحرك الإفريقي

وأكد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي أن الإرادة السياسية تظل حجر الأساس في الجهود الجماعية للقارة لمواجهة تحديات السلام والأمن.

ولا تقتصر الإصلاحات المطلوبة على تعديل الآليات والهياكل، وإنما تحتاج كذلك إلى التزام سياسي من الدول الأعضاء بتنفيذ القرارات والاتفاقات القارية، ودعم المؤسسات المختصة ومنحها الأدوات اللازمة للقيام بمهامها.

ويرتبط نجاح أي منظومة قارية للوقاية من النزاعات وحلها بمدى استعداد الدول الإفريقية للعمل بصورة جماعية، وتبادل المعلومات، واحترام المبادئ المشتركة، والاستجابة للأزمات وفق رؤية موحدة تراعي خصوصية كل منطقة دون التخلي عن الإطار القاري العام.

خمسة محاور لتطوير منظومة السلام

وفي ختام رؤيته، حدد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي مجموعة من المبادئ التي ينبغي أن توجه المرحلة المقبلة، وتتمثل في الوقاية، والتنسيق، والتمويل المستدام، والمساءلة، والرصد والتقييم الفعالين.

ويعني ذلك أن الإصلاح المطلوب لا ينبغي أن يركز على الاستجابة العسكرية أو الأمنية فقط، وإنما يجب أن يشمل دورة متكاملة تبدأ باكتشاف بوادر الأزمة والوقاية منها، مرورًا بالتدخل السياسي والدبلوماسي، وصولًا إلى متابعة نتائج الإجراءات المتخذة وتقييم فعاليتها.

كما تمثل المساءلة والرصد والتقييم عناصر ضرورية لضمان أن القرارات والسياسات لا تبقى في إطار التعهدات، وإنما تتحول إلى إجراءات قابلة للقياس والمتابعة.

يقظة أكبر في مواجهة التحولات الجيوسياسية

ودعا رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي إلى تعزيز اليقظة والتضامن والاستعداد، في وقت تواجه فيه القارة بيئة جيوسياسية أكثر اضطرابًا وتعقيدًا.

وتفرض التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة على الدول الإفريقية تطوير قدرتها على قراءة المتغيرات والتعامل معها بصورة جماعية، خصوصًا أن التداعيات الأمنية والسياسية والاقتصادية للأزمات يمكن أن تتجاوز حدود الدول والمناطق التي تنشأ فيها.

ومن منظور الدول الإفريقية، فإن تعزيز الاستقرار لا يرتبط فقط بالأمن، وإنما يمتد إلى حماية الاقتصادات الوطنية، وتشجيع الاستثمار، وتأمين طرق التجارة، ودعم التنمية، وحماية المجتمعات من تداعيات النزاعات والإرهاب والتطرف.

تأكيد الملكية الإفريقية لأجندة السلام

ومن المقرر أن يوفر اجتماع المجلس التنفيذي، الذي يسبق قمة رؤساء الدول والحكومات، فرصة لإجراء تقييم استراتيجي لمدى فعالية الآليات القارية القائمة في مجال منع النزاعات وحلها.

كما سيؤكد الاجتماع مبدأ الملكية الإفريقية لأجندتي الحوكمة والسلام والأمن، إلى جانب التشديد على أهمية الالتزام بالمبادئ والأحكام المنصوص عليها في القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي.

ويعكس ذلك رغبة واضحة في تعزيز قدرة القارة على إدارة قضاياها بنفسها، وتطوير أدواتها ومؤسساتها بما يتناسب مع طبيعة التحديات التي تواجهها، مع الحفاظ على التعاون الدولي عندما يكون ضروريًا لدعم الجهود الإفريقية.

 

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق