الصحة النفسية

اليوم العالمي للصحة النفسية.. معركة الإنسان الصامتة من البيت إلى السياسات العامة

ليست الصحة النفسية ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد الأزمات، ولا ملفاً اجتماعياً هامشياً يُستحضر في المناسبات ثم يعود إلى الظل، بل أصبحت إحدى القضايا التي تكشف قدرة المجتمعات على حماية الإنسان، ومدى استعداد الحكومات لتحويل الحق في الصحة إلى خدمات فعلية تصل إلى من يحتاجون إليها. ففي عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وتتداخل فيه الحروب والنزوح والضغوط المعيشية والتغيرات التي أصابت أنماط العمل والعلاقات الاجتماعية، لم تعد معاناة الإنسان النفسية شأناً فردياً محضاً؛ إذ تتقاطع مع التعليم والعمل والسكن والاستقرار الأسري، كما تتأثر بمدى توافر الرعاية الصحية وإمكانية الوصول إليها من دون وصم أو تمييز أو أعباء مالية لا تستطيع الأسر تحملها.

ويأتي اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يُحتفى به في العاشر من أكتوبر من كل عام، ليعيد طرح سؤال جوهري يتجاوز الشعارات التوعوية: كيف يمكن بناء مجتمعات لا تكتفي بمطالبة الأفراد بالصمود، بل توفر لهم الظروف والخدمات التي تساعدهم على العيش بكرامة، وطلب المساندة عند الحاجة، والتعافي من الأزمات؟ إن قيمة هذه المناسبة لا تكمن في عدد المنشورات والحملات التي ترافقها فحسب، بل في قدرتها على دفع المؤسسات إلى مراجعة السياسات، وتوسيع خدمات الوقاية والعلاج، وإزالة الحواجز التي تجعل الحديث عن المعاناة النفسية أمراً صعباً في كثير من البيئات.

المصادر: منظمة الصحة العالمية، صفحة اليوم العالمي للصحة النفسية؛ الأمم المتحدة، المواد التعريفية المتعلقة بالصحة النفسية وحقوق الإنسان.

شعار 2026: الاستماع إلى التجارب الحقيقية من أجل تغيير ملموس

يحمل اليوم العالمي للصحة النفسية لعام 2026 رسالة تتجاوز التوعية العامة، عنوانها الاستماع إلى أصوات الأشخاص الذين عاشوا تجارب اضطرابات الصحة النفسية، وإشراكهم بصورة حقيقية في صياغة السياسات وتصميم الخدمات وتقييم نتائجها. فالمريض أو الشخص الذي مرّ بتجربة نفسية قاسية ليس مجرد مستفيد من نظام الرعاية، بل يمتلك معرفة عملية بتفاصيل قد لا تظهر في التقارير الإدارية أو الدراسات وحدها: كيف يتعامل المجتمع مع معاناته، وما الذي يمنعه من طلب المساعدة، وأي الخدمات يجدها مفيدة، وأين يواجه الإهمال أو التمييز أو صعوبة الوصول إلى العلاج. ومن هنا، فإن الاستماع لا يعني الاكتفاء بسرد التجارب في الندوات، وإنما تحويلها إلى مشاركة فعلية في القرارات التي تؤثر في حياة أصحابها.

وتكشف البيانات الدولية عن فجوة بين الاعتراف بأهمية الصحة النفسية وبين منح أصحاب التجارب دوراً مؤثراً في إدارة خدماتها. فوفق بيانات وردت في حملة هذا العام، أفادت 37% من البلدان التي أجابت عن استقصاء أطلس الصحة النفسية لعام 2024 بأنها أدرجت أصحاب التجارب الشخصية في التدريب المقدم للعاملين في الرعاية الصحية الأولية، فيما قالت 45% إن لديها تعاوناً مستمراً مع أصحاب التجارب ومجموعات مناصرة الأسر ومقدمي الرعاية في تخطيط خدمات الصحة النفسية وتقديمها ورصدها. كما أفادت 59% بأن تشريعات الصحة النفسية وُضعت بالتشاور مع أصحاب التجارب الشخصية. وتوضح هذه المؤشرات أن المشاركة لا تزال متفاوتة، وأن بناء نظام أكثر استجابة لا يعتمد على زيادة عدد الخدمات فقط، بل أيضاً على إشراك الأشخاص الذين يستخدمونها في تحديد أولوياتها ومعايير جودتها.

أرقام عالمية تكشف حجم التحدي

وراء النقاشات المتعلقة بالوعي والوصمة والسياسات، تقف أرقام تضع الصحة النفسية في صلب تحديات الصحة العامة. وتشير أحدث البيانات المنشورة إلى أن نحو 1.2 مليار شخص حول العالم كانوا يعيشون مع اضطراب نفسي في عام 2023، أي ما يقارب شخصاً واحداً من كل سبعة أشخاص. وتتصدر اضطرابات القلق والاكتئاب قائمة الحالات الأكثر شيوعاً، لكن الأرقام لا تعني أن جميع من يمرون بضيق نفسي يعانون بالضرورة اضطراباً مشخصاً؛ إذ ينبغي التمييز بين الاستجابات الإنسانية المعتادة للضغوط وبين الحالات التي تستمر أو تشتد وتؤثر بصورة ملموسة في حياة الشخص وقدرته على أداء أنشطته اليومية. وتؤكد هذه المعطيات أن القضية واسعة النطاق، وأن التعامل معها يتطلب خدمات وقائية وعلاجية متاحة، إلى جانب سياسات تقلل عوامل الخطر الاجتماعية والاقتصادية.

وتشير التقديرات نفسها إلى أن اضطرابات القلق طالت نحو 470 مليون شخص في عام 2023، بينهم 146 مليون طفل ومراهق، فيما كان نحو 322 مليون شخص يعيشون مع الاكتئاب، من بينهم 43 مليوناً من الأطفال والمراهقين. وتختلف هذه الاضطرابات في طبيعتها وأعراضها، كما تتفاوت شدتها وطرق علاجها؛ فقد يتجلى القلق في خوف أو انشغال مفرط ومستمر، بينما قد يترافق الاكتئاب مع مزاج منخفض أو فقدان الاهتمام والمتعة، إلى جانب تغيرات في النوم أو الشهية أو الطاقة والتركيز. ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في إثارة الخوف، بل في تذكير المؤسسات والأسر بأن الصحة النفسية جزء من الصحة العامة، وأن التدخل المبكر والوصول إلى الرعاية المناسبة يمكن أن يحدّا من تفاقم المعاناة وآثارها في التعليم والعمل والعلاقات الاجتماعية.

لكن حجم المشكلة لا يُقاس بعدد الحالات وحده؛ فالفجوة بين الحاجة إلى الرعاية والحصول عليها لا تزال من أكثر نقاط الضعف وضوحاً في الأنظمة الصحية. وتشير التقارير الدولية إلى أن معظم الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية لا يحصلون على رعاية فعالة، رغم وجود تدخلات علاجية معروفة. وتعود العوائق إلى عوامل متداخلة، منها نقص التمويل والكوادر المتخصصة، وضعف انتشار الخدمات، والوصمة الاجتماعية، وأحياناً ارتفاع كلفة العلاج أو صعوبة الوصول إليه جغرافياً. وهنا يتحول السؤال من مجرد الاعتراف بوجود المشكلة إلى مساءلة السياسات العامة: هل توجد خدمات قريبة من الناس؟ هل يستطيع الشخص طلب المساعدة من دون خوف من الإقصاء؟ وهل تتوافر متابعة مستمرة بدلاً من تدخل محدود لا يستجيب لاحتياجاته على المدى الطويل؟

الصحة النفسية في المغرب العربي: ما وراء الأرقام العامة

بالنسبة إلى دول المغرب العربي، لا يمكن اختزال ملف الصحة النفسية في مؤشر واحد أو افتراض أن التجارب متطابقة بين الجزائر والمغرب وتونس وليبيا وموريتانيا؛ فلكل دولة بنيتها الصحية وتشريعاتها ومواردها وتحدياتها الاجتماعية. غير أن المقارنة الإقليمية تبرز أهمية عدد من الأسئلة المشتركة: مدى توافر الاختصاصيين، وتوزيع الخدمات بين المدن والمناطق الداخلية، وإمكان الحصول على الرعاية النفسية في مؤسسات الرعاية الأولية، ودرجة دمج الدعم النفسي في خدمات الصحة العامة والمدارس ومواقع العمل. كما تظل جودة البيانات الوطنية وتحديثها شرطاً أساسياً لتحديد الاحتياجات بدقة، بدلاً من الاعتماد على تقديرات عامة لا تكشف بالضرورة الفوارق بين الفئات العمرية أو المناطق أو الظروف الاقتصادية.

وفي الجزائر، تُظهر بيانات الملف القطري المنشور ضمن أطلس الصحة النفسية لعام 2024 وجود سياسة أو خطة مستقلة للصحة النفسية وقانون مستقل يعود كل منهما إلى عام 2018، كما يشير الملف إلى وجود سياسة لمكافحة الوصمة وإلى إدراج الصحة النفسية ضمن بعض ترتيبات الحماية المالية العامة للعلاج. وفي المقابل، تسجل البيانات نفسها عدم وجود مسح وطني للصحة النفسية خلال السنوات العشر السابقة التي يغطيها المؤشر، وعدم تقدير الموارد المالية والبشرية اللازمة لتنفيذ السياسة أو الخطة ضمن البيانات المبلغ عنها، فضلاً عن عدم وجود بند موازنة مستقل للصحة النفسية وفق الملف. ولا ينبغي قراءة هذه المؤشرات باعتبارها وصفاً شاملاً لكل ما يجري على أرض الواقع، لكنها تقدم نقاطاً قابلة للفحص والنقاش بشأن التمويل والبيانات وآليات التنفيذ. فالسياسة المكتوبة تكتسب قيمتها حين تقترن بموارد محددة ومؤشرات متابعة وخدمات يمكن للناس الوصول إليها فعلياً.

أما في المغرب، فتشير المواد القطرية المنشورة إلى العمل على خطة للصحة النفسية للفترة 2023–2030، وإلى جهود لتعزيز دمج خدمات الصحة النفسية في الرعاية الصحية الأولية وتطوير نظام معلومات خاص بها. وتمثل هذه التوجهات أهمية عملية لأن الرعاية الأولية غالباً ما تكون نقطة الاتصال الأولى للمواطن مع النظام الصحي، وقد تتيح اكتشاف المشكلات في وقت مبكر وإحالة الحالات التي تحتاج إلى تدخل متخصص. لكن نجاح هذا النهج يرتبط بوجود كوادر مدربة، ومسارات إحالة واضحة، واستمرارية العلاج، وتنسيق بين الخدمات الطبية والاجتماعية، فضلاً عن توفير المعلومات التي تسمح بقياس مدى استفادة الفئات المختلفة. ولا يعني الإعلان عن خطة أو إطلاق مسار إصلاحي أن جميع الفجوات قد أُغلقت، بل يتيح معياراً يمكن على أساسه تقييم التقدم والاحتياجات المتبقية.

وعلى مستوى إقليم شرق المتوسط، الذي يضم دولاً عربية من بينها تونس وليبيا ومصر ودول أخرى، تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن الطوارئ الممتدة والنزاعات تؤدي إلى زيادة تعقيد احتياجات الصحة النفسية، بينما تصل فجوات العلاج إلى 90% في بعض البلدان الأعضاء. كما أفادت المنظمة بتوسيع خدمات الصحة النفسية المجتمعية ودمجها في الرعاية الأولية في 14 دولة، إلى جانب تعزيز قدرات الدعم النفسي والاجتماعي في حالات الطوارئ في بلدان متأثرة بالأزمات. وتوضح هذه المعطيات أن التحدي الإقليمي ليس واحداً: فهناك حاجة إلى تطوير الخدمات الاعتيادية في بعض السياقات، بينما يتطلب النزوح والعنف وفقدان المساكن وانهيار الخدمات الأساسية في سياقات أخرى استجابة نفسية واجتماعية مدمجة في العمل الإنساني.

الصحة النفسية بين الأزمات الإنسانية وحقوق الإنسان

تتضاعف تعقيدات الصحة النفسية في البيئات التي تعيش الحروب والنزوح والكوارث، حيث لا تقتصر الخسائر على الممتلكات والبنية التحتية، بل تمتد إلى الإحساس بالأمان والاستقرار والانتماء. ففقدان أحد أفراد الأسرة، أو النزوح القسري، أو العيش في ظل تهديد مستمر، قد يترك آثاراً نفسية متفاوتة، ولا يعني ذلك أن كل شخص يمر بحدث صادم سيصاب باضطراب نفسي، لكنه يعني أن توافر الدعم المناسب قد يكون عاملاً مهماً في الحد من المعاناة ومساعدة الأفراد على استعادة قدرتهم على إدارة حياتهم. وتزداد أهمية هذه المسألة في المناطق التي تتكرر فيها الأزمات، إذ يمكن أن تنشغل الاستجابة الإنسانية بتوفير الغذاء والمأوى والعلاج الجسدي، بينما تبقى الاحتياجات النفسية والاجتماعية أقل ظهوراً رغم ارتباطها المباشر بقدرة الأسر على التعافي.

ومن منظور حقوق الإنسان، لا ينبغي أن تتحول المعاناة النفسية إلى مبرر لحرمان الشخص من الاستقلالية أو العزل عن المجتمع أو اتخاذ القرارات نيابة عنه من دون ضمانات كافية. وقد دعت منظمة الصحة العالمية، قبيل اليوم العالمي للصحة النفسية لعام 2026، إلى تسريع الانتقال من نماذج الرعاية التي تعتمد على الإقامة الطويلة في المؤسسات النفسية إلى خدمات مجتمعية تتمحور حول الشخص وتحترم حقوقه وخياراته. ولا يعني هذا التوجه إلغاء الحاجة إلى المستشفيات أو الرعاية المتخصصة عندما تقتضي الحالة ذلك، بل يعني بناء منظومة متكاملة تتيح العلاج الملائم، والدعم المستمر، والسكن والتعليم والعمل والمشاركة في الحياة الاجتماعية، مع توفير الحماية اللازمة للأشخاص الذين يحتاجون إلى رعاية مكثفة. فالمعيار الحقيقي لجودة الرعاية لا يقتصر على السيطرة على الأعراض، وإنما يشمل أيضاً صون الكرامة والقدرة على المشاركة في المجتمع.

التمويل والكوادر.. الفجوة التي تعرقل الوصول إلى العلاج

تكشف المؤشرات العالمية أن الفجوة في خدمات الصحة النفسية ترتبط كذلك بتوزيع الموارد، لا بمجرد غياب الوعي. فقد أظهر أطلس الصحة النفسية لعام 2024 أن الإنفاق الحكومي على الصحة النفسية لا يزال يمثل نحو 2% من إجمالي الميزانيات الصحية، من دون تغير يُذكر مقارنة بعام 2017. كما أظهرت البيانات تفاوتاً واسعاً في الإنفاق للفرد بين البلدان ذات الدخل المرتفع والبلدان منخفضة الدخل، إلى جانب نقص في القوى العاملة المتخصصة؛ إذ بلغ الوسيط العالمي نحو 13 عاملاً في مجال الصحة النفسية لكل 100 ألف شخص. وتساعد هذه الأرقام على تفسير سبب تفاوت إمكانية الحصول على العلاج من بلد إلى آخر، بل ومن منطقة إلى أخرى داخل البلد نفسه. فعندما تتركز الكفاءات في المدن الكبرى، تصبح المسافة وكلفة التنقل والانتظار عوائق إضافية أمام سكان المناطق البعيدة، ما يفرض ضرورة التفكير في توزيع الخدمات والتدريب والإحالة، وليس فقط في زيادة عدد المرافق.

وتبرز الرعاية الصحية الأولية باعتبارها أحد المسارات العملية لتقريب الخدمات من المواطنين، خصوصاً عندما تتوافر لدى العاملين فيها القدرة على التعرف إلى المؤشرات التي تستدعي تقييماً نفسياً، وتقديم الدعم الأولي، وإحالة الحالات إلى الاختصاصيين عند الحاجة. ويمكن لهذا النهج أن يقلل اعتماد النظام الصحي على المؤسسات المتخصصة وحدها، شريطة ألا تتحول مهمة الكشف المبكر إلى عبء إضافي على كوادر غير مدربة، أو إلى بديل عن العلاج المتخصص. كما أن تطوير خدمات الصحة النفسية يحتاج إلى استثمار في التدريب والإشراف المهني، وضمان استمرارية الأدوية والعلاج النفسي، ووضع آليات لحماية السرية وحقوق المرضى. ومن دون هذه العناصر، قد تبقى الخدمات متاحة على الورق، لكنها لا تستجيب على نحو كافٍ لاحتياجات الأشخاص الذين يطلبون المساعدة.

تستحق الصحة النفسية للأطفال والمراهقين اهتماماً خاصاً، ليس لأن هذه الفئات أكثر هشاشة في جميع الحالات، بل لأن التجارب التي يمر بها الفرد خلال مراحل النمو قد تؤثر في تعليمه وعلاقاته ونظرته إلى ذاته وقدرته على طلب الدعم لاحقاً. وتوضح تقديرات الاضطرابات النفسية أن ملايين الأطفال والمراهقين يعيشون مع اضطرابات القلق أو الاكتئاب، الأمر الذي يعزز أهمية وجود بيئات مدرسية وأسرية قادرة على ملاحظة التغيرات المستمرة في السلوك أو الأداء أو العلاقات، والتعامل معها بجدية من دون وصم أو تهويل. ولا ينبغي تفسير كل تغير في المزاج باعتباره مرضاً، لكن استمرار المعاناة أو تأثيرها في الحياة اليومية يستدعي الانتباه والتقييم المناسب. وتزداد فاعلية الوقاية عندما تتكامل الأسرة والمدرسة وخدمات الرعاية الصحية في توفير بيئة آمنة، وتقديم المعلومات الصحيحة، وتسهيل الوصول إلى المساعدة المهنية عند الحاجة.

وفي العصر الرقمي، باتت حياة الأطفال والشباب تتشكل جزئياً عبر منصات التواصل والتطبيقات التي تتيح التواصل والتعلم والترفيه، لكنها قد تفتح أيضاً المجال للتنمر الإلكتروني والمقارنة الاجتماعية المستمرة والتعرض لمحتوى مؤذٍ أو ضغوط تتعلق بالصورة الذاتية والقبول الاجتماعي. ولا يصح التعامل مع التكنولوجيا بوصفها سبباً وحيداً للمشكلات النفسية، كما لا يصح تجاهل أثر طريقة تصميم المنصات وأنماط استخدامها في رفاه المستخدمين. المطلوب هو فهم العلاقة المعقدة بين الاستخدام الرقمي والنوم والنشاط البدني والعلاقات الواقعية والظروف الأسرية، مع تشجيع الاستخدام المتوازن، وتطوير مهارات السلامة الرقمية، وتمكين المدارس والأسر من التعامل مع التنمر والإساءة الإلكترونية. وتبقى مسؤولية المنصات والجهات المنظمة جزءاً من النقاش العام، خصوصاً حين يتعلق الأمر بحماية القاصرين وتقليل تعرضهم للمخاطر.

الانتحار.. الوقاية مسؤولية تتجاوز الفرد

يمثل الانتحار أحد أخطر جوانب أزمة الصحة النفسية، ويحتاج التعامل معه إلى مقاربة وقائية قائمة على الأدلة، تتجاوز إلقاء المسؤولية على الشخص الذي يمر بأزمة. وتشير التقديرات التي نشرتها منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 727 ألف شخص توفوا بالانتحار في عام 2021، وأنه كان ثالث أسباب الوفاة بين الفئة العمرية من 15 إلى 29 عاماً وفق البيانات الواردة في التقرير. وتبرز هذه الأرقام الحاجة إلى أنظمة تتيح التعرف المبكر إلى المخاطر، والوصول إلى خدمات الصحة النفسية، والحد من الوصمة التي قد تمنع الأشخاص من الإفصاح عن معاناتهم. كما تتطلب الوقاية تعاوناً بين الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، وتغطية إعلامية مسؤولة تتجنب التفاصيل المؤذية أو التبسيط أو تقديم الانتحار باعتباره نتيجة حتمية لسبب واحد. فالأزمات النفسية معقدة، والوقاية منها تتطلب استجابة إنسانية ومهنية متكاملة.

ولا تقتصر الوقاية على وجود خطوط مساعدة أو خدمات طوارئ، على أهميتها، بل تشمل أيضاً تدريب العاملين في القطاعات المعنية على الاستجابة للمؤشرات التحذيرية، وتوفير مسارات واضحة للوصول إلى المساعدة، وضمان متابعة الأشخاص بعد الأزمات. وتحتاج المؤسسات الإعلامية بدورها إلى تقديم معلومات دقيقة حول طرق طلب الدعم، مع احترام خصوصية الأفراد وعدم نشر روايات تجرّد المعاناة من تعقيدها الإنساني. أما على مستوى الأسرة والمحيط الاجتماعي، فإن الاستماع دون إدانة، وأخذ الحديث عن اليأس أو إيذاء النفس بجدية، والمساعدة في الوصول إلى مختصين، قد تكون خطوات مهمة. ولا يحل الدعم العائلي محل الرعاية المهنية عند الحاجة، لكنه يمكن أن يسهّل الوصول إليها ويقلل الشعور بالعزلة.

من حملات التوعية إلى سياسات قابلة للقياس

إذا كانت المناسبات العالمية تتيح فرصة لتسليط الضوء على الصحة النفسية، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهائها: هل تُترجم الرسائل إلى خطط تمويل واضحة؟ هل تتحسن إمكانية الوصول إلى العلاج؟ هل تتوافر بيانات وطنية حديثة؟ وهل يُشارك أصحاب التجارب الشخصية في تقييم الخدمات التي يستخدمونها؟ هذه الأسئلة مهمة لصانعي السياسات في دول المغرب العربي كما هي مهمة في بقية العالم، لأن التقدم لا يمكن قياسه بعدد الحملات وحده. ومن الضروري وضع مؤشرات معلنة لمدى توافر الكوادر والخدمات، وتوزيعها الجغرافي، وأوقات الانتظار، وإمكانية الحصول على العلاج النفسي والأدوية، مع حماية البيانات الشخصية وضمان ألا تتحول المؤشرات إلى أرقام إدارية منفصلة عن واقع الناس.

وتحتاج الاستجابة كذلك إلى تجاوز الفصل التقليدي بين الصحة النفسية والسياسات الاجتماعية. فالفقر والبطالة وعدم الاستقرار السكني والعنف والعزلة ليست تشخيصات طبية، لكنها ظروف يمكن أن تزيد الضغط على الإنسان وتحد من قدرته على الوصول إلى الرعاية أو الاستفادة منها. ومن هنا، لا يكفي أن يُطلب من الفرد أن يكون أكثر قدرة على التكيف إذا كانت البيئة المحيطة به لا توفر الأمان أو فرص العمل أو الدعم الاجتماعي. وفي المقابل، لا ينبغي اختزال كل ضيق نفسي في الظروف الاقتصادية، لأن التجارب تختلف من شخص إلى آخر، وقد تحتاج بعض الحالات إلى تدخلات علاجية متخصصة بصرف النظر عن وضعها المادي. إن السياسة الأكثر فاعلية هي التي تجمع بين الرعاية الصحية الجيدة ومعالجة العوامل الاجتماعية التي تزيد المخاطر، من دون وصم الأشخاص أو تحميلهم مسؤولية ظروف لا يملكون السيطرة عليها.

الاستماع بداية التغيير.. لكن العمل هو المعيار

في المحصلة، يعيد اليوم العالمي للصحة النفسية لعام 2026 التأكيد على أن الاستماع إلى أصحاب التجارب ليس مجاملة رمزية، بل خطوة ضرورية لبناء خدمات أكثر ملاءمة واحتراماً لحقوق الإنسان. وتكشف البيانات العالمية والإقليمية أن الحاجة لا تزال كبيرة إلى توسيع الرعاية، وتوفير التمويل والكوادر، وتعزيز الخدمات المجتمعية، وتحسين البيانات، ومكافحة الوصمة التي تمنع كثيرين من طلب المساعدة. وفي دول المغرب العربي، تكتسب هذه الأولويات أهمية خاصة في ظل تفاوت الظروف بين البلدان والمناطق، والحاجة إلى أن تستند السياسات إلى أدلة وطنية حديثة وإلى تقييم منتظم لنتائجها.

إن الصحة النفسية ليست مسؤولية الفرد وحده، ولا يمكن تركها للأسرة أو المختصين وحدهم؛ إنها مسؤولية مشتركة تتوزع بين المؤسسات الصحية والتعليمية والاجتماعية وأماكن العمل وصانعي السياسات ووسائل الإعلام. ويبدأ التغيير حين يصبح طلب المساعدة أمراً طبيعياً لا سبباً للخجل، وحين يُنظر إلى الشخص الذي يمر بأزمة بوصفه إنساناً يستحق الدعم والاحترام، لا وصمة تلاحقه. لكن الاستماع الحقيقي يظل ناقصاً ما لم يتبعه قرار وتمويل وخدمة متاحة ومساءلة عن النتائج. وهذا هو المعيار الذي ينبغي أن يبقى حاضراً بعد انقضاء اليوم العالمي: أن يتحول الاعتراف بأهمية الصحة النفسية إلى حق يمكن الوصول إليه في الحياة اليومية، لا شعار يُرفع مرة كل عام.

ليست الصحة النفسية ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد الأزمات، ولا ملفاً اجتماعياً هامشياً يُستحضر في المناسبات ثم يعود إلى الظل، بل أصبحت إحدى القضايا التي تكشف قدرة المجتمعات على حماية الإنسان، ومدى استعداد الحكومات لتحويل الحق في الصحة إلى خدمات فعلية تصل إلى من يحتاجون إليها. ففي عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وتتداخل فيه الحروب والنزوح والضغوط المعيشية والتغيرات التي أصابت أنماط العمل والعلاقات الاجتماعية، لم تعد معاناة الإنسان النفسية شأناً فردياً محضاً؛ إذ تتقاطع مع التعليم والعمل والسكن والاستقرار الأسري، كما تتأثر بمدى توافر الرعاية الصحية وإمكانية الوصول إليها من دون وصم أو تمييز أو أعباء مالية لا تستطيع الأسر تحملها.

ويأتي اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يُحتفى به في العاشر من أكتوبر من كل عام، ليعيد طرح سؤال جوهري يتجاوز الشعارات التوعوية: كيف يمكن بناء مجتمعات لا تكتفي بمطالبة الأفراد بالصمود، بل توفر لهم الظروف والخدمات التي تساعدهم على العيش بكرامة، وطلب المساندة عند الحاجة، والتعافي من الأزمات؟ إن قيمة هذه المناسبة لا تكمن في عدد المنشورات والحملات التي ترافقها فحسب، بل في قدرتها على دفع المؤسسات إلى مراجعة السياسات، وتوسيع خدمات الوقاية والعلاج، وإزالة الحواجز التي تجعل الحديث عن المعاناة النفسية أمراً صعباً في كثير من البيئات.

المصادر: منظمة الصحة العالمية، صفحة اليوم العالمي للصحة النفسية؛ الأمم المتحدة، المواد التعريفية المتعلقة بالصحة النفسية وحقوق الإنسان.

شعار 2026: الاستماع إلى التجارب الحقيقية من أجل تغيير ملموس

يحمل اليوم العالمي للصحة النفسية لعام 2026 رسالة تتجاوز التوعية العامة، عنوانها الاستماع إلى أصوات الأشخاص الذين عاشوا تجارب اضطرابات الصحة النفسية، وإشراكهم بصورة حقيقية في صياغة السياسات وتصميم الخدمات وتقييم نتائجها. فالمريض أو الشخص الذي مرّ بتجربة نفسية قاسية ليس مجرد مستفيد من نظام الرعاية، بل يمتلك معرفة عملية بتفاصيل قد لا تظهر في التقارير الإدارية أو الدراسات وحدها: كيف يتعامل المجتمع مع معاناته، وما الذي يمنعه من طلب المساعدة، وأي الخدمات يجدها مفيدة، وأين يواجه الإهمال أو التمييز أو صعوبة الوصول إلى العلاج. ومن هنا، فإن الاستماع لا يعني الاكتفاء بسرد التجارب في الندوات، وإنما تحويلها إلى مشاركة فعلية في القرارات التي تؤثر في حياة أصحابها.

وتكشف البيانات الدولية عن فجوة بين الاعتراف بأهمية الصحة النفسية وبين منح أصحاب التجارب دوراً مؤثراً في إدارة خدماتها. فوفق بيانات وردت في حملة هذا العام، أفادت 37% من البلدان التي أجابت عن استقصاء أطلس الصحة النفسية لعام 2024 بأنها أدرجت أصحاب التجارب الشخصية في التدريب المقدم للعاملين في الرعاية الصحية الأولية، فيما قالت 45% إن لديها تعاوناً مستمراً مع أصحاب التجارب ومجموعات مناصرة الأسر ومقدمي الرعاية في تخطيط خدمات الصحة النفسية وتقديمها ورصدها. كما أفادت 59% بأن تشريعات الصحة النفسية وُضعت بالتشاور مع أصحاب التجارب الشخصية. وتوضح هذه المؤشرات أن المشاركة لا تزال متفاوتة، وأن بناء نظام أكثر استجابة لا يعتمد على زيادة عدد الخدمات فقط، بل أيضاً على إشراك الأشخاص الذين يستخدمونها في تحديد أولوياتها ومعايير جودتها.

14-14 اليوم العالمي للصحة النفسية.. معركة الإنسان الصامتة من البيت إلى السياسات العامة

أرقام عالمية تكشف حجم التحدي

وراء النقاشات المتعلقة بالوعي والوصمة والسياسات، تقف أرقام تضع الصحة النفسية في صلب تحديات الصحة العامة. وتشير أحدث البيانات المنشورة إلى أن نحو 1.2 مليار شخص حول العالم كانوا يعيشون مع اضطراب نفسي في عام 2023، أي ما يقارب شخصاً واحداً من كل سبعة أشخاص. وتتصدر اضطرابات القلق والاكتئاب قائمة الحالات الأكثر شيوعاً، لكن الأرقام لا تعني أن جميع من يمرون بضيق نفسي يعانون بالضرورة اضطراباً مشخصاً؛ إذ ينبغي التمييز بين الاستجابات الإنسانية المعتادة للضغوط وبين الحالات التي تستمر أو تشتد وتؤثر بصورة ملموسة في حياة الشخص وقدرته على أداء أنشطته اليومية. وتؤكد هذه المعطيات أن القضية واسعة النطاق، وأن التعامل معها يتطلب خدمات وقائية وعلاجية متاحة، إلى جانب سياسات تقلل عوامل الخطر الاجتماعية والاقتصادية.

وتشير التقديرات نفسها إلى أن اضطرابات القلق طالت نحو 470 مليون شخص في عام 2023، بينهم 146 مليون طفل ومراهق، فيما كان نحو 322 مليون شخص يعيشون مع الاكتئاب، من بينهم 43 مليوناً من الأطفال والمراهقين. وتختلف هذه الاضطرابات في طبيعتها وأعراضها، كما تتفاوت شدتها وطرق علاجها؛ فقد يتجلى القلق في خوف أو انشغال مفرط ومستمر، بينما قد يترافق الاكتئاب مع مزاج منخفض أو فقدان الاهتمام والمتعة، إلى جانب تغيرات في النوم أو الشهية أو الطاقة والتركيز. ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في إثارة الخوف، بل في تذكير المؤسسات والأسر بأن الصحة النفسية جزء من الصحة العامة، وأن التدخل المبكر والوصول إلى الرعاية المناسبة يمكن أن يحدّا من تفاقم المعاناة وآثارها في التعليم والعمل والعلاقات الاجتماعية.

لكن حجم المشكلة لا يُقاس بعدد الحالات وحده؛ فالفجوة بين الحاجة إلى الرعاية والحصول عليها لا تزال من أكثر نقاط الضعف وضوحاً في الأنظمة الصحية. وتشير التقارير الدولية إلى أن معظم الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية لا يحصلون على رعاية فعالة، رغم وجود تدخلات علاجية معروفة. وتعود العوائق إلى عوامل متداخلة، منها نقص التمويل والكوادر المتخصصة، وضعف انتشار الخدمات، والوصمة الاجتماعية، وأحياناً ارتفاع كلفة العلاج أو صعوبة الوصول إليه جغرافياً. وهنا يتحول السؤال من مجرد الاعتراف بوجود المشكلة إلى مساءلة السياسات العامة: هل توجد خدمات قريبة من الناس؟ هل يستطيع الشخص طلب المساعدة من دون خوف من الإقصاء؟ وهل تتوافر متابعة مستمرة بدلاً من تدخل محدود لا يستجيب لاحتياجاته على المدى الطويل؟

الصحة النفسية في المغرب العربي: ما وراء الأرقام العامة

بالنسبة إلى دول المغرب العربي، لا يمكن اختزال ملف الصحة النفسية في مؤشر واحد أو افتراض أن التجارب متطابقة بين الجزائر والمغرب وتونس وليبيا وموريتانيا؛ فلكل دولة بنيتها الصحية وتشريعاتها ومواردها وتحدياتها الاجتماعية. غير أن المقارنة الإقليمية تبرز أهمية عدد من الأسئلة المشتركة: مدى توافر الاختصاصيين، وتوزيع الخدمات بين المدن والمناطق الداخلية، وإمكان الحصول على الرعاية النفسية في مؤسسات الرعاية الأولية، ودرجة دمج الدعم النفسي في خدمات الصحة العامة والمدارس ومواقع العمل. كما تظل جودة البيانات الوطنية وتحديثها شرطاً أساسياً لتحديد الاحتياجات بدقة، بدلاً من الاعتماد على تقديرات عامة لا تكشف بالضرورة الفوارق بين الفئات العمرية أو المناطق أو الظروف الاقتصادية.

وفي الجزائر، تُظهر بيانات الملف القطري المنشور ضمن أطلس الصحة النفسية لعام 2024 وجود سياسة أو خطة مستقلة للصحة النفسية وقانون مستقل يعود كل منهما إلى عام 2018، كما يشير الملف إلى وجود سياسة لمكافحة الوصمة وإلى إدراج الصحة النفسية ضمن بعض ترتيبات الحماية المالية العامة للعلاج. وفي المقابل، تسجل البيانات نفسها عدم وجود مسح وطني للصحة النفسية خلال السنوات العشر السابقة التي يغطيها المؤشر، وعدم تقدير الموارد المالية والبشرية اللازمة لتنفيذ السياسة أو الخطة ضمن البيانات المبلغ عنها، فضلاً عن عدم وجود بند موازنة مستقل للصحة النفسية وفق الملف. ولا ينبغي قراءة هذه المؤشرات باعتبارها وصفاً شاملاً لكل ما يجري على أرض الواقع، لكنها تقدم نقاطاً قابلة للفحص والنقاش بشأن التمويل والبيانات وآليات التنفيذ. فالسياسة المكتوبة تكتسب قيمتها حين تقترن بموارد محددة ومؤشرات متابعة وخدمات يمكن للناس الوصول إليها فعلياً.

أما في المغرب، فتشير المواد القطرية المنشورة إلى العمل على خطة للصحة النفسية للفترة 2023–2030، وإلى جهود لتعزيز دمج خدمات الصحة النفسية في الرعاية الصحية الأولية وتطوير نظام معلومات خاص بها. وتمثل هذه التوجهات أهمية عملية لأن الرعاية الأولية غالباً ما تكون نقطة الاتصال الأولى للمواطن مع النظام الصحي، وقد تتيح اكتشاف المشكلات في وقت مبكر وإحالة الحالات التي تحتاج إلى تدخل متخصص. لكن نجاح هذا النهج يرتبط بوجود كوادر مدربة، ومسارات إحالة واضحة، واستمرارية العلاج، وتنسيق بين الخدمات الطبية والاجتماعية، فضلاً عن توفير المعلومات التي تسمح بقياس مدى استفادة الفئات المختلفة. ولا يعني الإعلان عن خطة أو إطلاق مسار إصلاحي أن جميع الفجوات قد أُغلقت، بل يتيح معياراً يمكن على أساسه تقييم التقدم والاحتياجات المتبقية.

وعلى مستوى إقليم شرق المتوسط، الذي يضم دولاً عربية من بينها تونس وليبيا ومصر ودول أخرى، تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن الطوارئ الممتدة والنزاعات تؤدي إلى زيادة تعقيد احتياجات الصحة النفسية، بينما تصل فجوات العلاج إلى 90% في بعض البلدان الأعضاء. كما أفادت المنظمة بتوسيع خدمات الصحة النفسية المجتمعية ودمجها في الرعاية الأولية في 14 دولة، إلى جانب تعزيز قدرات الدعم النفسي والاجتماعي في حالات الطوارئ في بلدان متأثرة بالأزمات. وتوضح هذه المعطيات أن التحدي الإقليمي ليس واحداً: فهناك حاجة إلى تطوير الخدمات الاعتيادية في بعض السياقات، بينما يتطلب النزوح والعنف وفقدان المساكن وانهيار الخدمات الأساسية في سياقات أخرى استجابة نفسية واجتماعية مدمجة في العمل الإنساني.

الصحة النفسية بين الأزمات الإنسانية وحقوق الإنسان

تتضاعف تعقيدات الصحة النفسية في البيئات التي تعيش الحروب والنزوح والكوارث، حيث لا تقتصر الخسائر على الممتلكات والبنية التحتية، بل تمتد إلى الإحساس بالأمان والاستقرار والانتماء. ففقدان أحد أفراد الأسرة، أو النزوح القسري، أو العيش في ظل تهديد مستمر، قد يترك آثاراً نفسية متفاوتة، ولا يعني ذلك أن كل شخص يمر بحدث صادم سيصاب باضطراب نفسي، لكنه يعني أن توافر الدعم المناسب قد يكون عاملاً مهماً في الحد من المعاناة ومساعدة الأفراد على استعادة قدرتهم على إدارة حياتهم. وتزداد أهمية هذه المسألة في المناطق التي تتكرر فيها الأزمات، إذ يمكن أن تنشغل الاستجابة الإنسانية بتوفير الغذاء والمأوى والعلاج الجسدي، بينما تبقى الاحتياجات النفسية والاجتماعية أقل ظهوراً رغم ارتباطها المباشر بقدرة الأسر على التعافي.

ومن منظور حقوق الإنسان، لا ينبغي أن تتحول المعاناة النفسية إلى مبرر لحرمان الشخص من الاستقلالية أو العزل عن المجتمع أو اتخاذ القرارات نيابة عنه من دون ضمانات كافية. وقد دعت منظمة الصحة العالمية، قبيل اليوم العالمي للصحة النفسية لعام 2026، إلى تسريع الانتقال من نماذج الرعاية التي تعتمد على الإقامة الطويلة في المؤسسات النفسية إلى خدمات مجتمعية تتمحور حول الشخص وتحترم حقوقه وخياراته. ولا يعني هذا التوجه إلغاء الحاجة إلى المستشفيات أو الرعاية المتخصصة عندما تقتضي الحالة ذلك، بل يعني بناء منظومة متكاملة تتيح العلاج الملائم، والدعم المستمر، والسكن والتعليم والعمل والمشاركة في الحياة الاجتماعية، مع توفير الحماية اللازمة للأشخاص الذين يحتاجون إلى رعاية مكثفة. فالمعيار الحقيقي لجودة الرعاية لا يقتصر على السيطرة على الأعراض، وإنما يشمل أيضاً صون الكرامة والقدرة على المشاركة في المجتمع.

التمويل والكوادر.. الفجوة التي تعرقل الوصول إلى العلاج

تكشف المؤشرات العالمية أن الفجوة في خدمات الصحة النفسية ترتبط كذلك بتوزيع الموارد، لا بمجرد غياب الوعي. فقد أظهر أطلس الصحة النفسية لعام 2024 أن الإنفاق الحكومي على الصحة النفسية لا يزال يمثل نحو 2% من إجمالي الميزانيات الصحية، من دون تغير يُذكر مقارنة بعام 2017. كما أظهرت البيانات تفاوتاً واسعاً في الإنفاق للفرد بين البلدان ذات الدخل المرتفع والبلدان منخفضة الدخل، إلى جانب نقص في القوى العاملة المتخصصة؛ إذ بلغ الوسيط العالمي نحو 13 عاملاً في مجال الصحة النفسية لكل 100 ألف شخص. وتساعد هذه الأرقام على تفسير سبب تفاوت إمكانية الحصول على العلاج من بلد إلى آخر، بل ومن منطقة إلى أخرى داخل البلد نفسه. فعندما تتركز الكفاءات في المدن الكبرى، تصبح المسافة وكلفة التنقل والانتظار عوائق إضافية أمام سكان المناطق البعيدة، ما يفرض ضرورة التفكير في توزيع الخدمات والتدريب والإحالة، وليس فقط في زيادة عدد المرافق.

وتبرز الرعاية الصحية الأولية باعتبارها أحد المسارات العملية لتقريب الخدمات من المواطنين، خصوصاً عندما تتوافر لدى العاملين فيها القدرة على التعرف إلى المؤشرات التي تستدعي تقييماً نفسياً، وتقديم الدعم الأولي، وإحالة الحالات إلى الاختصاصيين عند الحاجة. ويمكن لهذا النهج أن يقلل اعتماد النظام الصحي على المؤسسات المتخصصة وحدها، شريطة ألا تتحول مهمة الكشف المبكر إلى عبء إضافي على كوادر غير مدربة، أو إلى بديل عن العلاج المتخصص. كما أن تطوير خدمات الصحة النفسية يحتاج إلى استثمار في التدريب والإشراف المهني، وضمان استمرارية الأدوية والعلاج النفسي، ووضع آليات لحماية السرية وحقوق المرضى. ومن دون هذه العناصر، قد تبقى الخدمات متاحة على الورق، لكنها لا تستجيب على نحو كافٍ لاحتياجات الأشخاص الذين يطلبون المساعدة.

الأطفال والشباب في مواجهة ضغوط متزايدة

تستحق الصحة النفسية للأطفال والمراهقين اهتماماً خاصاً، ليس لأن هذه الفئات أكثر هشاشة في جميع الحالات، بل لأن التجارب التي يمر بها الفرد خلال مراحل النمو قد تؤثر في تعليمه وعلاقاته ونظرته إلى ذاته وقدرته على طلب الدعم لاحقاً. وتوضح تقديرات الاضطرابات النفسية أن ملايين الأطفال والمراهقين يعيشون مع اضطرابات القلق أو الاكتئاب، الأمر الذي يعزز أهمية وجود بيئات مدرسية وأسرية قادرة على ملاحظة التغيرات المستمرة في السلوك أو الأداء أو العلاقات، والتعامل معها بجدية من دون وصم أو تهويل. ولا ينبغي تفسير كل تغير في المزاج باعتباره مرضاً، لكن استمرار المعاناة أو تأثيرها في الحياة اليومية يستدعي الانتباه والتقييم المناسب. وتزداد فاعلية الوقاية عندما تتكامل الأسرة والمدرسة وخدمات الرعاية الصحية في توفير بيئة آمنة، وتقديم المعلومات الصحيحة، وتسهيل الوصول إلى المساعدة المهنية عند الحاجة.

وفي العصر الرقمي، باتت حياة الأطفال والشباب تتشكل جزئياً عبر منصات التواصل والتطبيقات التي تتيح التواصل والتعلم والترفيه، لكنها قد تفتح أيضاً المجال للتنمر الإلكتروني والمقارنة الاجتماعية المستمرة والتعرض لمحتوى مؤذٍ أو ضغوط تتعلق بالصورة الذاتية والقبول الاجتماعي. ولا يصح التعامل مع التكنولوجيا بوصفها سبباً وحيداً للمشكلات النفسية، كما لا يصح تجاهل أثر طريقة تصميم المنصات وأنماط استخدامها في رفاه المستخدمين. المطلوب هو فهم العلاقة المعقدة بين الاستخدام الرقمي والنوم والنشاط البدني والعلاقات الواقعية والظروف الأسرية، مع تشجيع الاستخدام المتوازن، وتطوير مهارات السلامة الرقمية، وتمكين المدارس والأسر من التعامل مع التنمر والإساءة الإلكترونية. وتبقى مسؤولية المنصات والجهات المنظمة جزءاً من النقاش العام، خصوصاً حين يتعلق الأمر بحماية القاصرين وتقليل تعرضهم للمخاطر.

الانتحار.. الوقاية مسؤولية تتجاوز الفرد

يمثل الانتحار أحد أخطر جوانب أزمة الصحة النفسية، ويحتاج التعامل معه إلى مقاربة وقائية قائمة على الأدلة، تتجاوز إلقاء المسؤولية على الشخص الذي يمر بأزمة. وتشير التقديرات التي نشرتها منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 727 ألف شخص توفوا بالانتحار في عام 2021، وأنه كان ثالث أسباب الوفاة بين الفئة العمرية من 15 إلى 29 عاماً وفق البيانات الواردة في التقرير. وتبرز هذه الأرقام الحاجة إلى أنظمة تتيح التعرف المبكر إلى المخاطر، والوصول إلى خدمات الصحة النفسية، والحد من الوصمة التي قد تمنع الأشخاص من الإفصاح عن معاناتهم. كما تتطلب الوقاية تعاوناً بين الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، وتغطية إعلامية مسؤولة تتجنب التفاصيل المؤذية أو التبسيط أو تقديم الانتحار باعتباره نتيجة حتمية لسبب واحد. فالأزمات النفسية معقدة، والوقاية منها تتطلب استجابة إنسانية ومهنية متكاملة.

ولا تقتصر الوقاية على وجود خطوط مساعدة أو خدمات طوارئ، على أهميتها، بل تشمل أيضاً تدريب العاملين في القطاعات المعنية على الاستجابة للمؤشرات التحذيرية، وتوفير مسارات واضحة للوصول إلى المساعدة، وضمان متابعة الأشخاص بعد الأزمات. وتحتاج المؤسسات الإعلامية بدورها إلى تقديم معلومات دقيقة حول طرق طلب الدعم، مع احترام خصوصية الأفراد وعدم نشر روايات تجرّد المعاناة من تعقيدها الإنساني. أما على مستوى الأسرة والمحيط الاجتماعي، فإن الاستماع دون إدانة، وأخذ الحديث عن اليأس أو إيذاء النفس بجدية، والمساعدة في الوصول إلى مختصين، قد تكون خطوات مهمة. ولا يحل الدعم العائلي محل الرعاية المهنية عند الحاجة، لكنه يمكن أن يسهّل الوصول إليها ويقلل الشعور بالعزلة.

من حملات التوعية إلى سياسات قابلة للقياس

إذا كانت المناسبات العالمية تتيح فرصة لتسليط الضوء على الصحة النفسية، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهائها: هل تُترجم الرسائل إلى خطط تمويل واضحة؟ هل تتحسن إمكانية الوصول إلى العلاج؟ هل تتوافر بيانات وطنية حديثة؟ وهل يُشارك أصحاب التجارب الشخصية في تقييم الخدمات التي يستخدمونها؟ هذه الأسئلة مهمة لصانعي السياسات في دول المغرب العربي كما هي مهمة في بقية العالم، لأن التقدم لا يمكن قياسه بعدد الحملات وحده. ومن الضروري وضع مؤشرات معلنة لمدى توافر الكوادر والخدمات، وتوزيعها الجغرافي، وأوقات الانتظار، وإمكانية الحصول على العلاج النفسي والأدوية، مع حماية البيانات الشخصية وضمان ألا تتحول المؤشرات إلى أرقام إدارية منفصلة عن واقع الناس.

وتحتاج الاستجابة كذلك إلى تجاوز الفصل التقليدي بين الصحة النفسية والسياسات الاجتماعية. فالفقر والبطالة وعدم الاستقرار السكني والعنف والعزلة ليست تشخيصات طبية، لكنها ظروف يمكن أن تزيد الضغط على الإنسان وتحد من قدرته على الوصول إلى الرعاية أو الاستفادة منها. ومن هنا، لا يكفي أن يُطلب من الفرد أن يكون أكثر قدرة على التكيف إذا كانت البيئة المحيطة به لا توفر الأمان أو فرص العمل أو الدعم الاجتماعي. وفي المقابل، لا ينبغي اختزال كل ضيق نفسي في الظروف الاقتصادية، لأن التجارب تختلف من شخص إلى آخر، وقد تحتاج بعض الحالات إلى تدخلات علاجية متخصصة بصرف النظر عن وضعها المادي. إن السياسة الأكثر فاعلية هي التي تجمع بين الرعاية الصحية الجيدة ومعالجة العوامل الاجتماعية التي تزيد المخاطر، من دون وصم الأشخاص أو تحميلهم مسؤولية ظروف لا يملكون السيطرة عليها.

الاستماع بداية التغيير.. لكن العمل هو المعيار

في المحصلة، يعيد اليوم العالمي للصحة النفسية لعام 2026 التأكيد على أن الاستماع إلى أصحاب التجارب ليس مجاملة رمزية، بل خطوة ضرورية لبناء خدمات أكثر ملاءمة واحتراماً لحقوق الإنسان. وتكشف البيانات العالمية والإقليمية أن الحاجة لا تزال كبيرة إلى توسيع الرعاية، وتوفير التمويل والكوادر، وتعزيز الخدمات المجتمعية، وتحسين البيانات، ومكافحة الوصمة التي تمنع كثيرين من طلب المساعدة. وفي دول المغرب العربي، تكتسب هذه الأولويات أهمية خاصة في ظل تفاوت الظروف بين البلدان والمناطق، والحاجة إلى أن تستند السياسات إلى أدلة وطنية حديثة وإلى تقييم منتظم لنتائجها.

إن الصحة النفسية ليست مسؤولية الفرد وحده، ولا يمكن تركها للأسرة أو المختصين وحدهم؛ إنها مسؤولية مشتركة تتوزع بين المؤسسات الصحية والتعليمية والاجتماعية وأماكن العمل وصانعي السياسات ووسائل الإعلام. ويبدأ التغيير حين يصبح طلب المساعدة أمراً طبيعياً لا سبباً للخجل، وحين يُنظر إلى الشخص الذي يمر بأزمة بوصفه إنساناً يستحق الدعم والاحترام، لا وصمة تلاحقه. لكن الاستماع الحقيقي يظل ناقصاً ما لم يتبعه قرار وتمويل وخدمة متاحة ومساءلة عن النتائج. وهذا هو المعيار الذي ينبغي أن يبقى حاضراً بعد انقضاء اليوم العالمي: أن يتحول الاعتراف بأهمية الصحة النفسية إلى حق يمكن الوصول إليه في الحياة اليومية، لا شعار يُرفع مرة كل عام.

 

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق