الأمن السيبراني

حاجتنا إلى أمنٍ سيبرانيّ

بقلم: اعمر سطايحي

 

في عصر الانفجار المعرفيّ والمعلوماتي والتكنولوجيا الرقمية، أضحى من الحتمية، مسايرة الأفراد والجماعات لهذا التحوّل، الذي لا مناص منه، خاصة في ظل عولمة، لا ترحم الخارج عنها ولا مَن تقبّلها وعمل بها؛ ذلك أنّ العولمة، التي لا تخل من محاسن ومساوئ، تكون أشبه بأخطبوط، متتعدد الأذرع، وكل ذراع يمثّل حقلا من الحقول الحياتية، سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا، ثقافيا وإعلاميا… فإن شئتَ قل: هي كالزواج، من منظور “برنارد شو”، الذي سئل عن رأيه في فكرة الزواج، فأجاب: أنه يشبه الجمعية السرية، الداخل إليها، لا يبوح بأسرارها، ومَن كان خارجها، يجهل كلّ شيء عنها.!

 

العولمة والقرية الرقمية الصغيرة

تلك أيضا هي العولمة، بمشاربها وتداعياتها، خاصة عولمة الإعلام والاتصال، في عالَم أضحي قرية صغيرة، كلُ ساكنتها يعرفون بعضهم بعضا، حتى في أدق التفاصيل والخصوصيات… ومن هذا المنطلق، ارتفعت أصوات، تنادي بضرورة تسييج معلومات وبيانات الأشخاص والدول؛ تحسّبا للهجمات والاختراقات، التي تطال الشبكات الإلكترونية، من حواسيب وهواتف نقالة.. وما ينجر عن ذلك من مخاطر. لأجل ذلك ظهر ما يُعرف ب الأمن السيبراني. وهذا هو مربط الفرس، في مقالتنا.

 

تساؤلات جوهرية حول الأمن السيبراني

وها هنا نُثوّر أسئلة، من قبيل: ما مفهوم الأمن السيبرانيّ؟ متى ظهر مصطلح هذا المفهوم؟ ولماذا دعت الحاجة إليه؟ وأخيرا، ما هي مساعي الدولة الجزائرية، في إرساء أرضية متينة، للحيلولة دون أن تتعرّض شبكاتها المعلوماتية وبياناتها الرقمية، لهجمات واختراقات؟ خاصة إذا كان المستهدف مؤسسات سيادية، كوزارة الدفاع والأجهزة الأمنية..

 

مفهوم الأمن السيبراني

إذن ماذا نعني بالأمن السيبراني؟ إنّه وسيلة لحماية البرمجيات، والشبكات الإلكترونية، التي تحوي معلومات وبيانات رقمية، من الهجمات والاختراقات، وذلك بواسطة مجموعة من الإجراءات، سيأتي ذكر بعضها لاحقا.

 

نشأة الأمن السيبراني وتطوره

أما عن ظهور مصطلح الأمن السيبراني، أو الإلكتروني، فكان في نهاية الحرب الباردة، أو ما يعرف بحرب الأنترنت، وذلك بالاعتماد على أجهزة الكمبيوتر، في المؤسسات؛ قصد تطوير وحدة المعالجة المركزية. ولم يقتصر الأمر، على الدول فقط، بل الأشخاص أيضا؛ لحاجاتهم إلى التواصل والمعاملات التجارية.

ففي بواكير حماية الأجهزة الإلكترونية، اقصر الأمر، على حمايتها من الفيروسات والبرمجيات الخبيثة، وفي عام 1983م، طوّر معهد ” ماساتشو ستش”، تقنية نظام اتصالات، يعتمد على التشفير، الذي أصبح أساس تطوير تقنيات الأمن السيبرانيّ. وقد شكّل ظهور الأنترنت، ثورة نوعية، في حياة البشرية، ببدء استخدام هذا النوع من الأمن، في المجالين العسكريّ والأمنيّ.. ثم بدأ التسابق بين الدول في تطوير إجراءات الحماية، مع مطلع القرن ال (20) م، حتى سميت تلك الفترة بالحرب السيبرانية، أو سباق التسلّح السيبراني، الذي أصبح مجالا خامسا، في الحروب، بعد البر، البحر، الجو والفضاء.

 

دواعي اللجوء إلى الأمن السيبراني

لكن ما هي دواعي اللجوء إلى الأمن السيبرانيّ؟ من ذلك ما يستهدف البرمجيات والبيات الرقمية للأشخاص والدول، من هجمات واختراقات، في العادة تكون عواقبها وخيمة؛ كإرسال رسائل بريدية إلكترونية،إلى الحسابات، وهي رسائل مزيّفة، لكنها تبدو واردة من مصادر موثوقة،؛ وذلك لغرض التصيّد الاحتياليّ، على الأشخاص والمؤسسات البنكية والتجارية خاصة… ولعل من مخاطرها أن يلجأ القراصنة إلى الإبتزاز والمطالبة بالفدية المالية. ناهيك عن تعطيل المصالح والتشهير بخصوصيات الأشخاص.

 

سبل الوقاية من الهجمات السيبرانية

وبناء على ما تقدّم، ماهي السبل والممارسات الوقائية المنتهجة، في مجال الأمن السيبراني؟ هنا يتوجب تبني جملة من الإجراءات، ليس للحد من تلك الهجمات السيبرانية، إنّما للتقليل من المخاطر والخسائر، من ذلك:

  • تحديث البرامج وأنظمة التشغيل، التي تساعد على معالجة الثغرات الأمنية، وتعزيز الحماية، ضدّ ما من شأنه الإضرار بالبرنامجيات والبيانات الرقمية.
  • اعتماد نظام الكشف والاستجابة الموسّع ( XDR ) الفعال، مما يُسهّل على المحلّلين، التركيز على الكشف الشامل عن التهديدات، مع تحديد أولويات الاستجابة للحوادث..
  • استخدام كلمات مرور قوية وفريدة، للحسابات عبر الإنترنت؛ لأنّ الهجمات تستغل كلمات المرور الضعيفة أو المسروقة.
  • واعتماد تطبيق المصادقة متعدّدة العوامل (MFA)، التي تتضمّن إدخال عدّة نماذج تعريف، قبل الوصول إلى الحسابات…
  • استخدام بروتوكولات أمنية آلية، تقوم بتفعيل التدابير المضادة، عند اكتشاف التهديدات.

 

الأمن السيبراني في الجزائر

والأكيد أن لا أحد من الأشخاص والهيئات، بمنأى عن الهجمات السيبرانية. على أن تبقى الوقاية، أحسن خيار؛ بمعنى محاربة أسباب الجريمة، قبل وقوعها.

أما بخصوص الجزائر، وبغرض حماية شبكاتها المعلوماتية وبياناتها الرقمية، فلها مساعٍ حميدة وجهود جبّارة وإجراءات استباقية؛ لاعتراض أو الحدّ من تلك الهجمات ومحاولات الاختراق. وفي هذا الصدد، صدر في الجريدة الرسمية، في عددها ال (39) مرسوم رئاسيّ، تم بموجبه، إنشاء مدرسة وطنية عليا،للأمن السيبرانيّ (ENSSIA)، بالقطب الجامعي “سيدي عبد الله” بالعاصمة، وفي سنة 2024م استقبلت أوّل دفعة، من حاملي شهادة البكلوريا، وهي المدرسة التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة الدفاع الوطنيّ. وبذلك تكون الجزائر، قد عزّزت منظومتها الأمنية السيبرانية، بهدف حماية برمجياتها وبياناتها الرقمية. يضاف إلى ذلك وكالة أمن الأنظمة المعلوماتية (ANSSI)، التابعة لوزارة الدفاع الوطنيّ.

 

قُفل المقال

قُفل المقال: إنّ العلوم تتطوّر والمعارف تتجدّد، وبواسطتهما تتطوّر وتتجدّد حياة البشرية. لولا أنّ كلّ أمّة وافدة، تلعن أمّة غابرة.. وبالمقايسة، نستطيع القول: أنّنا نكاد ننتقل من عهد الورقنة، إلى عهد الرقمنة.. والأكيد أنّ الرقمنة والرقمانيون، سيلعنون الورقنة والورقانيين، وفي انتظار فتح علميّ جديد، سيلعن الرقمنة والرقمانيين. وتلك سُنّة في حياة البشرية.

Share this content:

إرسال التعليق