الجزائر تعيد ترتيب بيت الانتخابات قبل المحليات.. ساعد عروس أمام اختبار المرحلة الجديدة
في خطوة سياسية ومؤسساتية لافتة، أعاد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون ترتيب رأس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، بتوقيعه مرسومين رئاسيين أنهى بموجبهما تكليف كريم خلفان بمهام رئيس السلطة بالنيابة، وعيّن ساعد عروس رئيساً للهيئة. ويأتي هذا التغيير في توقيت بالغ الحساسية، بعدما أنهت الجزائر استحقاق الانتخابات التشريعية في يوليو الماضي، وبدأت الأنظار تتجه نحو الانتخابات المحلية المرتقبة، بما يجعل تعيين الرئيس الجديد للسلطة مرتبطاً عملياً بمرحلة انتخابية جديدة ذات طبيعة مختلفة في رهاناتها وتحدياتها.
ولفهم دلالة القرار، لا يكفي النظر إليه باعتباره مجرد انتقال إداري من مسؤول إلى آخر، إذ إن توقيت التغيير يضع المؤسسة الانتخابية أمام اختبار مبكر لمدى قدرتها على الانتقال من إدارة استحقاق تشريعي وطني إلى التحضير لانتخابات محلية واسعة النطاق، تتوزع عملياتها عبر البلديات والولايات، وتتشابك فيها الاعتبارات القانونية والتنظيمية والسياسية والاجتماعية بصورة أكثر تعقيداً. ومن هنا، فإن اسم ساعد عروس يدخل المشهد في لحظة تحتاج فيها السلطة الانتخابية إلى قدر كبير من الجاهزية والانضباط المؤسساتي.
تغيير في رأس السلطة قبل استحقاق جديد
القرار الرئاسي حمل رسالتين واضحتين على المستوى المؤسساتي: الأولى إنهاء مرحلة التسيير بالنيابة التي كان يتولاها كريم خلفان، والثانية الانتقال إلى رئاسة كاملة للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بتعيين ساعد عروس. وقد جاء الإعلان عن التعيين في 24 أغسطس 2026، وفق بيان رئاسة الجمهورية، بعد توقيع المرسومين الرئاسيين في اليوم نفسه.
وتكتسب مسألة انتهاء عهدة التسيير بالنيابة أهمية خاصة بالنظر إلى أن كريم خلفان كان قد اضطلع خلال الأشهر السابقة بمسؤوليات مباشرة في قيادة الهيئة، وأشرف على اجتماعات ومتابعة جاهزية هياكلها على المستوى المحلي، خصوصاً في سياق التحضير للانتخابات التشريعية التي جرت في 2 جويلية 2026. وفي مايو الماضي، عقد خلفان اجتماعاً مع المنسقين الولائيين للوقوف على جاهزية السلطة على المستوى المحلي، كما ترأس اجتماعاً لمجلس السلطة تناول الزيارات الميدانية إلى الولايات المستحدثة ومدى استعدادها للاستحقاق التشريعي.
وهذا السياق يجعل الانتقال إلى رئاسة جديدة أكثر من مجرد تغيير في الاسم، لأنه يحدث بعد تجربة انتخابية وطنية واسعة، وفي وقت تحتاج فيه الهيئة إلى الاستفادة من حصيلة تلك التجربة ومعالجة مكامن الخلل التي ظهرت خلالها، خصوصاً أن الانتخابات المحلية المقبلة ستضعها أمام شبكة عمليات أكثر انتشاراً على المستوى الجغرافي، وأكثر التصاقاً بالمجالس المنتخبة وبالحياة اليومية للمواطنين.
لماذا تحظى المحليات بأهمية سياسية خاصة؟
تختلف الانتخابات المحلية عن التشريعيات من حيث طبيعة المنافسة والرهانات. ففي حين ترتبط الانتخابات التشريعية بتشكيل المجلس الشعبي الوطني وتحديد موازين القوى داخل المؤسسة البرلمانية، ترتبط المحليات مباشرة بإدارة الشأن العام على مستوى البلديات والولايات، من خلال المجالس الشعبية البلدية والمجالس الشعبية الولائية. ولهذا فإن نتائجها تنعكس بصورة مباشرة على العلاقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة في محيطه الجغرافي. وتأتي هذه الانتخابات في أعقاب تشريعيات 2 جويلية التي أعلنت المحكمة الدستورية نتائجها النهائية في 18 جويلية الماضي، بعد دراسة الطعون المقدمة عقب النتائج المؤقتة.
وتشير المعطيات التي نشرتها وسائل إعلام جزائرية محلية إلى أن الانتخابات المحلية المرتقبة يجري التحضير لها على أساس تنظيمها في نوفمبر المقبل، مع ترقب استدعاء الهيئة الناخبة في نهاية أغسطس، على أن تبدأ بعد ذلك المراحل القانونية المرتبطة بالمراجعة الاستثنائية للقوائم الانتخابية واستقبال ملفات الترشح. غير أن الموعد النهائي للاقتراع يظل مرتبطاً بالمرسوم الرئاسي الخاص باستدعاء الهيئة الناخبة، وهو ما يجعل الحديث عن نوفمبر في هذه المرحلة إطاراً زمنياً متداولاً في المعطيات الإعلامية وليس بديلاً عن الإعلان الرسمي النهائي.
ومن الناحية السياسية، فإن المحليات تمثل اختباراً أكثر قرباً من المجتمع بالنسبة للأحزاب والقوائم الانتخابية، لأنها تضع المتنافسين أمام الناخبين في فضاءات انتخابية أصغر وأكثر ارتباطاً بالواقع المحلي. فالمرشح في البلدية أو الولاية لا يخاطب جمهوراً وطنياً واسعاً، بل يدخل في منافسة ترتبط بالثقة الشخصية، والخدمات العمومية، والتنمية المحلية، وتسيير الموارد، والقدرة على الاستجابة للمشكلات اليومية للسكان. وهذه الطبيعة تجعل إدارة العملية الانتخابية المحلية شديدة الحساسية، ليس فقط من الناحية القانونية، وإنما من حيث بناء الثقة في النتائج أيضاً.
سلطة الانتخابات أمام مرحلة مختلفة
منذ إنشاء السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، ارتبط وجودها بمحاولة إرساء إدارة انتخابية مستقلة عن الإدارة التقليدية للانتخابات، ومنح العملية الانتخابية إطاراً مؤسساتياً يتولى الإشراف على مراحلها المختلفة. ومع التطورات التشريعية الأخيرة، أصبحت بنية السلطة نفسها موضع تعديل، بما في ذلك طريقة تنظيم هياكلها المحلية وعدد أعضاء مجلسها.
وتكشف التعديلات الأخيرة على الإطار القانوني للسلطة عن اتجاه نحو إعادة ضبط بنيتها بما يتلاءم مع متطلبات إدارة الانتخابات، إذ تنص التعديلات المنشورة في الجريدة الرسمية على وجود منسق ولائي على مستوى كل ولاية، ومنسق بلدي على مستوى كل بلدية، تحت إشراف المنسق الولائي، إضافة إلى المنسقين والمندوبين على مستوى الممثليات الدبلوماسية والقنصلية بالخارج. وتضطلع هذه الهياكل بمهام مرتبطة بالمراجعة الدورية والاستثنائية للقوائم الانتخابية وبمختلف مراحل الاقتراع.
وهنا تظهر إحدى أهم القضايا التي سيجدها الرئيس الجديد أمامه: القدرة على تحويل البناء القانوني والمؤسساتي للسلطة إلى أداء ميداني متماسك. فالمحليات لا تختبر فقط المركز في العاصمة، وإنما تختبر سلسلة طويلة من الهياكل والمنسقين والموظفين واللجان، وتضع أمامهم آلاف الملفات والبيانات والقوائم والطعون والإجراءات التي يجب أن تتحرك وفق آجال قانونية دقيقة.
من تجربة التشريعيات إلى درس المحليات
شهدت الانتخابات التشريعية التي جرت في جويلية 2026 سلسلة من العمليات التي وضعت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أمام تحديات تنظيمية واسعة. فقد بدأت العملية مبكراً باستدعاء الهيئة الناخبة، ثم مراجعة القوائم الانتخابية، واستقبال ملفات الترشح، ودراسة القوائم، وصولاً إلى الاقتراع وإعلان النتائج المؤقتة ثم التعامل مع المسار الخاص بالطعون.
وكانت السلطة قد أعلنت في أبريل جاهزيتها لتنظيم التشريعيات، فيما أظهرت البيانات الصادرة عنها خلال مراحل التحضير حجم العمل المطلوب على المستوى المحلي، بما في ذلك متابعة الجاهزية في الولايات وزيارات أعضاء مجلس السلطة إلى الولايات المستحدثة. وهذه المعطيات تعكس أن العملية الانتخابية الحديثة لم تعد تقتصر على يوم الاقتراع، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تبدأ قبل ذلك بفترة طويلة وتنتهي بعد إعلان النتائج والتعامل مع الطعون والإجراءات القانونية ذات الصلة.
وفي القراءة السياسية، فإن الانتقال من التشريعيات إلى المحليات يمنح القيادة الجديدة للسلطة فرصة لتقييم تجربة الأشهر الماضية، ليس فقط على مستوى النتائج، وإنما على مستوى الإجراءات. فنجاح أي هيئة انتخابية لا يقاس بعدد الصناديق التي وصلت إلى مراكز الفرز فحسب، بل بمدى وضوح المسار بالنسبة للمرشحين والأحزاب، وسلاسة الإجراءات بالنسبة للناخبين، وقدرة الهيئة على معالجة الاعتراضات والطعون ضمن الأطر القانونية، ثم تقديم صورة نهائية تحظى بالقبول المؤسساتي والسياسي.
ملف القوائم الانتخابية.. أول الاختبارات
من أبرز الملفات التي ستحتل موقعاً متقدماً في أجندة التحضير للمحليات ملف القوائم الانتخابية. فالمراجعة الاستثنائية تمثل مرحلة أساسية في أي مسار انتخابي، لأنها ترتبط بتحديث بيانات الناخبين وضمان وجودهم في القوائم الصحيحة، وهي عملية تزداد أهميتها عندما يتعلق الأمر بانتخابات محلية تتوزع على مساحة جغرافية واسعة. وكانت السلطة قد أتاحت خلال العام الجاري خدمات إلكترونية تسمح للمسجلين بالتحقق من التسجيل ومعرفة رقم مكتب التصويت وعنوانه، إلى جانب طلب بعض الخدمات المرتبطة بالبطاقة الانتخابية وتحيين المعلومات.
وتزداد حساسية هذا الملف في ظل التغييرات التي شهدها التقسيم الإداري، وما يمكن أن يترتب عليها من ضرورة تحيين البيانات وربط الناخبين بالدوائر الانتخابية والهياكل المحلية المعنية. وفي الانتخابات المحلية تحديداً، فإن دقة القوائم لا تتعلق فقط بحق المواطن في التصويت، وإنما ترتبط كذلك بالتنظيم الجغرافي للعملية الانتخابية وتوزيع الناخبين على مراكز ومكاتب الاقتراع.
ومن ثم، فإن أي تأخير أو ارتباك في هذه المرحلة يمكن أن يتحول إلى ضغط إضافي على بقية مراحل المسار الانتخابي. ولهذا فإن إدارة الوقت ستكون عاملاً حاسماً أمام ساعد عروس وفريقه، خصوصاً إذا جرى استدعاء الهيئة الناخبة في الموعد المتوقع، لأن القانون يضع سلسلة من الآجال المتتابعة التي يجب احترامها منذ لحظة الاستدعاء وحتى يوم الاقتراع.
الترشحات.. اختبار ثانٍ أكثر تعقيداً
إذا كانت القوائم الانتخابية تمثل قاعدة العملية، فإن ملفات الترشح ستكون أحد أكثر الملفات حساسية. فالانتخابات المحلية بطبيعتها يمكن أن تشهد عدداً كبيراً من القوائم والمترشحين، بالنظر إلى اتساع عدد المجالس المعنية بالاقتراع، وهو ما يفرض على السلطة استعداداً تقنياً وبشرياً كبيراً لمعالجة الملفات والتحقق من استيفائها للشروط القانونية.
وتشير القراءة التي قدمتها مصادر إعلامية محلية إلى أن عملية جمع التوقيعات والمصادقة عليها كانت من بين النقاط التي أثارت صعوبات خلال التشريعيات الأخيرة، إلى جانب تحديات مرتبطة بمعالجة ملفات الترشح واعتماد القوائم النهائية. وهذه التجربة ستجعل ملف الترشحات في المحليات اختباراً عملياً لمدى قدرة السلطة على اختصار آجال المعالجة، وضمان المساواة بين مختلف المتنافسين، وتوفير معلومات واضحة حول الإجراءات المطلوبة.
وفي الانتخابات المحلية، تكتسب هذه العملية بعداً إضافياً، لأن كثرة القوائم المحتملة تعني أن أي خلل صغير في آلية الاستقبال أو التحقق يمكن أن يتضاعف على المستوى الوطني. ولذلك فإن نجاح الإدارة الانتخابية في بناء منظومة استقبال ومعالجة واضحة وفعالة سيكون جزءاً أساسياً من اختبار القيادة الجديدة للسلطة.
ساعد عروس.. من البرلمان إلى إدارة الاستحقاق الانتخابي
تعيين ساعد عروس يكتسب كذلك دلالة من خلفيته المهنية والسياسية. فقد وصفته وسائل إعلام محلية بأنه محامٍ وبرلماني سابق، وهو ما يمنحه خبرة في العمل المؤسساتي والسياسي في وقت تنتقل فيه السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات إلى مرحلة تحتاج إلى إدارة دقيقة للعلاقة مع الأحزاب والقوائم والمترشحين ومختلف الأطراف المشاركة في العملية الانتخابية.
غير أن الانتقال من العمل البرلماني والسياسي إلى قيادة هيئة انتخابية يفرض طبيعة مختلفة تماماً من المسؤولية. فالسلطة مطالبة بالوقوف على مسافة واحدة من جميع المتنافسين، وبإدارة الإجراءات وفق القانون، بعيداً عن الحسابات المرتبطة بالمنافسة السياسية نفسها. ولذلك فإن خلفية الرئيس الجديد يمكن أن تكون رصيداً من حيث فهم طبيعة العمل السياسي، لكنها في الوقت ذاته تضعه أمام مسؤولية أكبر في تكريس صورة الحياد والاستقلالية في إدارة الاستحقاق المقبل.
وهذا المعنى برز بوضوح عقب استقبال الرئيس تبون لرئيس السلطة الجديد في 26 أغسطس، حيث أكد ساعد عروس، وفق ما نقلته مصادر إعلامية جزائرية، أن السلطة ستعمل بكل استقلالية ومسؤولية بما يعزز نزاهة الانتخابات. واللافت هنا أن الرسالة الأولى للرئيس الجديد جاءت مرتبطة مباشرة بمفهومي الاستقلالية والنزاهة، وهما عنصران أساسيان في بناء الثقة في أي إدارة انتخابية.
الرسالة السياسية من التغيير
سياسياً، لا يمكن قراءة تعيين ساعد عروس بمعزل عن المرحلة التي تمر بها الجزائر. فقد شهد عام 2026 انتخابات تشريعية، وتستعد البلاد الآن لاستحقاق محلي، بينما تواصل السلطة إعادة ضبط الإطار التنظيمي والقانوني الذي يحكم إدارة الانتخابات. وبالتالي، فإن تغيير القيادة في هذا التوقيت يفتح الباب أمام مرحلة يُنتظر أن يكون عنوانها الرئيسي رفع الجاهزية والاستفادة من الخبرة المتراكمة خلال الاستحقاق السابق.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار يمثل تحولاً في التوجه السياسي للدولة، إذ لا توجد في المعطيات الرسمية المنشورة التي رافقت التعيين إشارة إلى أسباب سياسية محددة وراء إنهاء تكليف كريم خلفان أو تعيين ساعد عروس. الثابت رسمياً هو صدور مرسومين: الأول أنهى التكليف بالنيابة، والثاني عيّن رئيساً جديداً للسلطة. أما ما يتجاوز ذلك من قراءات سياسية فيبقى ضمن نطاق التحليل وليس المعلومة الرسمية.
لكن التوقيت يمنح القرار وزناً سياسياً لا يمكن تجاهله. فالانتخابات المحلية المقبلة ستكون أول استحقاق كبير يديره ساعد عروس منذ بداية توليه رئاسة السلطة، وستكون نتائج الإدارة التنظيمية للعملية معياراً مبكراً للحكم على قدرة القيادة الجديدة على التعامل مع تحديات الميدان، خصوصاً في ما يتعلق بالآجال القانونية، والتنسيق المحلي، ومعالجة الملفات، والطعون، وإعلان النتائج.
اختبار الثقة بين المواطن والمؤسسة
يبقى التحدي الأعمق أمام السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات هو الثقة. فالعملية الانتخابية لا تنتهي بمجرد تنظيم الاقتراع، وإنما تستمد مشروعيتها العملية من شعور الناخب والمترشح والحزب بأن القواعد واحدة، وأن الإجراءات واضحة، وأن المؤسسات قادرة على التعامل مع مختلف الحالات بالحياد نفسه. وفي هذا الإطار، يصبح أداء السلطة في المحليات أكثر حساسية، لأن الانتخابات المحلية تمس مباشرة تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.
كما أن اتساع الخريطة الانتخابية يجعل التواصل المؤسساتي عاملاً حاسماً. فكلما كانت المعلومات المتعلقة بالتسجيل والترشح ومواعيد الإجراءات والطعون واضحة وميسرة، تراجعت مساحة التأويل والاحتكاك الإداري، وكلما كانت قنوات التواصل أكثر سرعة وشفافية، زادت قدرة الهيئة على إدارة العملية بعيداً عن الأزمات التي قد تنشأ بسبب نقص المعلومات. وقد أظهرت تجربة 2026 بالفعل أهمية الخدمات الرقمية والتحقق الإلكتروني من بيانات التسجيل في تسهيل وصول الناخبين إلى المعلومات الانتخابية.
بين الإصلاح القانوني والاختبار الميداني
تأتي المحليات المقبلة أيضاً في ظل تعديلات على الإطار القانوني المنظم للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وهي تعديلات تمس طريقة تمثيل الهيئة على المستوى المحلي وتحدد أدوار المنسقين الولائيين والبلديين. وهذه النقطة بالذات ستضع القيادة الجديدة أمام تحدي ترجمة النصوص القانونية إلى آليات عمل ميدانية فعالة، خصوصاً أن المنسقين يمثلون الحلقة الأساسية بين المركز والهياكل الانتخابية المحلية.
وتكمن أهمية هذه التعديلات في أنها تأتي قبل استحقاق محلي يحتاج بطبيعته إلى حضور قوي للهيئة خارج العاصمة. فنجاح الانتخابات لا يمكن أن يصنع مركزياً فقط؛ إذ يتطلب وجوداً فعلياً في كل ولاية وبلدية، وقدرة على متابعة القوائم والملفات والمراكز والمكاتب والنتائج، إضافة إلى الاستجابة السريعة للملاحظات والشكاوى التي قد تظهر أثناء مراحل العملية.
ومن هذه الزاوية، فإن تعيين ساعد عروس يمكن أن يُقرأ باعتباره بداية مرحلة اختبار للمؤسسة أكثر من كونه مجرد تغيير في القيادة. فالمطلوب ليس فقط إدارة يوم الاقتراع، وإنما بناء مسار كامل يبدأ من القوائم الانتخابية ولا ينتهي إلا بإعلان النتائج النهائية واستكمال الإجراءات القانونية ذات الصلة.
المحليات.. امتحان مبكر للرئيس الجديد
مع اقتراب الاستحقاق المحلي، ستتجه الأنظار تدريجياً إلى السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات باعتبارها المؤسسة التي ستدير هذا المسار. وستكون أمامها ملفات عديدة ومتزامنة: تحيين القوائم الانتخابية، استقبال ودراسة الترشحات، تنظيم الحملة، ضمان احترام قواعد المنافسة، تجهيز مراكز ومكاتب الاقتراع، إدارة يوم التصويت، ثم فرز الأصوات وإعلان النتائج والتعامل مع الطعون. وهذه السلسلة الطويلة تعني أن أي تقييم للقيادة الجديدة لن يكون مرتبطاً بقرار واحد، بل بأداء مؤسساتي يمتد لأسابيع وربما أشهر.
والرهان هنا لا يقتصر على السلطة وحدها. فالأحزاب والقوائم والمترشحون سيكونون شركاء في إنجاح العملية من خلال احترام الآجال والقواعد القانونية، بينما يظل الناخب محور العملية برمتها. وكلما تمكنت المؤسسات السياسية والإدارية والانتخابية من العمل ضمن قواعد واضحة، أصبحت المنافسة أكثر قابلية للإدارة، وأصبح الحكم على النتائج أكثر ارتباطاً بالصندوق نفسه بدلاً من الجدل حول الإجراءات.
وفي نهاية المطاف، فإن المحليات المقبلة ستكون اختباراً عملياً لفكرة استقلالية الإدارة الانتخابية في الجزائر، ليس من خلال الشعارات، وإنما من خلال قدرتها على تطبيق القانون على الجميع، وإدارة المنافسة بمسافة واحدة، وضمان وصول المعلومات إلى المواطنين، والتعامل مع الطعون والاعتراضات وفق الآليات المحددة قانوناً. وهي عناصر ستحدد إلى حد كبير صورة السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في المرحلة المقبلة.
مرحلة جديدة تبدأ من رأس الهرم
يأتي تعيين ساعد عروس إذاً في لحظة انتقال بين استحقاقين انتخابيين: تشريعيات انتهت نتائجها النهائية، ومحليات تستعد الجزائر لدخول مسارها التحضيري. وبينهما تقف السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أمام فرصة لإعادة ترتيب أدواتها، واستخلاص الدروس من التجربة السابقة، وتحويل التعديلات القانونية والتنظيمية إلى أداء أكثر سرعة واتساقاً على الأرض.
أما الرسالة الأهم التي ستخرج من الاستحقاق المقبل فلن تكون مرتبطة فقط بمن يفوز في البلديات والولايات، وإنما بكيفية إدارة المنافسة نفسها. فالمجالس المحلية هي الأقرب إلى المواطن، ونتائجها تتصل مباشرة بمستوى الخدمات والتنمية المحلية وإدارة الشأن العام، ولذلك فإن نزاهة العملية الانتخابية ووضوحها وشفافيتها ستكون جزءاً من المعادلة السياسية والاجتماعية الأوسع.
وبالنسبة إلى ساعد عروس، فإن الرئاسة الجديدة لا تمنحه وقتاً طويلاً للتجربة والتدرج؛ فالمحليات تفرض إيقاعها سريعاً، والاستحقاق المقبل سيضع قراراته وهياكل السلطة وقدرتها على التنسيق والرقابة أمام الاختبار. وإذا كانت التصريحات الأولى قد حملت تعهداً بالعمل باستقلالية ومسؤولية وتعزيز نزاهة الانتخابات، فإن التحدي الحقيقي سيكون تحويل هذه المبادئ إلى ممارسة ملموسة يشعر بها الناخب والمترشح والحزب على حد سواء.
وهكذا، فإن قرار عبد المجيد تبون إنهاء تكليف كريم خلفان وتعيين ساعد عروس لا يقف عند حدود تغيير اسم على رأس مؤسسة انتخابية، بل يأتي في نقطة مفصلية من الرزنامة السياسية الجزائرية لعام 2026. وبينما تقترب البلاد من المحليات المرتقبة، سيكون أمام الرئيس الجديد للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات مهمة مزدوجة: إدارة استحقاق واسع ومعقد من الناحية التنظيمية، واستعادة وتعزيز الثقة في قدرة المؤسسة على إدارة المنافسة الانتخابية وفق القانون وبأعلى قدر من الاستقلالية والحياد. وفي ذلك تحديداً ستتبلور الصورة السياسية الحقيقية للمرحلة المقبلة.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق