الجزائر تُسرّع تنفيذ استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي
دخلت الجزائر مرحلة جديدة في مسار تطوير استراتيجية الذكاء الاصطناعي، من خلال الانتقال من وضع التصورات العامة إلى العمل على تنفيذ محاورها وبرامجها بصورة عملية، وذلك في إطار توجه وطني لتعزيز حضور تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، ودعم البحث العلمي والتكوين وتطوير الحلول التكنولوجية المحلية.
وفي هذا السياق، ترأس وزير التعليم العالي والبحث العلمي، السيد كمال بداري، اليوم الثلاثاء 8 سبتمبر 2026، أعمال الاجتماع التنسيقي الأول مع ممثلي الوزارات، والذي خُصص لمتابعة وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس أهمية التنسيق بين مختلف القطاعات لإنجاح هذا المسار وتحويل أهداف الاستراتيجية إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ.
ويأتي الاجتماع في وقت تتجه فيه الجزائر إلى توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي، ليس فقط باعتباره مجالًا بحثيًا وتقنيًا متطورًا، وإنما باعتباره أحد المكونات الأساسية للتحول الرقمي وتطوير الخدمات والإدارة والاقتصاد والبحث العلمي.
خمس لجان لتنفيذ محاور استراتيجية الذكاء الاصطناعي
وشهد الاجتماع التنسيقي الأول إنشاء خمس لجان موضوعاتية، تم توزيع مهامها وفق المحاور الكبرى التي تقوم عليها استراتيجية الذكاء الاصطناعي، بما يسمح بتخصيص العمل وتحديد الأولويات ومتابعة الملفات المرتبطة بتطوير هذا المجال.
وتتعلق اللجنة الأولى بالبيانات والهياكل القاعدية، باعتبار البيانات والبنية التحتية الرقمية من الركائز الأساسية لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتوسيع استخدامها. فالقدرة على جمع البيانات وتنظيمها ومعالجتها وتوفير البنية التكنولوجية اللازمة تعد من الشروط الرئيسية لبناء حلول ذكاء اصطناعي فعالة وقابلة للتوسع.
أما اللجنة الثانية، فتختص بالتمويل، بما يعكس الحاجة إلى توفير الموارد اللازمة لدعم المشروعات والأبحاث والمبادرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، سواء على مستوى المؤسسات الأكاديمية ومراكز البحث أو في مجال تطوير الحلول التكنولوجية.
وتتولى اللجنة الثالثة ملف النماذج اللغوية الكبرى، وهو أحد المجالات المتقدمة في صناعة الذكاء الاصطناعي عالميًا، خصوصًا مع التطور السريع للنماذج القادرة على فهم ومعالجة وإنتاج اللغة الطبيعية. ويكتسب هذا المحور أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تطوير تقنيات قادرة على التعامل مع الخصوصيات اللغوية والثقافية والبيانات المحلية.
دكتوراه متخصصة وتكوين متواصل في الذكاء الاصطناعي
وشملت اللجان الموضوعاتية كذلك لجنة مخصصة للدكتوراه الخاصة بالذكاء الاصطناعي، بما يؤكد الرهان على الجامعة والبحث العلمي في بناء الكفاءات الوطنية القادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في هذا المجال.
ومن شأن هذا المسار الأكاديمي أن يساهم في تعزيز التخصصات العلمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وإعداد باحثين وخبراء قادرين على العمل في مجالات تطوير الخوارزميات والنماذج الذكية وتحليل البيانات والحوسبة المتقدمة وغيرها من التخصصات ذات الصلة.
كما تم إنشاء لجنة خاصة بالتكوين المتواصل في الذكاء الاصطناعي، في توجه يستهدف توسيع قاعدة المستفيدين من برامج التدريب والتأهيل، وعدم حصر اكتساب مهارات الذكاء الاصطناعي في الطلبة والباحثين المتخصصين فقط.
ويكتسب التكوين المتواصل أهمية متزايدة مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى قطاعات ومهن متعددة، الأمر الذي يجعل تحديث مهارات العاملين وتأهيلهم للتعامل مع الأدوات والتطبيقات الجديدة عنصرًا أساسيًا في إنجاح عملية التحول الرقمي.
مركز بحث وطني للذكاء الاصطناعي والبيانات
وفي خطوة أخرى ضمن تنفيذ الاستراتيجية الوطنية، تقرر إحداث مركز بحث وطني في الذكاء الاصطناعي والبيانات.
ويمثل هذا المركز أحد المكونات التي يمكن أن تدعم المنظومة الوطنية للبحث والتطوير في هذا المجال، من خلال توفير إطار مؤسسي للباحثين والخبراء للعمل على مشاريع متخصصة ترتبط بالذكاء الاصطناعي والبيانات.
كما يندرج إنشاء المركز ضمن توجه يستهدف تعزيز البحث العلمي التطبيقي وربط المعرفة الأكاديمية بالاحتياجات الفعلية للاقتصاد والإدارة والخدمات، بما يسمح بتحويل نتائج الأبحاث إلى حلول تكنولوجية يمكن الاستفادة منها على أرض الواقع.
ويبرز ملف البيانات في هذا السياق باعتباره عنصرًا محوريًا في بناء منظومات الذكاء الاصطناعي، حيث ترتبط جودة النماذج والتطبيقات إلى حد كبير بتوفر بيانات موثوقة ومنظمة وقابلة للمعالجة، إلى جانب وجود البنية التحتية الرقمية القادرة على استيعاب عمليات التخزين والمعالجة والحوسبة.
حلول تكنولوجية جزائرية في مقدمة الأولويات
ولم تقتصر مخرجات الاجتماع على الجوانب التنظيمية والبحثية والتكوينية، إذ تم كذلك الإعلان عن برمجة عدد من الحلول التكنولوجية القائمة على الذكاء الاصطناعي ضمن المدى القصير.
وفي هذا الإطار، تتضمن الخطة إنجاز نظام إدارة للجباية باستعمال الذكاء الاصطناعي، بما يضع تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن مسار تطوير أدوات الإدارة وتحسين آليات التعامل مع البيانات المرتبطة بالمجال الجبائي.
ويعكس إدراج هذا المشروع ضمن الأولويات قصيرة المدى توجهًا نحو نقل الذكاء الاصطناعي من الإطار النظري والبحثي إلى التطبيقات العملية، والاستفادة منه في تطوير أنظمة الإدارة والخدمات العمومية.
كما تتضمن المشاريع المبرمجة إحداث نظام جزائري متعدد القطاعات لتعميم استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي، وهو مشروع يستهدف توسيع نطاق الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر قطاعات متعددة.
ويحمل هذا التوجه أهمية خاصة، باعتبار أن تعميم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي يتطلب مقاربة مشتركة تتجاوز حدود قطاع واحد، وتسمح بتبادل الخبرات والحلول وتطوير استخدامات تتلاءم مع احتياجات مختلف المؤسسات والقطاعات.
تكوين 50 ألف مختص بحلول 2030
وفي الجانب المتعلق ببناء القدرات البشرية، تتضمن الخطة الوطنية هدفًا طموحًا يتمثل في تكوين 50 ألف مختص في مجال الذكاء الاصطناعي في غضون سنة 2030.
ويعكس هذا الرقم حجم الرهان الذي تضعه الجزائر على العنصر البشري باعتباره أحد أهم مقومات تطوير منظومة الذكاء الاصطناعي، إذ لا يمكن بناء صناعة وطنية متقدمة في هذا المجال اعتمادًا على البنية التكنولوجية وحدها، من دون توفير عدد كافٍ من الباحثين والمهندسين والمطورين والخبراء المتخصصين.
ويأتي هذا الهدف بالتوازي مع تخصيص مسارات أكاديمية وبحثية للذكاء الاصطناعي، إلى جانب برامج التكوين المتواصل، بما يوفر مقاربة تجمع بين إعداد الكفاءات الجديدة وإعادة تأهيل الموارد البشرية الموجودة.
ومن المنتظر أن يشكل الوصول إلى هذا الهدف بحلول 2030 أحد المؤشرات المهمة في تقييم مدى تقدم الجزائر في بناء قاعدة بشرية قادرة على دعم المشروعات الوطنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبيانات والتحول الرقمي.
إطلاق مشاريع بحثية ضمن برنامج PNR
كما شملت مخرجات الاجتماع التحضير لإطلاق مشاريع بحثية في إطار البرنامج الوطني للبحث PNR، وفق الأولويات المحددة ضمن الاستراتيجية الوطنية.
ويعني ذلك أن البحث العلمي سيحتل موقعًا أساسيًا في المرحلة المقبلة، من خلال توجيه المشاريع البحثية نحو المجالات التي تحظى بالأولوية الوطنية، وربط جهود الباحثين والجامعات ومراكز البحث بالأهداف الاستراتيجية المرتبطة بتطوير الذكاء الاصطناعي.
ويُنتظر أن يساهم هذا المسار في تعزيز إنتاج المعرفة والخبرات المحلية، ودعم المشروعات التي تستهدف إيجاد حلول تكنولوجية تتناسب مع الاحتياجات الجزائرية، فضلًا عن تعزيز قدرة المنظومة البحثية على مواكبة التطورات العالمية المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي.
من الاستراتيجية إلى التطبيق
ويكتسب الاجتماع التنسيقي الأول مع ممثلي الوزارات أهمية خاصة لكونه يمثل خطوة باتجاه تفعيل استراتيجية الذكاء الاصطناعي عبر آليات عمل متعددة القطاعات، بدل الاكتفاء بوضع الأهداف والتصورات العامة.
فإنشاء اللجان الخمس، وإحداث مركز بحث وطني للذكاء الاصطناعي والبيانات، وبرمجة حلول تكنولوجية قصيرة المدى، إلى جانب وضع هدف تكوين 50 ألف مختص والتحضير لمشاريع بحثية في إطار PNR، كلها مسارات تشير إلى محاولة بناء منظومة متكاملة تجمع بين الحوكمة والبحث العلمي والتكوين والبنية التحتية والتطبيقات العملية.
كما أن إشراك ممثلي الوزارات في هذا المسار يعكس طبيعة الذكاء الاصطناعي باعتباره ملفًا عابرًا للقطاعات، تتقاطع فيه التكنولوجيا مع الإدارة والاقتصاد والبحث العلمي والتكوين والخدمات العمومية.
وبذلك، تفتح الجزائر مع اجتماع 8 سبتمبر 2026 مرحلة جديدة في تنفيذ استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي، عنوانها الانتقال نحو بناء الكفاءات وتطوير البنية التحتية والبيانات وتشجيع البحث العلمي، بالتوازي مع إنتاج حلول تكنولوجية محلية تستهدف قطاعات مختلفة.
وتبقى قدرة هذه المبادرات على تحقيق نتائج ملموسة مرتبطة بمدى نجاح آليات التنسيق والتنفيذ، وتوفير التمويل والموارد البشرية والبنية التكنولوجية اللازمة، فضلًا عن تحويل مخرجات البحث العلمي إلى تطبيقات عملية قابلة للاستخدام والتوسع.
For more on the latest news from Algeria, click to enter the Algeria Now section here
For more Africa news, click the World Now Africa section here
For more Maghreb news, click to enter the Greater Maghreb section now here
For more news on the Algerian government, click to enter the Algeria Now section, my national here.
For more Media Maghreb AI videos and other videos, click here
For more Media Maghreb economic infographics click here
Share this content:




Post Comment