المثقف الملتزم بين الثقافة والحرية والمسؤولية
بقلم اعمر سطايحي : قبل أن نتعرّف على ما تعنيه كلمة المثقف، حريّ بنا معرفة معنى الثقافة. ولعلّه من النادر، أن نجد كلمة تعددت تعاريفها ومفاهيمها مثل الثقافة؛ وذلك تبعا لتنوّع المدارس اللغوية والأدبية والمذاهب الفنّية والإيديولوجيات…
الثقافة في مدلولها الشامل والخاص
فالثقافة في مدلولها الشامل، هي الخلاصة المعرفية والسلوكية، للمواريث والمعارف، التي يكتسبها المرء أو المجتمع، من خلال خبراته وتجاربه.. وهذا ما يجعل الثقافة، شبيهة بنهر دائم الجريان، وعنه تتفرّع مجار وسواق.
أما الثفافة كمدلول خاص، فنقصد بها مجموع المتعلّمين، ممن تخرّجوا في الجامعات والمعاهد العليا، على أساس أنهم إكتسبوا معارف ثرية، ويتمتّعون بزاد علميّ.. وهنا وجب توضيح أمر، في غاية الأهمية، وهو أن المثقفين يُعدّون بالآلاف، بل بالملايين، وفيهم المثقفون وأنصاف المثقفين، بناء على الإيجابية والسلبية، الإلتزام واللاإلتزام. ذلك أنّ الثقافة ليست كمّا من المعارف، ولا شهادات ورقية، إنّما معيار المثقف، سلوكا والتزاما، قبل الزاد المعرفيّ.
مفهوم الالتزام عند المثقف
فما مفهوم الإلتزام عند المثقف؟ هو أن يُسخر ثقافته، في خدمة مجتمعه والإنسانية، وذلك حين يشارك الآخَرين أحلامهم وآمالهم، ويعالج قضايا المجتمع، تشخيصا وتحليلا ونقدا وتوجيها… وفي هذا الصدد، بودّدنا تصحيح مفهوم خاطئ، لمّا نحصر ظاهرة الإلتزام، في فئة الكُتاب والشعراء والفنانين، ونضرب صفحا عن الموظف في مكتبه والمدير والأستاذ في مدرستهما، والطبيب في عيادته، والمهندس في مكتبه وورشته، والإعلاميّ في مؤسسته… هؤلاء جميعهم معنيين بالإلتزام، خاصة وأنّ المثقفين، نجوم يهتدي بهم المجتمع.
بين الالتزام والإلزام
على الرغم من تجانس الكلمتين، من حيث شكلهما، فإنّهما ثنائية متضادة؛ إذ لكل منهما دلالتها الخاصة؛ فإذا كان الإلتزام قناعة شخصية، من غير إملاءات ولا ضغوطات، وبه يبتغي المثقف الإصلاح والتوعية والتنوير، فإنّ الإلزام، تمليه على المثقف، إعتبارات من قبيل، جيهات خارجية، لخدمة مصالحها.. وهنا تنتفي حرية المثقف، الذي يصبح خادما مأمورا، كما هي حال المثقفين المأجورين! وهذا السلوك، لا يدخل في خانة الإلتزام.
مكوّنات الالتزام
نحصرها في ثلاث هي:
_ الإرادة المبنية على الإعتقاد الجازم.
_ القناعة التامة.
_ الحرية وهي الفضاء الرحب للمثقف، وهو يمارس عمله ويُعبّر عن قناعته، ليفجّر طاقته، بهدف الإصلاح والتغيير نحو الأفضل…
وهذا لا يعني أنّ المثقف الملتزم، يُلغي ذاته، بقدر ما يعني ذوبانا في الضمير الجمعي والتحاما بأفراده؛ لأنّ الإلتزام قبل أن يصبح فعلا وسلوكا، كان في الأصل طاقة كامنة واستعدادا في ذات المثقف.
بين الالتزام والواجب
يتقاطع صاحبا الإلتزام والواجب، في كونهما يقومان بالعمل نفسه، إنّما الفيصل بينهما، هي الناحية النفسية (النية) والإتقان والاَخلاص. لأنّ هناك فرقا بين مَن يُقيم صلاته، وِفق أركانها وسننها ومستحباتها ومندوباتها، وبين مَن يكتفي فيها بحركات رياضية، وهو في عجلة من أمره. وذلك هو الفرق بين مثقف ملتزم، ومثقف يؤدي واجبه.
كما لا نستطيع الحكم على مَن يؤدي واجبه، أنّه ملتزم، ولا سبيل لمعرفة نوايا المثقفين، خاصة المتمظهرين بقناع الإلتزام.. وهؤلاء هم الخطر ومنهم كل العطب؛ إذ ليس كل ما يلمع ذهبا. لكن المعيار الوحيد لمعرفة المثقف الملتزم، من غيره، هو الأثر الذي يتركه، في مجتمعه.
الالتزام والحرية
ترى فئة من المثقفين أنّ الإلتزام، يُقيّد حرية الإبداع. وهذا الرأي غير صحيح، ذلك أنّ المثقف الملتزم، هو مَن تملي عليه ثقافته هذا المبدأ، بعيدا عن الضغوطات والإملاءات الخارجية..
بل أبعد من ذلك، فكثير من المثقفين، مَن صودرت حرياتهم،بالنفي أو السجن ومع ذلك، ثبتوا على إلتزامهم،حين كتبوا أروع الرسائل والمذكرات والأشعار، من داخل السجون،نذكر منهم:
نماذج لمثقفين تمسكوا بالتزامهم رغم السجن
_ شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكرياء، فمن داخل سجن بربروس بالعاصمة،كتب قصائده، أبرزها النشيد الوطني الجزائري ” قسما” في سنة 1957
_ أحمد توفيق المدني، المفكر الوطني الجزائريّ،الذي إعتقلته السلطات الإستدمارية الفرنسية عدّة مرات، فكتب مقالات وكتبا تاريخية؛ لتعزيز الهوية الوطنية والتوعية بضرورة التحرر.
_ صُنع الله إبراهيم، الكاتب والمفكر المصريّ،الذي إعتُقل في ستينيات القرن الماضي،فكتب روايته ( تلك الرائحة)، التي أسست لأدب السجون،في الرواية العربية الحديثة.
_ نيلسون مانديلا، الذي قضى 27 سنة في سجنه،في جنوب إفريقيا،بسبب التمييز العنصري ( الأبارتايد ) حيث كتب رسائله ومذكراته، التي جُمعت في كتاب (رحلتي الطويلة من أجل الحرية)
_ ناظم حكمت، وهو من أبرز شعراء تركيا، وقد قضى 17 سنة في السجن؛ بسبب قصائده السياسية، ومن داخل السجن كتب قصائد عن الحب والحرية،والتي تُرجمت إلى عشرات اللغات.
المثقف الملتزم وخدمة المجتمع
هذه العينات وغيرها كثير، تُدحض ما يذهب إليه أنصاف المثقفين، الذين يُصدرون أحكاما خاطئة، من قبيل أنّ المثقف الملتزم، رهينة للسلطة الحاكمة! ومن منظورهم، أصبحت الوطنية تهمة وقراءة الكتاب تخلّفا، والكسب الحلال بلادة، والتحلي بالفضائل تحجّرا. أما المثقف الذي لا يجعل ثقافته، في خدمة المجتمع، فهو المتحرر والأنموذج، الذي يختار المعارضة، أو العيش في برج عاجٍ، لا يبالي بمن حوله، كأنّه غصن مقطوع من شجرة.!
المثقف العربي بين الانكسارات والأمل
وقد لا يجد المثقف الملتزم، في مجتمعه ما يعكس إلتزامه، ومع ذلك فمبدأ الإلتزام مُقدّم على مردوده، كما هي حال المثقف العربي، وهو يعيش الإنكسارات والخيبات، في أمة أنهكتها الفُرقة والخلافات، نتيجة السياسات العرجاء، التي جعلتها رهينة لغيرها من الأمم المتغطرسة.. ومع ذلك، ظل هذا المثقف ملتزما ومنخرطا، في خندق واحد مع أمته، إن في سرائها، وإن في ضرائها، وأمله في ذلك، أن تُشرق الشمس غدا، وهو يُمني نفسه بترديده:
أعلل النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل!
المثقف الملتزم.. ثقافة ومسؤولية وقيم
الحاصول: إنّ المثقف الملتزم، مرادف للإيجابية، فهو كالغيث أينما نزل نفع.. لا يبيع ذمّته ولا يقبل المساومة، في مبدأ إلتزامه؛ لأنه يتصرّف بدافع الحرية والمسؤولية والقيم الروحية والإجتماعية والوطنية والإنسانية. ويبقى مهيب الجانب، يخشاه المتجبّر والمتغطرس. وفي هذا المضمار تستوقفني مقولة ( جوزيف غوبلز)، وزير الدعاية، في عهد أدولف هتلر، حين قال: ” كلّما دخل مثقف إلى مكتبي، تحسيت مسدسي”.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق