الجزائر والتشيك.. منتدى الأعمال يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار والشراكة
احتضنت الجزائر العاصمة أشغال منتدى الأعمال الجزائري التشيكي، تحت الإشراف المشترك للوزير الأول الجزائري، سيفي غريب، ونظيره التشيكي أندريه بابيش، الذي يقوم بزيارة رسمية إلى الجزائر على رأس وفد هام يضم مسؤولين ورجال أعمال ومتعاملين اقتصاديين من جمهورية التشيك. ويأتي هذا اللقاء في سياق تنامي الاتصالات بين البلدين، بهدف إعطاء دفع جديد للتعاون الاقتصادي وتوسيع مجالات الشراكة والاستثمار بما يتناسب مع الإمكانات التي يمتلكها الجانبان.
وشهد المنتدى مشاركة وفدي البلدين، إلى جانب رجال أعمال ومؤسسات اقتصادية جزائرية وتشيكية تنشط في قطاعات متنوعة، حيث شكل اللقاء فرصة لبحث آفاق التعاون التجاري والصناعي، واستكشاف فرص إطلاق مشاريع مشتركة قائمة على المصالح المتبادلة، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتعزيز القيمة المضافة للاقتصادين.
وفي كلمته الافتتاحية، رحب الوزير الأول سيفي غريب بالوفد الاقتصادي التشيكي، معربًا عن تطلعه إلى أن تسهم الزيارة في توطيد العلاقات الثنائية والارتقاء بها إلى مستوى الطموحات المشتركة. كما وجّه تهانيه إلى الجانب التشيكي بمناسبة اقتراب الاحتفال بالعيد الوطني لجمهورية التشيك، الموافق لـ28 أكتوبر، متمنيًا للشعب التشيكي مزيدًا من التقدم والازدهار.
علاقات تاريخية تستند إلى الثقة والاحترام المتبادل
أكد سيفي غريب أن العلاقات الجزائرية التشيكية تستند إلى جذور تاريخية راسخة، قوامها الثقة والاحترام المتبادلان، مشيرًا إلى أن بداياتها تعود إلى الدعم الذي قدمته جمهورية تشيكوسلوفاكيا للثورة التحريرية الجزائرية، قبل أن تتطور بعد استقلال الجزائر لتشمل مجالات متعددة، وفي مقدمتها التعاون الاقتصادي.
وأوضح أن العلاقات بين البلدين تعززت عبر إبرام اتفاقيات ثنائية أرست الأسس القانونية والمؤسساتية للتعاون في مجالات التجارة والنقل الجوي والتعاون الاقتصادي والعلمي والتقني. كما توسع هذا الإطار بعد قيام جمهورية التشيك، من خلال اتفاقيات أخرى شملت ترقية الاستثمارات وحمايتها، والتعاون الاقتصادي والصناعي، وإنشاء اللجنة المشتركة للتعاون.
وفي امتداد لهذا المسار، شهدت الزيارة الرسمية الحالية توقيع مذكرات تفاهم جديدة في قطاعات المناجم والثقافة والحماية المدنية، بما يوسع مجالات التعاون الثنائي ويدعم الأطر المنظمة له. وتعكس هذه الخطوات، بحسب ما جاء في كلمة الوزير الأول، إرادة مشتركة لتعزيز العلاقات الاقتصادية وتطويرها على أسس أكثر تنوعًا واستدامة.
اتفاقيات جديدة لدعم الشراكات بين المؤسسات
لم يقتصر تطور العلاقات الجزائرية التشيكية على الاتصالات الحكومية، بل امتد إلى أوساط الأعمال والمؤسسات الاقتصادية، من خلال تنظيم لقاءات وفعاليات ثنائية تهدف إلى تقريب المتعاملين الاقتصاديين وتحديد فرص التعاون الممكنة.
وفي هذا السياق، استحضر الوزير الأول منتدى الأعمال الجزائري التشيكي المنعقد في فبراير 2025، والذي شهد توقيع مذكرة تفاهم بين شركة Zetor Tractors ووحدة Unia DZ لإنتاج العتاد الفلاحي في الجزائر، إلى جانب مذكرة تفاهم أخرى بين شركة SVCS Process Innovation ومركز تنمية التكنولوجيات المتطورة.
وتعكس هذه الاتفاقيات توجهًا نحو توسيع التعاون من المبادلات التجارية التقليدية إلى مشاريع إنتاجية وتكنولوجية يمكن أن تسهم في تطوير القدرات الصناعية، وتعزيز نقل المعرفة، وفتح المجال أمام شراكات طويلة الأمد بين المؤسسات الجزائرية والتشيكية.
كما أشار سيفي غريب إلى التطلعات المرتبطة بمشاريع التعاون القائمة بين شركة Škoda Transportation ومؤسسة سيترام (SETRAM)، معربًا عن الأمل في أن تتطور هذه المشاريع إلى شراكة صناعية واستثمارية نموذجية في مجال تصنيع معدات النقل داخل الجزائر.
وتندرج هذه المساعي ضمن توجه يرمي إلى الاستفادة من الخبرة الصناعية التشيكية، وتطوير القدرات المحلية في قطاعات استراتيجية، بما يتيح للمؤسسات الجزائرية فرصًا أوسع للمشاركة في المشاريع الصناعية ونقل التكنولوجيا والخبرات.
مجلس أعمال جزائري تشيكي لتقريب المستثمرين
احتل إنشاء مجلس أعمال جزائري تشيكي مكانة مهمة ضمن مخرجات المنتدى، عقب التوقيع على مذكرة تفاهم بين الغرفة الجزائرية للتجارة والصناعة والغرفة التجارية لجمهورية التشيك، بهدف إرساء إطار مؤسساتي دائم للتواصل بين المتعاملين الاقتصاديين في البلدين.
ويُنتظر أن يساهم المجلس في تسهيل تبادل المعلومات الاقتصادية والتجارية، وتحديد الفرص الاستثمارية، وتشجيع المؤسسات على إقامة شراكات منتجة ومستدامة. كما من شأنه أن يوفر آلية عملية لتقريب وجهات النظر بين رجال الأعمال، ومتابعة المبادرات المشتركة، وتحويل الاهتمام المتبادل إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.
وشدد الوزير الأول على أهمية تفعيل هذا المجلس في أقرب الآجال حتى يتمكن من أداء دوره بوصفه جسرًا للتواصل والتعاون بين الأوساط الاقتصادية الجزائرية والتشيكية.
كما أكد المشاركون أهمية تكثيف اللقاءات بين المؤسسات ورجال الأعمال، وتطوير قنوات الاتصال المباشر، بما يسمح بتحديد الاحتياجات الفعلية للأسواق، واستكشاف فرص التعاون الصناعي والتجاري، وتشجيع الاستثمار المتبادل على أسس واضحة تحقق المنفعة للطرفين.
ارتفاع المبادلات التجارية إلى 323 مليون دولار
على صعيد المبادلات التجارية، أشار سيفي غريب إلى أن حجم التجارة بين الجزائر وجمهورية التشيك سجل تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع من نحو 139 مليون دولار سنة 2024 إلى قرابة 323 مليون دولار سنة 2025.
ورغم أهمية هذا التطور، أوضح الوزير الأول أن الأرقام المسجلة لا تزال دون مستوى الإمكانات الاقتصادية المتاحة لدى البلدين، كما أن تركيبة المبادلات التجارية الحالية لا تعكس التنوع الواسع للفرص التي يمكن استغلالها في إطار التعاون الثنائي.
وتبرز هذه المعطيات الحاجة إلى العمل على تنويع المنتجات والخدمات المتبادلة، وتوسيع قاعدة المؤسسات المشاركة في التجارة والاستثمار، وعدم حصر التعاون في عدد محدود من المجالات. كما يتطلب الارتقاء بالمبادلات التجارية تشجيع المبادرات المشتركة، وتطوير المشاريع الصناعية والإنتاجية، وتعزيز الروابط بين المؤسسات الاقتصادية في البلدين.
وأكدت مداخلات المشاركين في المنتدى أهمية مضاعفة الجهود لاستثمار الإمكانات التكاملية التي يمتلكها الطرفان، وتحويلها إلى شراكات عملية تساهم في تنمية المبادلات التجارية وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي.
نمو الاقتصاد الجزائري يعزز فرص الاستثمار
وفي عرضه لمقومات الاقتصاد الوطني، أكد الوزير الأول أن الإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها الجزائر بتوجيهات من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أسهمت في تعزيز أسس الاقتصاد وتحسين مناخ الأعمال وتوسيع آفاق الاستثمار، في إطار مسعى يستهدف تنويع مصادر النمو وزيادة مساهمة القطاعات المنتجة خارج المحروقات.
وفي هذا السياق، أوضح أن الناتج الداخلي الخام الجزائري سجل معدل نمو بلغ 3.9 بالمائة سنة 2025، فيما وصلت نسبة النمو خارج المحروقات إلى 4.9 بالمائة، وهي مؤشرات تعكس، وفق ما ورد في كلمته، التقدم المسجل في مسار تنويع الاقتصاد الوطني.
وتسعى الجزائر، من خلال هذه الإصلاحات، إلى توسيع القاعدة الإنتاجية وتعزيز مساهمة مختلف القطاعات في النشاط الاقتصادي، مع تشجيع الاستثمارات القادرة على خلق القيمة المضافة وتوفير فرص العمل وتطوير القدرات المحلية.
وأشار غريب إلى أن هذه الديناميكية تتيح فرصًا أمام المستثمرين الأجانب، ومن بينهم المتعاملون الاقتصاديون التشيكيون، للمشاركة في مشاريع استراتيجية والاستفادة من المزايا التي يوفرها السوق الجزائري، لاسيما في المجالات الصناعية والإنتاجية التي تحتاج إلى الخبرات والتكنولوجيات المتطورة.
غارا جبيلات والفوسفات المدمج.. مشاريع استراتيجية واعدة
وتطرق الوزير الأول إلى المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تعرف تقدمًا في الإنجاز، وفي مقدمتها مشروع استغلال منجم الحديد بغارا جبيلات في ولاية تندوف، ومشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة في ولاية تبسة.
وتشكل هذه المشاريع، وفق العرض المقدم خلال المنتدى، قاعدة واعدة لتطوير الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة العالية، وتعزيز الصادرات الجزائرية خارج قطاع المحروقات، إلى جانب توسيع فرص الاستثمار في الأنشطة المرتبطة بالموارد المنجمية.
وفي هذا الإطار، أشار سيفي غريب إلى الاتصالات الجارية لاستكشاف سبل مساهمة الشركات التشيكية في جهود تحديث القطاع المنجمي، وتحسين مردوديته وتعزيز قدرته التنافسية.
ويمكن للتعاون في هذا المجال أن يفتح آفاقًا أمام المؤسسات المتخصصة في المعدات والتكنولوجيا والخدمات الصناعية، بما يدعم تطوير المشاريع المنجمية ويعزز الاستفادة الاقتصادية من الموارد الوطنية. كما ينسجم هذا التوجه مع مسعى الجزائر إلى توسيع الصناعات التحويلية المرتبطة بالمواد الأولية بدل الاكتفاء بتصديرها في صورتها الخام.
مزايا تنافسية تجعل الجزائر وجهة للاستثمار
وسلط الوزير الأول الضوء على مجموعة من المقومات التي تجعل الجزائر سوقًا واعدة أمام المستثمرين والشركاء الاقتصاديين، وفي مقدمتها اتساع السوق الوطنية، وتوفر الموارد البشرية الشابة والمؤهلة، والموارد الطاقوية بأسعار تنافسية، فضلًا عن الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط أوروبا بإفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط.
كما أشار إلى مواصلة تطوير البنية التحتية الوطنية من خلال مشاريع في مجالات الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمطارات والربط الرقمي، وهي استثمارات تستهدف دعم حركة الأشخاص والبضائع، وتحسين الربط بين المناطق، وتعزيز اندماج الجزائر في محيطها الإقليمي والقاري.
وتكتسب هذه المقومات أهمية إضافية في ضوء الفرص التي توفرها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، إذ يمكن أن تسهم في دعم توجه المؤسسات المنتجة نحو الأسواق الإفريقية، وتوسيع فرص التصدير أمام الشركات التي تختار الجزائر قاعدة للإنتاج والاستثمار.
وفي ما يتعلق بمناخ الأعمال، أكد غريب استمرار الجهود الرامية إلى تحسين البيئة الاستثمارية من خلال تحديث المنظومة التشريعية والتنظيمية، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز الضمانات الممنوحة للمستثمرين الوطنيين والأجانب.
كما أشار إلى العمل على استكمال التدابير اللازمة لتفعيل الشباك الوحيد للاستثمار، بهدف تسريع معالجة الملفات وتسهيل تجسيد المشاريع على أرض الواقع، بما يعزز جاذبية السوق الجزائرية أمام المؤسسات الراغبة في إطلاق أنشطة إنتاجية أو توسيع استثماراتها.
قطاعات ذات أولوية للشراكة الجزائرية التشيكية
حدد المنتدى مجموعة واسعة من المجالات التي يمكن أن تشكل قاعدة لتطوير الشراكة الاقتصادية الجزائرية التشيكية، بالنظر إلى التكامل بين الموارد والإمكانات الجزائرية والخبرة الصناعية والتكنولوجية التي راكمتها جمهورية التشيك.
وتشمل هذه المجالات الصناعة بمختلف فروعها، والصناعة الميكانيكية، وصناعة المركبات ومكوناتها، والزراعة والصناعات الغذائية، والصناعات الصيدلانية، والطاقات المتجددة، والمناجم، والسياحة، والصيد البحري، إلى جانب الاقتصاد الرقمي وتكنولوجيات الإعلام والاتصال.
وتحظى هذه القطاعات بأهمية ضمن استراتيجية التنمية الاقتصادية في الجزائر، بالنظر إلى دورها المحتمل في تنويع النشاط الإنتاجي، وخلق القيمة المضافة، وتطوير القدرات الصناعية والتكنولوجية، وتعزيز فرص التصدير.
كما تتيح الشراكات في هذه المجالات فرصًا لتبادل الخبرات والتجارب، والاستفادة من التقنيات الحديثة، وتطوير المنتجات والخدمات بما يتماشى مع احتياجات الأسواق. ويُنتظر أن يؤدي تكثيف التواصل بين المؤسسات الاقتصادية في البلدين إلى تحديد المشاريع الأكثر قابلية للتجسيد، وتطوير مبادرات تستند إلى المصالح المشتركة.
وأكد المشاركون أن تحويل هذه الفرص إلى نتائج ملموسة يتطلب دورًا فاعلًا من رجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية، من خلال بناء علاقات مباشرة، وتبادل المعلومات، ودراسة المشاريع المشتركة، وتطوير شراكات تقوم على نقل المعرفة والتكنولوجيا وتحقيق منافع اقتصادية مستدامة.
نحو مرحلة جديدة من التعاون والاستثمار
يعكس انعقاد منتدى الأعمال الجزائري التشيكي رغبة الجانبين في توسيع نطاق العلاقات الاقتصادية، والاستفادة من الإمكانات التي لم تُستغل بعد بالشكل الكافي. فالتقدم المسجل في المبادلات التجارية، وتوقيع مذكرات التفاهم الجديدة، والاتفاق على إنشاء مجلس أعمال مشترك، تمثل خطوات يمكن البناء عليها لتطوير التعاون بين المؤسسات ورجال الأعمال.
كما تتيح الزيارة الرسمية للوزير الأول التشيكي والوفد المرافق له فرصة لتعزيز التواصل المباشر بين الجانبين، وتحديد مجالات جديدة للتعاون في قطاعات الصناعة والمناجم والنقل والتكنولوجيا وغيرها من الأنشطة ذات الأولوية.
وفي ختام كلمته، أعلن سيفي غريب الافتتاح الرسمي لأشغال المنتدى، معربًا عن أمله في أن يشكل هذا الموعد محطة جديدة نحو شراكة اقتصادية أكثر ديناميكية وطموحًا، تعكس عمق علاقات الصداقة والتعاون بين الجزائر وجمهورية التشيك، وتدعم التنمية والازدهار في البلدين.
وتبقى الخطوة الأساسية خلال المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة المؤسسات الاقتصادية على تحويل الاتفاقيات والتفاهمات إلى مشاريع عملية، وتوسيع المبادلات التجارية، وتعزيز الاستثمار المنتج، بما يرسخ أسس تعاون اقتصادي متنوع ومستدام بين الجزائر والتشيك.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق