في تمنراست… حين تبحث السياحة الجزائرية عن نفسها في وجوه الشباب
في تمنراست، حيث تتراجع ضوضاء المدن الكبرى لصالح صمت الصحراء، لا تبدو الأحداث مجرد مناسبات عابرة، بل لحظات اختبار حقيقية لخيارات بلد بأكمله. هناك، في أقصى الجنوب، جاء افتتاح الصالون الوطني للسياحة الشبابية وكأنه محاولة جديدة لطرح سؤال قديم بصيغة مختلفة: كيف يمكن للجزائر أن تتحول من بلد يملك مقومات سياحية هائلة إلى وجهة حقيقية نابضة بالحياة؟
بين الطابع الاحتفالي وواقع الأسئلة المفتوحة
لم يكن المشهد احتفاليًا بالمعنى التقليدي، رغم حضور الوفود والنشاطات المرافقة، بل بدا أقرب إلى ورشة مفتوحة على الهواء الطلق، حيث تختلط الرؤى الرسمية بأفكار الشباب، وتتصادم الطموحات مع واقع يعرف الجميع حدوده جيدًا. فمن يتابع تفاصيل ما جرى، يدرك أن الرهان لم يعد على الترويج الكلاسيكي للسياحة، بل على إعادة تعريفها من الأساس، انطلاقًا من سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره: من يصنع السياحة في الجزائر؟
السياحة الشبابية… من فكرة إلى واقع
في الخطاب الذي رافق التظاهرة، كان واضحًا أن هناك تحولًا في اللغة قبل السياسات. لم يعد الحديث يدور فقط حول عدد السياح أو حجم الاستثمارات، بل عن “السياحة الشبابية” كفكرة، وكأفق جديد يُراد له أن يعيد ترتيب العلاقة بين الجزائري وبلده. هذه الفكرة، التي قد تبدو نظرية في البداية، وجدت ترجمتها في المبادرات المعروضة، حيث لم يعد الشاب مجرد زائر، بل مشروع فاعل اقتصادي محتمل، قادر على خلق مسارات سياحية خارج القوالب الجاهزة، من خلال التخييم، والرحلات الاستكشافية، والسياحة البيئية، وحتى الترويج الرقمي الذي بات يلعب دورًا لا يمكن تجاهله (مصادر إعلامية جزائرية، تقارير ميدانية).
اختيار تمنراست… رسالة تتجاوز الجغرافيا
اختيار تمنراست لم يكن تفصيلاً جغرافيًا، بل كان جزءًا من الرسالة. فهذه المدينة، التي ظلت لسنوات طويلة حبيسة صورة نمطية مرتبطة بالسياحة النخبوية أو المغامرات المحدودة، عادت لتطرح نفسها كمختبر لإمكانية أخرى: سياحة شعبية، مفتوحة، يقودها شباب يعرفون المكان أكثر من أي مستثمر عابر. في هذا السياق، بدا الجنوب وكأنه يستعيد مكانته في الخطاب الوطني، ليس كفضاء بعيد يحتاج إلى دعم، بل كفرصة قائمة بذاتها، تحتاج فقط إلى إعادة اكتشاف (تحليلات محلية، تقارير اقتصادية).

تحديات القطاع بين الطموح والواقع
لكن، وبينما كانت الأفكار تتدفق داخل أروقة الصالون، لم يكن بالإمكان تجاهل الفجوة التي تفصل الطموح عن الواقع. فالنقاشات التي دارت، سواء بشكل مباشر أو في الكواليس، أعادت طرح نفس الإشكالات التي تلاحق القطاع منذ سنوات: ضعف البنية التحتية، محدودية الهياكل الفندقية، صعوبة الوصول إلى بعض المناطق، وغياب منظومة تكوين متخصصة قادرة على مواكبة التحولات. هذه التحديات لم تُطرح كعقبات فقط، بل كجزء من معادلة لا يمكن القفز فوقها، مهما كان حجم الحماس (مصادر إعلامية، تحليلات ميدانية).
السياحة كخيار اقتصادي استراتيجي
ومع ذلك، فإن ما ميّز هذا الحدث لم يكن قدرته على تقديم حلول جاهزة، بل جرأته في طرح الأسئلة. ففي زمن تبحث فيه الاقتصادات عن بدائل، لم يعد الحديث عن السياحة ترفًا، بل ضرورة. والجزائر، التي ظلت لعقود تعتمد بشكل شبه كلي على عائدات الطاقة، تجد نفسها اليوم أمام خيار صعب: إما أن تواصل الدوران في نفس الدائرة، أو أن تفتح مسارات جديدة، قد لا تكون سهلة، لكنها حتمية.
الشباب… نقطة التحول في القطاع السياحي
في هذا السياق، يكتسب حضور الشباب معنى يتجاوز الرمزية. فالأمر لا يتعلق بإشراك جيل جديد في نشاط تقليدي، بل بإعادة تشكيل القطاع من خلاله. الشباب هنا ليس مجرد عنصر إضافي، بل هو نقطة الانطلاق، لأنه ببساطة الأكثر قدرة على التكيف مع أنماط السياحة الجديدة، والأكثر استعدادًا للمغامرة في مجالات غير مضمونة النتائج.
تمنراست كنموذج لتجربة سياحية مختلفة
وبين الرمال الممتدة والجبال الصامتة، بدت تمنراست وكأنها تقول شيئًا مختلفًا هذا العام. ليس من خلال الشعارات، بل من خلال تلك المحاولات الصغيرة التي قد تتحول، مع الوقت، إلى نموذج. نموذج لا يقوم على الفنادق الكبرى فقط، ولا على الرحلات المنظمة، بل على تجربة إنسانية كاملة، تبدأ من اكتشاف المكان، ولا تنتهي عند مغادرته.
بداية تحول في التفكير السياحي
ربما لا يمكن الحكم على نتائج الصالون من دورته الأولى، وربما لن تتغير خريطة السياحة الجزائرية بين ليلة وضحاها، لكن المؤكد أن شيئًا ما بدأ يتحرك. ليس في الأرقام، بل في طريقة التفكير. وحين يتغير التفكير، يصبح كل شيء آخر ممكنًا.
Share this content:



إرسال التعليق