الطارف

بالڤيديو: من الطارف إلى الفضاء المغاربي… كيف يعيد الشباب صياغة فكرة الوحدة؟

في الطارف، المدينة التي تبدو للوهلة الأولى هادئة على أطراف الجغرافيا، كان هناك شيء آخر يحدث بعيدًا عن الضجيج. لم يكن اللقاء المغاربي للشباب مجرد تظاهرة شبابية عادية، بل بدا أقرب إلى محاولة خجولة، لكنها جادة، لإعادة إحياء فكرة كادت أن تختفي من التداول: المغرب الكبير كفضاء مشترك، لا كشعار سياسي.

 

لغة مختلفة… خارج الخطاب الرسمي

اللافت في هذا اللقاء لم يكن عدد المشاركين، ولا حتى تنوعهم، بل اللغة التي سادت بينهم. لغة خالية من ثقل الخطابات الرسمية، ومتحررة من الحسابات الدبلوماسية، ومليئة بأسئلة مباشرة لا تجد طريقها عادة إلى القاعات المغلقة. كان واضحًا أن الشباب، حين يُمنح مساحة حقيقية، لا يعيد إنتاج ما قيل من قبل، بل يطرح ما لم يُطرح أصلًا.

من الشعارات إلى تفاصيل الحياة اليومية

داخل الورشات والأنشطة، لم يكن النقاش يدور حول “الوحدة المغاربية” كمفهوم نظري، بل حول تفاصيل الحياة اليومية: فرص العمل، التنقل، التعليم، وحتى الشعور بالانتماء. هذه البساطة الظاهرة كانت في الواقع تعبيرًا عن عمق المشكلة، لأن ما يطلبه هؤلاء الشباب ليس مشاريع كبرى، بل شروط حياة طبيعية داخل فضاء يفترض أنه مشترك (تقارير ميدانية، مصادر إعلامية جزائرية).

 

فجوة بين السياسة والواقع

ما كشفه اللقاء، بشكل غير مباشر، هو حجم الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي. فبينما ظلت فكرة الاتحاد المغاربي حبيسة المؤسسات لعقود، وجد الشباب أنفسهم اليوم يحاولون إعادة تعريفها من الأسفل، بعيدًا عن التعقيدات التي عطلتها طويلًا. لم يكن هناك حديث عن اتفاقيات أو قمم، بل عن تجارب شخصية، وعن رغبة بسيطة في التواصل، في السفر، في العمل، في معرفة الآخر دون وساطة.

 

الثقافة كجسر بديل

الثقافة لعبت دورًا لافتًا في هذا السياق. لم تكن مجرد عنصر ترفيهي داخل البرنامج، بل تحولت إلى لغة مشتركة تعوض غياب السياسة. في الموسيقى، في اللهجات، في التفاصيل اليومية، اكتشف المشاركون أنهم أقرب مما كانوا يعتقدون، وأن الحدود التي تفصلهم على الخرائط لا تعكس بالضرورة ما يجمعهم في الواقع (مصادر ثقافية، تقارير ميدانية).

 

سقف سياسي غير مرئي

ومع ذلك، لم يكن بالإمكان تجاهل الحضور الصامت للواقع السياسي. فكل نقاش، مهما بدا بسيطًا، كان يصطدم في النهاية بسقف غير مرئي، يذكر الجميع بأن الطريق نحو فضاء مغاربي مفتوح لا يزال طويلاً ومعقدًا. هذا التوتر بين الطموح والواقع كان حاضرًا في كل لحظة، لكنه لم يمنع استمرار الحوار.

 

رؤية جزائرية من بوابة الشباب

من زاوية جزائرية، يبدو تنظيم هذا اللقاء جزءًا من رؤية أوسع تسعى إلى إعادة تنشيط الفضاء الإقليمي، ولكن عبر بوابة مختلفة. فبدل التركيز على المسارات الرسمية التي أثبتت محدوديتها، يتم الاستثمار في المجتمع، وفي فئة الشباب تحديدًا، باعتبارها الأقل ارتباطًا بإرث الخلافات، والأكثر استعدادًا لتجاوزها (تحليلات محلية).

 

سؤال مفتوح على المستقبل

السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس ما إذا كان هذا اللقاء سيغير الواقع، بل ما إذا كان يشير إلى بداية مسار مختلف. مسار لا يبدأ من القمة، بل من القاعدة، ولا يعتمد على القرارات السياسية فقط، بل على ديناميكيات اجتماعية قد تكون أكثر استدامة.

 

إعادة طرح السؤال كإنجاز

في النهاية، قد لا يكون اللقاء المغاربي للشباب في الطارف قد قدّم إجابات جاهزة، لكنه نجح في شيء آخر أكثر أهمية: إعادة طرح السؤال. وفي زمن تُقاس فيه المشاريع بقدرتها على الاستمرار، قد يكون مجرد إعادة السؤال إنجازًا في حد ذاته.

Share this content:

إرسال التعليق