إل نينيو

أفريقيا تستعد لـ«إل نينيو».. الإنذار المبكر في مواجهة الخطر

تستعد القارة الأفريقية لمواجهة تداعيات ظاهرة مناخية قوية يُتوقع أن تضرب مناطق واسعة منها خلال الفترة المقبلة، وسط تحذيرات من آثار قد تمتد إلى النصف الأول من عام 2027. وفي هذا السياق، انطلقت في العاصمة الاقتصادية لبنين كوتونو، الأعمال التحضيرية للمنتدى القاري الأفريقي الثاني والعشرين للتوقعات المناخية (ACCOF-22)، في محاولة لتعزيز الاستعداد المبكر وتقليص حجم الخسائر البشرية والمادية المحتملة.

وجرت الأعمال التحضيرية خلال الفترة من 8 إلى 11 سبتمبر 2026، في فندق نوفوتيل-إيبيس بمدينة كوتونو، بمشاركة خبراء ومتخصصين في مجالات الأرصاد الجوية والمناخ والمياه والصحة، إلى جانب الجهات المعنية بالتعامل مع الكوارث والأزمات.

وتأتي هذه التحركات في وقت تستعد فيه القارة لما قد تحمله ظاهرة إل نينيو من تداعيات مناخية، إذ تشير التوقعات الواردة في إطار المنتدى إلى إمكانية بلوغ الظاهرة ذروتها في نهاية عام 2026، مع استمرار آثارها المحتملة حتى النصف الأول من عام 2027.

ظاهرة «إل نينيو» ترفع مستوى الاستعداد

لم تعد التقلبات المناخية في أفريقيا مجرد قضية علمية تهم مراكز الأبحاث وخبراء الأرصاد، وإنما أصبحت واقعاً يؤثر بصورة مباشرة في حياة ملايين السكان وفي القطاعات الحيوية التي تعتمد عليها المجتمعات.

وتفرض ظاهرة إل نينيو المرتقبة رفع مستوى الاستعداد، خصوصاً في ظل التجارب السابقة التي شهدت خلالها القارة خسائر بشرية ومادية نتيجة الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة.

ويهدف اجتماع الخبراء في كوتونو إلى تطوير حلول عملية من شأنها الحد من تكرار تلك الخسائر، من خلال تعزيز القدرة على التنبؤ والاستعداد واتخاذ الإجراءات اللازمة قبل تحول المخاطر المناخية إلى أزمات واسعة النطاق.

ويعكس هذا التوجه تحولاً مهماً في طريقة التعامل مع الكوارث المناخية، إذ لم يعد الانتظار إلى حين وقوع الأزمة خياراً آمناً، في ظل ارتفاع حجم المخاطر التي يمكن أن تفرضها الفيضانات والجفاف وموجات الحر وغيرها من الظواهر المتطرفة.

الزراعة والمياه والصحة في الخطوط الأمامية

وتواجه القطاعات الأساسية في المجتمعات الأفريقية تحديات متزايدة نتيجة التغيرات المناخية، وفي مقدمتها الزراعة، والحصول على مياه الشرب، والصحة العامة، وإدارة الكوارث.

ويكتسب قطاع الزراعة أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى ارتباط ملايين الأسر الأفريقية بالمحاصيل الزراعية وتربية الماشية كمصدر أساسي للعيش والدخل.

وبالنسبة إلى المزارعين ومربي الماشية، يمكن أن يتحول أي خلل في التوقعات الجوية أو عدم الاستفادة من المعلومات المناخية في الوقت المناسب إلى خسائر كبيرة، سواء من خلال تلف المحاصيل أو فقدان قطعان الماشية، وهو ما قد يدفع الأسر المتضررة إلى مزيد من الهشاشة والفقر.

ومن هنا، يصبح الوصول إلى توقعات مناخية دقيقة ومحلية وفي الوقت المناسب جزءاً أساسياً من حماية سبل العيش، وليس مجرد أداة تقنية تستخدم داخل مؤسسات الأرصاد الجوية.

وزير بنيني: أفريقيا مطالبة بالانتقال من رد الفعل إلى الاستباق

وخلال مراسم افتتاح الأعمال التحضيرية، وضع جورج ألي، الوزير البنيني المكلف بالنقل والإطار المعيشي والتنمية المستدامة، التحديات المناخية التي تواجهها القارة في صدارة النقاش.

وأشار الوزير إلى أن أفريقيا تواجه تصاعداً في الظواهر المناخية المتطرفة، بما في ذلك الجفاف والفيضانات وموجات الحر وارتفاع مستوى سطح البحر والتعرية الساحلية.

وأكد أن مواجهة هذه التحديات تتطلب الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق والاستعداد والتحرك المبكر، مع التركيز في الوقت نفسه على وضع المعلومات المناخية في خدمة عملية اتخاذ القرار.

وتحمل هذه الرسالة أهمية كبيرة في ظل تزايد المخاطر المناخية التي تواجهها دول القارة، إذ إن توفر المعلومات العلمية لا يكفي وحده، ما لم تتحول هذه المعلومات إلى قرارات وإجراءات ملموسة على أرض الواقع.

4-8 أفريقيا تستعد لـ«إل نينيو».. الإنذار المبكر في مواجهة الخطر

العلم وحده لا يكفي.. القرار السياسي عنصر حاسم

وتؤدي المؤسسات العلمية والمراكز المتخصصة دوراً محورياً في تطوير أدوات التنبؤ ورصد المخاطر المناخية، إلا أن الاستفادة الحقيقية من هذه الجهود تظل مرتبطة بمدى قدرة الحكومات والسلطات المحلية على تحويل البيانات إلى إجراءات استباقية.

وفي هذا الإطار، يعمل خبراء الأرصاد والمناخ تحت إشراف المركز الأفريقي لتطبيقات الأرصاد الجوية من أجل التنمية (ACMAD)، وبدعم من الشركاء، على توحيد أدوات التنبؤ وإنتاج بيانات أكثر موثوقية وارتباطاً بالواقع المحلي.

وتوفر هذه الجهود أساساً علمياً مهماً لصناعة القرار، لكنها تحتاج في المقابل إلى إرادة سياسية تسمح باستخدام المعلومات المناخية في الوقت المناسب.

فالنشرات والتحذيرات المبكرة يمكن أن تساعد الحكومات على التخطيط لمخزونات المياه، وتجهيز المساعدات الطبية وتوزيعها مسبقاً في المناطق التي قد تحتاج إليها، فضلاً عن اتخاذ إجراءات لإجلاء السكان من المناطق الأكثر عرضة للفيضانات قبل تفاقم الوضع.

الاستباق أقل تكلفة من إعادة الإعمار

تؤكد التجارب المرتبطة بالكوارث الطبيعية أن الاستعداد المبكر يمكن أن يقلل من حجم الخسائر، سواء تعلق الأمر بالأرواح البشرية أو بالموارد الاقتصادية.

فبدلاً من انتظار وقوع الكارثة ثم البدء في عمليات الإنقاذ والإغاثة وإعادة الإعمار، يتيح الإنذار المبكر للحكومات والسلطات المحلية فرصة اتخاذ تدابير وقائية قبل وصول الخطر إلى ذروته.

ويشمل ذلك تأمين المياه، والاستعداد الصحي، وحماية المناطق السكنية، وتحديد المناطق المعرضة للخطر، وتنظيم عمليات الإجلاء عند الضرورة، إضافة إلى توجيه السكان بشأن الإجراءات التي ينبغي اتخاذها.

وبذلك، لا يمثل الإنذار المبكر مجرد معلومة مناخية، بل يتحول إلى أداة لحماية الأرواح والموارد وتقليل التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للكوارث.

المعلومة المناخية لا تنقذ الأرواح إلا إذا وصلت إلى الناس

ويبقى إيصال المعلومات إلى السكان إحدى أهم حلقات منظومة الاستعداد، إذ لا تكفي دقة التنبؤات الجوية والمناخية إذا بقيت التحذيرات محصورة داخل المؤسسات الرسمية أو صيغت بلغة علمية يصعب على المواطنين فهمها.

ومن هنا برز دور وسائل الإعلام في الأعمال التحضيرية التي شهدتها كوتونو، حيث شارك الاتحاد الأفريقي للإذاعات بفاعلية في أعمال المنتدى.

ويؤكد حضور الاتحاد أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه وسائل الإعلام في تعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة التغيرات المناخية، خصوصاً أن الصحافة والإذاعة والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت قنوات رئيسية للوصول إلى شرائح واسعة من السكان.

ولا تقتصر وظيفة هذه الوسائل على نقل الأخبار المتعلقة بالظواهر المناخية، بل تمتد إلى تبسيط المعلومات العلمية وتحويلها إلى رسائل واضحة يمكن للمواطنين فهمها والاستجابة لها.

الصحفيون ووسائل الإعلام شركاء في مواجهة المخاطر

ويفرض تصاعد الظواهر المناخية المتطرفة على المؤسسات الإعلامية إعادة النظر في طريقة تناولها للقضايا المناخية.

فالمناخ لم يعد موضوعاً ثانوياً أو فقرة قصيرة في نهاية النشرات الإخبارية، وإنما أصبح قضية ترتبط بصورة مباشرة بالأمن الغذائي والمائي والصحة العامة وسلامة السكان واستقرار المجتمعات.

وفي هذا الإطار، يقع على عاتق الصحفيين ومقدمي البرامج الإذاعية والمؤثرين ووسائل الإعلام المحلية والقريبة من المجتمعات دور أساسي في نقل التحذيرات إلى السكان، خصوصاً في المناطق النائية التي قد تواجه صعوبات في الوصول إلى المعلومات الرسمية.

ويشمل هذا الدور شرح المصطلحات العلمية بلغة بسيطة، ونشر التحذيرات على نطاق واسع، وتقديم الإرشادات العملية التي تساعد السكان على اتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت المناسب.

العد التنازلي بدأ قبل ذروة الظاهرة

ومع اقتراب الفترة التي يُتوقع أن تبلغ خلالها ظاهرة إل نينيو ذروتها، تتزايد أهمية الإجراءات التي يجري إعدادها حالياً في كوتونو.

ووفق المعطيات الواردة في الأعمال التحضيرية، ستتم المصادقة رسمياً على خطط العمل والصيغ الجديدة لنشرات المعلومات التي جرى إعدادها خلال اجتماعات كوتونو في أكتوبر 2026، وذلك خلال الدورة الرئيسية للمنتدى القاري الأفريقي الثاني والعشرين للتوقعات المناخية (ACCOF-22).

وتشكل هذه الخطوة محطة مهمة للانتقال من مرحلة الإعداد والتنسيق إلى مرحلة تفعيل الخطط وآليات الإنذار والتعامل مع المخاطر المحتملة.

جبهة أفريقية موحدة أمام التحديات المناخية

وتشير مجمل التحركات الجارية إلى ضرورة بناء جبهة متكاملة تضم العلماء وصناع القرار ووسائل الإعلام، بحيث يعمل كل طرف ضمن منظومة واحدة هدفها الأساسي تقليل آثار الكوارث وحماية السكان.

فالعلماء مطالبون بتوفير بيانات دقيقة وموثوقة ومحلية، وصناع القرار مطالبون باستخدام هذه البيانات في التخطيط واتخاذ الإجراءات الاستباقية، بينما تتحمل وسائل الإعلام مسؤولية إيصال المعلومات إلى المواطنين بصورة واضحة وسريعة وقابلة للفهم.

وتكتسب هذه الشراكة أهمية أكبر في القارة الأفريقية، حيث يمكن للظواهر المناخية المتطرفة أن تضاعف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها المجتمعات الهشة.

أفريقيا أمام اختبار جديد في 2026 و2027

ومع اقتراب نهاية عام 2026 واستمرار التوقعات بشأن تأثيرات إل نينيو حتى النصف الأول من عام 2027، تواجه الدول الأفريقية اختباراً حقيقياً لقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى الاستعداد لها قبل حدوثها.

وتعني هذه المقاربة أن نجاح القارة لن يقاس فقط بقدرتها على التعامل مع الكوارث عندما تقع، وإنما أيضاً بقدرتها على منع تحول التحذيرات المبكرة إلى خسائر بشرية ومادية واسعة.

وفي هذا السياق، يمثل المنتدى القاري الأفريقي الثاني والعشرون للتوقعات المناخية (ACCOF-22) مساحة لتنسيق الجهود وتطوير أدوات التنبؤ وتعزيز التعاون بين مختلف الأطراف المعنية.

 

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق