اقتصاد ليبيا أمام اختبار السياسة.. هل تقود الانتخابات إلى إنقاذ الدينار أم تعيد إنتاج الأزمة؟
في ليبيا، لا يمكن قراءة الاقتصاد بعيدًا عن السياسة، ولا يمكن فهم السياسة بعيدًا عن النفط. هذه ليست مجرد علاقة بين قطاع اقتصادي ومؤسسات حكم، وإنما هي معادلة تشكل جوهر الدولة نفسها منذ سنوات: النفط يوفر الجزء الأكبر من الإيرادات، والإيرادات تمول الدولة والرواتب والدعم والمشروعات، بينما يحدد شكل السلطة ومن يسيطر على المؤسسات المالية والأمنية والطاقة كيفية توزيع هذه الموارد ومن يملك القدرة على استخدامها.
ولهذا تبدو ليبيا اليوم أمام لحظة شديدة الحساسية. فمن جهة، ارتفع إنتاج النفط إلى مستويات أفضل بكثير مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وتوجد توقعات باستمرار زيادة الإنتاج. ومن جهة أخرى، ما زالت الاختلالات المالية والمؤسسية تضغط على الاقتصاد، بينما يحاول المسار السياسي الجديد دفع البلاد نحو توحيد المؤسسات وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال فترة زمنية لا تتجاوز عامين.
اقتصاد غني بالموارد وفقير في الاستقرار
المفارقة الليبية واضحة: بلد يمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات النفط في أفريقيا، ويتمتع بموقع جغرافي بالغ الأهمية بين أوروبا وشمال أفريقيا والساحل، لكنه لم يتمكن منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011 من بناء مؤسسة اقتصادية موحدة ومستقرة تستطيع تحويل هذه المزايا إلى نمو مستدام.
فالاقتصاد الليبي ما زال يعتمد بدرجة شديدة على المحروقات، الأمر الذي يجعل أي تحسن في إنتاج النفط أو أسعاره ينعكس سريعًا على النمو والإيرادات، كما يجعل أي توقف للإنتاج أو اضطراب في المنشآت النفطية أو الموانئ أو طرق التصدير خطرًا مباشرًا على المالية العامة وسعر الصرف والإنفاق الحكومي. وقد أكد صندوق النقد الدولي أن آفاق الاقتصاد الليبي تظل مهيمنًا عليها تطورات قطاع النفط، مع توقع تحسن النمو عندما يرتفع الإنتاج، بينما يبقى النمو خارج قطاع المحروقات أكثر ارتباطًا بالإنفاق الحكومي.
النفط يعود بقوة.. لكن المشكلة أعمق من الإنتاج
شهد قطاع النفط الليبي خلال 2025 و2026 تحسنًا ملحوظًا في الإنتاج. ووفق بيانات البنك الدولي، بلغ متوسط إنتاج النفط خلال الأرباع الثلاثة الأولى من 2025 نحو 1.3 مليون برميل يوميًا، بزيادة سنوية بلغت 17%، فيما تشير توقعات البنك إلى متوسط يقارب 1.35 مليون برميل يوميًا في 2026، مع خطط لرفع القدرة الإنتاجية إلى مليوني برميل يوميًا بحلول 2030.
وهذا التحسن مهم للغاية بالنسبة إلى ليبيا؛ لأن زيادة الإنتاج تعني زيادة الصادرات وتدفق العملة الأجنبية وتحسن قدرة الدولة على تمويل النفقات. لكن ارتفاع الإنتاج لا يعني تلقائيًا أن الاقتصاد أصبح سليمًا. فالمشكلة الأساسية ليست فقط في كمية النفط التي تخرج من الحقول، وإنما في كيفية إدارة العائدات بعد دخولها إلى خزينة الدولة، وكيفية توزيع الإنفاق، وما إذا كانت الإيرادات الإضافية ستستخدم لبناء احتياطيات مالية واستثمارات منتجة أم ستتحول إلى إنفاق جارٍ يصعب خفضه عندما تتراجع أسعار النفط.
الميزانية الموحدة.. أهم تطور اقتصادي منذ سنوات
ربما كان التطور الاقتصادي الأكثر أهمية خلال 2026 هو الاتفاق على أول ميزانية دولة موحدة منذ سنوات طويلة من الانقسام المالي. ففي أبريل 2026 وافقت المؤسسات التشريعية المتنافسة على ميزانية موحدة بقيمة تقارب 190 مليار دينار ليبي، أي نحو 30 مليار دولار، في خطوة حملت أهمية تتجاوز الأرقام نفسها لأنها تعني، نظريًا على الأقل، وجود إطار واحد للإنفاق العام بعد سنوات من وجود ترتيبات مالية متوازية.
وتضمنت الميزانية نحو 73 مليار دينار للرواتب، و40 مليارًا للتنمية، و37 مليارًا للدعم، و18 مليارًا للعلاوات الأسرية، و10 مليارات للمصروفات التشغيلية، إضافة إلى 12 مليار دينار للمؤسسة الوطنية للنفط. وهذه الأرقام تكشف في الوقت نفسه عن حجم الفرصة وحجم الخطر؛ فالإنفاق التنموي يمكن أن يساعد في تحديث البنية التحتية وتحريك النشاط الاقتصادي، لكن الوزن الكبير للرواتب والدعم والمصروفات الجارية يجعل المالية العامة شديدة الحساسية لأي انخفاض في إيرادات النفط.
لماذا لا تكفي الميزانية الموحدة وحدها؟
الميزانية الموحدة تمثل خطوة مهمة، لكنها ليست علاجًا تلقائيًا لأزمة الاقتصاد الليبي. فصندوق النقد الدولي حذر من أن المسار المالي الحالي غير مستدام، وأن العجز المرتفع والإنفاق الكبير يضغطان على سعر الصرف والاحتياطيات الدولية. كما دعا إلى استغلال أي إيرادات نفطية إضافية لإعادة بناء الاحتياطيات المالية بدل تحويلها بالكامل إلى إنفاق جديد، لأن خفض الإنفاق يصبح أكثر صعوبة عندما تعتاد الدولة على مستويات مرتفعة من المصروفات.
وهنا تظهر إحدى أعقد مشكلات الاقتصاد الليبي: الدولة تستطيع زيادة الإيرادات بسرعة عندما يرتفع النفط، لكنها تجد صعوبة أكبر في ضبط المصروفات عندما تتراجع الأسعار. ولذلك فإن ارتفاع أسعار النفط قد يمنح الحكومة مساحة تنفس، لكنه قد يؤجل الإصلاح بدل أن يصنعه إذا لم تصاحبه قواعد واضحة للإنفاق وإدارة الإيرادات.
الدينار الليبي.. المرآة الأكثر حساسية للأزمة
سعر الدينار يمثل الجانب الذي يشعر به المواطن مباشرة. ففي يناير 2026 خفض مصرف ليبيا المركزي قيمة الدينار بنسبة 14.7%، ليرتفع السعر الرسمي إلى نحو 6.3759 دينار للدولار، بعد خفض سابق في 2025 بنسبة 13.3%. وتعكس هذه الإجراءات الضغوط المتراكمة على سوق النقد الأجنبي والمالية العامة والطلب على العملة الصعبة.
وتزداد حساسية سعر الصرف في ليبيا لأن الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، وبالتالي فإن انخفاض قيمة الدينار لا يبقى مسألة نقدية داخل المصرف المركزي، بل ينتقل إلى تكلفة السلع والخدمات والنقل والمواد الغذائية والسلع الوسيطة التي يحتاجها النشاط الاقتصادي.
وتشير بيانات السوق إلى أن الدولار كان يدور في منتصف سبتمبر حول مستوى 6.34 دينار في السوق الرسمية، وهو ما يعكس استمرار حساسية الدينار رغم تحسن إنتاج النفط وتدفقات الإيرادات. ولذلك فإن استقرار العملة لا يعتمد على تدخل المصرف المركزي وحده، بل يحتاج إلى انضباط مالي وسياسة موحدة للإنفاق وإدارة أفضل للإيرادات النفطية.
الإنفاق الحكومي.. المحرك والعبء في الوقت نفسه
في الاقتصاد الليبي، يؤدي الإنفاق الحكومي وظيفة مزدوجة. فهو من ناحية المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي غير النفطي، لأنه يمول الرواتب والمشروعات والخدمات، ومن ناحية أخرى يمكن أن يتحول إلى مصدر للضغط التضخمي وضغط سعر الصرف عندما يتجاوز الإيرادات المستدامة.
وقد ربط صندوق النقد بين ارتفاع الإنفاق العام والضغوط المستمرة على المالية العامة والحساب الجاري وسعر الصرف. كما أشار إلى أن استمرار الإنفاق المرتفع مع انخفاض أسعار النفط مستقبلًا قد يخلق مشكلة أكبر، لأن الدولة ستكون أمام التزامات إنفاقية يصعب تقليصها بسرعة.
وهذه النقطة بالذات تفسر لماذا لا ينبغي النظر إلى الميزانية الموحدة باعتبارها مجرد اتفاق سياسي. نجاحها الحقيقي سيكون في قدرة المؤسسات الليبية على تنفيذها ضمن قواعد موحدة وشفافة، وعلى منع الإنفاق الموازي أو غير المنضبط الذي يمكن أن يعيد إنتاج الأزمة نفسها بأدوات جديدة.
السياسة تدخل الاقتصاد من بوابة النفط
الانقسام السياسي في ليبيا لم يكن مجرد خلاف على المناصب، بل امتد إلى المؤسسات الاقتصادية والمالية وإدارة الموارد. ولهذا ظل النفط طوال السنوات الماضية جزءًا من معادلة القوة السياسية والأمنية.
وفي بيئة منقسمة، تصبح السيطرة على المؤسسات المنتجة للموارد وعلى قنوات الإنفاق أداة نفوذ، بينما يصبح توحيد المؤسسات المالية شرطًا ضروريًا لإنشاء اقتصاد طبيعي يستطيع المستثمر أن يفهم قواعده ويخطط على أساسها.
ولهذا جاء الاتفاق على الميزانية الموحدة بالتوازي مع جهود سياسية أوسع لإنهاء الانقسام. فاستقرار المالية العامة يحتاج إلى سلطة مالية واحدة، والاستثمار يحتاج إلى بيئة قانونية موحدة، والعملة تحتاج إلى سياسة نقدية لا تتأثر بتعدد مراكز القرار، بينما تحتاج مشاريع البنية التحتية إلى جهة حكومية واحدة يمكن مساءلتها عن الإنفاق والتنفيذ.
انتخابات خلال عامين.. وعد سياسي واختبار اقتصادي
في نهاية أغسطس 2026، وقعت أطراف ليبية رئيسية اتفاقًا برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يضع خريطة طريق لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهرًا، مع السعي إلى معالجة الخلافات المتعلقة بالتشريعات الانتخابية وإصلاح المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتهيئة الظروف أمام سلطة تنفيذية ومؤسسات وطنية موحدة.
وهذا التطور مهم اقتصاديًا بقدر أهميته السياسية. فالانتخابات لا تعني فقط اختيار رئيس وبرلمان، وإنما يمكن أن تمنح المؤسسات الاقتصادية شرعية سياسية أكثر وضوحًا، وتقلل مساحة المنافسة بين الحكومات المتوازية، وتساعد في توحيد السياسات المتعلقة بالميزانية والاستثمار والطاقة والقطاع المصرفي.
لكن المشكلة أن ليبيا سبق أن شهدت خرائط سياسية واتفاقات انتخابية لم تصل إلى نهايتها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الأطراف قد وقعت اتفاقًا جديدًا، بل هل تستطيع تحويله إلى ترتيبات تنفيذية لا تتعطل عند أول خلاف حول السلطة أو قواعد الانتخابات؟
الاقتصاد ينتظر توحيد السلطة أكثر مما ينتظر الانتخابات نفسها
من منظور اقتصادي، قد يكون الأهم من يوم الاقتراع نفسه هو ما سيحدث خلال الطريق إليه. فالاقتصاد لا يستطيع الانتظار حتى نهاية العملية الانتخابية كي يستقر.
الشركات التي تفكر في دخول السوق الليبية تحتاج إلى وضوح بشأن الجهة التي ستصدر القرارات، والبنوك تحتاج إلى بيئة مؤسسية موحدة، والمستثمر في الطاقة يحتاج إلى ضمانات قانونية وأمنية، بينما تحتاج مشاريع إعادة الإعمار إلى ميزانية يمكن تنفيذها دون أن تصبح رهينة للخلافات السياسية.
ولهذا فإن أي تقدم في توحيد المؤسسات قبل الانتخابات يمكن أن يكون له تأثير اقتصادي مباشر حتى قبل تشكيل حكومة منتخبة. أما إذا تحولت الفترة الانتقالية الجديدة إلى مرحلة أخرى من المساومات على المناصب والموارد، فقد تصبح الانتخابات نفسها مصدرًا جديدًا لعدم اليقين بدل أن تكون حلًا له.
ما الذي يعنيه ذلك لقطاع النفط؟
النفط سيظل في السنوات المقبلة مركز الاقتصاد الليبي، وربما يكون العنصر الأكثر جذبًا للاستثمار الدولي. فالإنتاج ارتفع، وهناك طموح للوصول إلى 1.6 مليون برميل يوميًا، فيما يتحدث البنك الدولي عن إمكانية الوصول إلى قدرة إنتاجية تبلغ مليوني برميل يوميًا بحلول 2030 إذا توافرت الاستثمارات والظروف المناسبة.
لكن الوصول إلى هذه الأرقام يحتاج إلى أكثر من إعادة تشغيل الآبار. قطاع النفط يحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل، وتطوير الحقول، وصيانة البنية التحتية، وتوفير الأمن، وتحسين بيئة التعاقد، وضمان قدرة المؤسسات الليبية على اتخاذ قرارات مستقرة بعيدًا عن التنافس السياسي.
وبالتالي، فإن أي تقدم سياسي حقيقي يمكن أن يرفع القيمة الاقتصادية للنفط الليبي، ليس فقط من خلال زيادة الإنتاج، بل من خلال تقليل علاوة المخاطر التي يضعها المستثمرون في حساباتهم عند اتخاذ قرار الاستثمار.
ارتفاع النفط قد يمنح ليبيا فرصة.. وقد يخفي المشكلة
الأسعار العالمية تمنح ليبيا في الوقت الحالي مساحة إضافية. فقد تجاوز خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل خلال سبتمبر وسط اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، وهو عامل يمكن أن يرفع قيمة صادرات النفط الليبية إذا حافظ الإنتاج على مستوياته المرتفعة.
لكن الاعتماد على ارتفاع الأسعار يحمل مخاطرة كبيرة. فالاقتصاد الذي يتحسن عندما يرتفع النفط ويتراجع عندما ينخفض يبقى اقتصادًا هشًا، حتى لو حقق معدلات نمو مرتفعة في سنوات معينة.
ولهذا فإن أفضل استخدام للطفرة النفطية الحالية ليس توسيع الإنفاق بلا سقف، وإنما توجيه جزء من الإيرادات إلى الاحتياطيات، والبنية التحتية، وتنويع الاقتصاد، وتطوير القطاع الخاص، وتحسين الخدمات، وخلق مصادر دخل خارج النفط.
القطاع الخاص.. الحلقة الغائبة
أحد أهم تحديات الاقتصاد الليبي هو ضعف القطاع الخاص مقارنة بحجم الدولة. فالاقتصاد الذي يعتمد على الحكومة والنفط والإنفاق العام يصعب عليه خلق فرص عمل مستدامة للشباب، كما يظل معرضًا للتقلبات السياسية والمالية.
وقد دعا البنك الدولي إلى تحسين بيئة القطاع الخاص في ليبيا، مؤكدًا أن استمرار هيمنة الدولة والاعتماد على النفط يحدان من فرص بناء اقتصاد أكثر تنوعًا. وتظل قطاعات مثل التجارة والخدمات والسياحة والزراعة واللوجستيات والطاقة المتجددة مرشحة للاستفادة من استقرار سياسي حقيقي إذا توافرت البيئة المناسبة.
وهنا يمكن أن تتحول الانتخابات وتوحيد المؤسسات إلى عامل اقتصادي مباشر: فكلما أصبح الإطار القانوني والمؤسسي أكثر وضوحًا، زادت قدرة الشركات المحلية والأجنبية على التخطيط والاستثمار، بدل العمل في سوق تتحكم فيها الاعتبارات السياسية والأمنية بدرجة كبيرة.
إعادة الإعمار.. فرصة ضخمة ولكن بشروط
ليبيا لا تحتاج فقط إلى زيادة إنتاج النفط؛ بل تحتاج إلى إعادة بناء جزء كبير من البنية التحتية والخدمات. الكهرباء والطرق والمطارات والموانئ والمياه والإسكان والصحة والتعليم كلها قطاعات يمكن أن تستوعب استثمارات ضخمة.
لكن مشروعات إعادة الإعمار يمكن أن تكون فرصة للنمو، أو مصدرًا جديدًا للهدر، بحسب طريقة إدارتها. فإذا جاءت في إطار مؤسسات موحدة ومناقصات شفافة ورقابة مالية، فإنها يمكن أن تخلق نشاطًا اقتصاديًا واسعًا وتدعم الشركات المحلية وتوفر فرص عمل.
أما إذا ارتبطت بغياب الرقابة وتعدد مراكز القرار، فقد تتحول إلى امتداد للمشكلة نفسها التي تعاني منها المالية العامة. وقد شددت تحليلات اقتصادية حديثة على أن ارتفاع الإيرادات النفطية لن يكون كافيًا لإصلاح الاقتصاد طالما استمرت الانقسامات المؤسسية والإنفاق الموازي وضعف الرقابة.
أوروبا تراقب ليبيا لسبب يتجاوز النفط
أهمية الاقتصاد الليبي لا تتوقف عند حدوده. فليبيا تقع على الضفة الجنوبية للمتوسط، وتمثل نقطة اتصال مهمة بين شمال أفريقيا وأوروبا ومنطقة الساحل، كما ترتبط مصالحها بالهجرة والطاقة والأمن والتجارة.
ولهذا فإن أي استقرار سياسي واقتصادي في ليبيا ستكون له انعكاسات تتجاوز الاقتصاد المحلي، خصوصًا على أسواق الطاقة وحركة التجارة والهجرة والأمن في شمال أفريقيا.
كما أن قدرة ليبيا على زيادة إنتاج النفط والغاز وتطوير البنية التحتية للطاقة يمكن أن تمنحها أهمية أكبر في سوق الطاقة الأوروبية، خصوصًا في ظل بحث أوروبا المستمر عن مصادر متنوعة للطاقة وتقليل مخاطر الاعتماد على مسارات محددة.
وماذا يعني الاستقرار الليبي لدول المغرب العربي؟
بالنسبة إلى دول المغرب العربي، فإن الاقتصاد الليبي المستقر لا يمثل مجرد نجاح داخلي ليبي، بل يمكن أن يتحول إلى فرصة إقليمية. فعودة ليبيا إلى مسار اقتصادي طبيعي يمكن أن تعيد تنشيط التجارة البرية، وتفتح فرصًا أمام الشركات الإقليمية في الإنشاءات والطاقة والخدمات والاتصالات والصحة والنقل.
كما أن تحسن الوضع الأمني والمؤسسي في ليبيا ينعكس على الحدود الجنوبية والشرقية والغربية، ويقلل من تأثير الاضطرابات على حركة الأشخاص والبضائع، ويفتح المجال أمام مشاريع اقتصادية عابرة للحدود.
أما استمرار الانقسام، فيبقي ليبيا سوقًا كبيرة من حيث الإمكانات، لكنها عالية المخاطر من حيث التنفيذ والاستثمار.
الانتخابات لن تكون عصا سحرية
من السهل سياسيًا القول إن الانتخابات هي مفتاح الحل، لكن الاقتصاد أكثر تعقيدًا من ذلك. الانتخابات يمكن أن تمنح الشرعية، لكنها لا تستطيع وحدها إصلاح المالية العامة أو توحيد المصرف المركزي أو خفض الاعتماد على النفط أو بناء قطاع خاص قوي.
الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة السلطة التي ستنشأ عن المسار السياسي على بناء مؤسسات قابلة للمساءلة، ووضع قواعد واضحة للإنفاق النفطي، وإعادة تنظيم الدعم، وتحسين إدارة سعر الصرف، وتطوير القطاع المصرفي، وفتح المجال أمام الاستثمار الخاص.
ولهذا فإن نجاح الانتخابات اقتصاديًا سيقاس بما يأتي بعدها، لا بعدد الأصوات التي ستوضع في الصناديق فقط.
ثلاثة سيناريوهات أمام الاقتصاد الليبي
يمكن النظر إلى المرحلة المقبلة من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية. الأول هو سيناريو الانفراج، وفيه تنجح خريطة الطريق السياسية في إنتاج مؤسسات موحدة، ويستمر إنتاج النفط في الارتفاع، وتنفذ الميزانية الموحدة بانضباط، فتتحسن ثقة المستثمرين ويستقر الدينار تدريجيًا وتبدأ الاستثمارات غير النفطية في النمو.
السيناريو الثاني هو الاستقرار الهش، حيث يستمر النفط في توفير الإيرادات، لكن الانقسام السياسي لا ينتهي بالكامل، فتظل المالية العامة تعمل ضمن ترتيبات موحدة جزئيًا، بينما يبقى الاقتصاد قادرًا على تمويل نفسه دون أن يتحول إلى اقتصاد متنوع ومستدام.
أما السيناريو الثالث فهو الانتكاس، وفيه تفشل القوى السياسية في تنفيذ الاتفاق الانتخابي، أو تعود الخلافات حول توزيع السلطة والموارد، فتتعرض المؤسسات الاقتصادية مجددًا للانقسام، ويزداد الضغط على الدينار والاحتياطيات، بينما يصبح النفط مرة أخرى ورقة في الصراع السياسي.
وتاريخ ليبيا خلال السنوات الماضية يجعل السيناريو الثالث خطرًا لا يمكن تجاهله، لكنه لا يجعل السيناريو الأول مستحيلًا؛ فالمعادلة تغيرت جزئيًا مع وجود ميزانية موحدة وتحسن الإنتاج وعودة النقاش حول الانتخابات إلى الواجهة.
الاختبار الحقيقي يبدأ قبل صناديق الاقتراع
في النهاية، الاقتصاد الليبي لا يحتاج فقط إلى زيادة برميل النفط، بل إلى دولة قادرة على إدارة هذا البرميل. وهذه هي النقطة التي تختصر الأزمة كلها.
ليبيا تمتلك الموارد اللازمة لتمويل عملية تحول اقتصادي حقيقية، وتمتلك موقعًا جغرافيًا يؤهلها لأن تكون مركزًا مهمًا للطاقة والتجارة في شمال أفريقيا، وتمتلك قاعدة بشرية وشبابية يمكن أن تكون قوة إنتاجية كبيرة. لكنها في المقابل تحمل إرثًا ثقيلًا من الانقسام المؤسسي والإنفاق العام المرتفع والاعتماد المفرط على النفط وضعف التنويع الاقتصادي.
ومن هنا فإن خريطة الطريق الانتخابية الجديدة ليست مجرد ملف سياسي. نجاحها أو فشلها سيؤثر مباشرة في قدرة ليبيا على إدارة مواردها، واستقرار عملتها، وتنفيذ ميزانيتها، وجذب الاستثمارات، وإعادة الإعمار.
وإذا نجحت القوى الليبية في الانتقال من منطق اقتسام المؤسسات إلى منطق بناء المؤسسات، فقد تتحول الزيادة الحالية في إنتاج النفط إلى نقطة انطلاق لمرحلة اقتصادية جديدة. أما إذا بقيت الانتخابات نفسها رهينة الصراع على من يملك السلطة والموارد، فقد تجد ليبيا نفسها بعد عامين أمام أزمة جديدة تحمل أسماء مختلفة، بينما تظل المشكلة الاقتصادية الأساسية كما هي.
المعادلة الليبية إذن لم تعد: هل تستطيع البلاد إنتاج مزيد من النفط؟ بل: هل تستطيع تحويل النفط إلى دولة مستقرة؟
ذلك هو السؤال الاقتصادي والسياسي الأكثر أهمية في ليبيا خلال المرحلة المقبلة، وهو سؤال لن تجيب عنه أسعار النفط وحدها، ولا الميزانية الموحدة وحدها، ولا الانتخابات وحدها؛ وإنما ستجيب عنه قدرة الليبيين على بناء مؤسسات واحدة، وقواعد مالية واضحة، وسلطة شرعية تستطيع أن تجعل الثروة الوطنية أداة للتنمية بدل أن تظل جزءًا من الصراع على الدولة.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق