الجزائر وإيطاليا

تحولات العقيدة الأمنية الصهيونية في ظل الصراع الجيوبوليتيكي مع إيران: دراسة في عقيدة بن غوريون 2.0

بقلم أ.د. إدريس عطية
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر

 

شكّلت عقيدة الأمن التي بلورها دافيد بن غوريون منذ عام 1948 المرتكز الوجودي لبنية الأمن القومي الصهيوني، معتمدة على ثلاثية واضحة: الردع، الإنذار المبكر، والحسم السريع. لقد كانت هذه العقيدة نتاج بيئة إقليمية محددة، عنوانها جيوش نظامية عربية تقليدية، وحدود جغرافية ضيقة، وشعور دائم بالتهديد الوجودي.

تحولات البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط
غير أن التحولات البنيوية في النظام الإقليمي، وبروز إيران كفاعل مركزي يدير شبكة ممتدة من “الفاعلين من غير الدول”، قد وضعت هذه العقيدة أمام اختبار تاريخي غير مسبوق، فالصراع لم يعد بين جبهتين واضحتين، بل بين بنى شبكية متداخلة، تتقاطع فيها الجغرافيا بالتكنولوجيا، والعقيدة بالأيديولوجيا، والتكتيك بالاقتصاد السياسي الدولي.

هدف الدراسة وإطار التحليل
يهدف هذا المقال إلى تحليل تحولات الردع في الشرق الأوسط، وكيف أدت التكنولوجيا الحديثة، وتعدد الأقطاب الدولية، إلى تآكل مفاهيم بن غوريون الكلاسيكية لصالح نموذج جديد يمكن تسميته بـ “الردع الشبكي” وإدارة المخاطر في بيئة اللاحسم”.

 

أولاً: تآكل المثلث الاستراتيجي ومعضلة “الردع بالمنع”

أزمة الإنذار والحصانة الجغرافية
قامت عقيدة بن غوريون على افتراض محوري مفاده أن التفوق النوعي يضمن “حسمًا سريعًا” ينقل المعركة إلى أرض الخصم، ويُبقي الجبهة الداخلية بمنأى عن التهديد الوجودي، غير أن الواقع المعاصر كشف عن تحديات بنيوية عميقة أعادت مساءلة هذا الافتراض.

في ظل الصواريخ الدقيقة، والقدرات الفرط صوتية، والطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، تقلص “زمن الإنذار” إلى حدود حرجة، ولم يعد التفوق الاستخباراتي كافيًا لضمان المبادرة المطلقة، ولم تعد الجغرافيا عامل أمان كما كانت في السابق.

إن سقوط مفهوم “الحصانة الجغرافية” يعني أن العمق لم يعد عمقًا، وأن الردع لم يعد قائمًا على منع الوصول، بل على تقليل الخسائر بعد وقوع الاختراق، وهنا تتحول العقيدة من “ردع بالمنع” إلى “ردع بالامتصاص وإعادة الضبط”.

عجز الحسم في الحروب اللامتناظرة
في الحروب الشبكية، لا توجد بنية عسكرية مركزية يمكن تدميرها لإعلان النصر، فالتنظيمات العقائدية والشبكات العابرة للحدود قادرة على إعادة إنتاج ذاتها، ومن هنا، انتقلت الاستراتيجية من “إبادة التهديد” إلى “تقليص القدرات”، أو ما يُعرف في الأدبيات الصهيونية بسياسة “جزّ العشب”.

وهذا التحول ليس مجرد خيار تكتيكي، بل اعتراف ضمني بأن الحسم الشامل لم يعد ممكنًا في بيئة تعددية متداخلة.

 

ثانياً: “تعدد الساحات” والجيوبوليتيك التكنولوجي الجديد

الانتقال إلى الردع الشبكي
انتقل الصراع من مواجهة جيوش نظامية إلى مواجهة “أخطبوطية” عابرة للحدود، حيث فرضت طهران منطق “وحدة الساحات”، بما يعني أن أي اشتباك في جبهة معينة قد يستدعي تفاعلات متزامنة في جبهات أخرى.

لم يعد الردع ثنائياً (دولة ضد دولة)، بل أصبح متعدد العقد (دولة ضد شبكة). هذا التحول أجبر الكيان الصهيوني على تبني عقيدة “تعدد الجبهات”، وإعادة توزيع موارده العسكرية والاستخباراتية على مسرح عمليات ممتد.

إننا أمام معادلة جديدة:
كل ضربة محسوبة قد تولد ردًا غير متوقع في ساحة مختلفة، وكل تصعيد محدود يحمل في داخله قابلية انتقال أفقي.

المتغير التقني وتوازن الرعب الجديد
دخول الصواريخ الدقيقة، والحروب السيبرانية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي العسكري، كسر احتكار المجال الجوي التقليدي، وأوجد حالة من “توازن الرعب التقني”.

هذا التوازن لا يمنع الحرب الشاملة فقط، بل يعيد تعريفها، فالحرب اليوم تُدار عبر ضربات جراحية ورسائل محسوبة، لا عبر اجتياحات واسعة، إنه انتقال من “حرب الحسم” إلى “حرب الإيقاع المضبوط”.

 

ثالثاً: تحولات الردع في ظل القوى الكبرى

المظلة الروسية-الصينية وتقييد حرية الحركة
لم يعد الشرق الأوسط منطقة نفوذ أحادي للولايات المتحدة، بل أصبح ساحة توازن دولي معقد بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.

إن التموضع الروسي في سوريا، والتحالف الاستراتيجي مع طهران، خلقا “كوابح جيوسياسية” أمام حرية الحركة الإسرائيلية المطلقة، كما أن الدعم الجيواقتصادي الصيني لإيران قلّص فعالية العقوبات كأداة ردع استراتيجية.

بهذا المعنى، لم تعد إيران تواجه خصومها في فراغ استراتيجي، بل ضمن شبكة توازنات دولية تعزز قدرتها على الصمود الطويل.

تآكل مبدأ الاعتماد على الذات
حاجة الكيان الصهيوني إلى تنسيق إقليمي ودولي لصد الهجمات الصاروخية الواسعة أثبتت أن مبدأ “الاعتماد على الذات” الذي تبناه بن غوريون بات يتطلب مظلة مكملة، وهنا نلاحظ تحوّلًا جوهريًا:

من دولة تبني أمنها بذاتها، إلى دولة تحتاج إلى شبكة دفاعية متعددة الأطراف.

 

رابعاً: آفاق الاستراتيجية العربية في ظل “توازن اللاحسم”

ضرورة بناء الأمن الجماعي
يفرض تآكل “عقيدة الحسم” الصهيونية واقعًا جديدًا يمكن للعقل الاستراتيجي العربي استثماره، شريطة الخروج من منطق رد الفعل.

في بيئة “السيولة الجيوسياسية”، ليصبح التركيز على الردع الشامل – السيبراني، الاقتصادي، والعسكري – ضرورة لا ترفًا، فالأمن لم يعد دبابة فقط، بل شبكة حماية متعددة المستويات.

دبلوماسية التوازن بين القوى الكبرى
المناورة بين الأقطاب الدولية (واشنطن، موسكو، بكين) تتيح انتزاع مكاسب استراتيجية، وتمنع تحويل المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات مفتوحة. إن فن التوازن هو جوهر المرحلة.

 

من عقيدة الحسم إلى إدارة اللاحسم

وختاما يمكن القول ان عقيدة بن غوريون لم تسقط كليًا، لكنها تخضع لعملية “تكييف قسري” تحت ضغط التحولات التكنولوجية والجيوبوليتيكية، فالشرق الأوسط اليوم يعيش مرحلة “الردع المتبادل منخفض الكثافة”، حيث تتقدم “إدارة المخاطر” على منطق “النصر الكلي”، لا حرب شاملة… ولا سلام مستقر، بل حالة استنزاف مضبوط، توازن هش، وتصعيد محسوب.

إنها مرحلة لا ينتصر فيها أحد بالكامل، ولا يُهزم أحد نهائيًا، وهذا هو جوهر “بن غوريون 2.0”.

 

Share this content:

إرسال التعليق