مجلس السلم والأمن الإفريقي

رئاسة الجزائر لمجلس السلم والأمن الافريقي.. ثقل دبلوماسي وموثوقية إقليمية.

بقلم: الدكتور محمد الصالح جمّال
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة قالمة

تأتي الرئاسة الدورية التي ستتولاها الجزائر لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي خلال شهر أوت في سياق إقليمي وقاري بالغ التعقيد، حيث تتزايد التحديات الأمنية والسياسية والإنسانية في العديد من مناطق القارة. وتمثل هذه الرئاسة امتدادا لمسار دبلوماسي وأمني طويل، رسخت من خلاله الجزائر مكانتها كأحد أبرز الفاعلين في دعم السلم والاستقرار داخل إفريقيا، اعتمادا على رؤية متكاملة ترتكز على الحوار، واحترام سيادة الدول، وتعزيز الحلول الإفريقية للنزاعات.

برنامج يعكس خبرة دبلوماسية وأمنية متراكمة

ويعكس البرنامج الذي أعدته الجزائر لهذه الرئاسة خبرة تراكمت عبر سنوات من العمل داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي، حيث جمع بين الملفات الأمنية التقليدية والقضايا المرتبطة بالتنمية والحوكمة والتعليم وحقوق الإنسان. ويؤكد هذا التنوع أن الأمن في الرؤية الجزائرية،
يرتبط ارتباطا وثيقا ببناء الإنسان، وتعزيز المؤسسات،
وتقوية قدرة الدول على مواجهة الأزمات قبل تحولها إلى صراعات مفتوحة“.

التعليم كمدخل لتعزيز الأمن الإنساني

ويبرز إدراج موضوع التعليم في مناطق النزاعات ضمن أولويات المجلس فهما متقدما لمفهوم الأمن الإنساني، لأن حماية المدرسة والجامعة تمثل استثمارا في مستقبل المجتمعات الإفريقية، وتحد من انتشار التطرف والعنف، وتسهم في إعادة بناء الثقة داخل الدول التي عانت من الحروب. فالتنمية البشرية أصبحت أحد أهم عناصر الوقاية من النزاعات، وهو ما تنادي به الجزائر باستمرار داخل مختلف المحافل الإفريقية والدولية.

رصيد تاريخي في إدارة الأزمات والوساطة

وتستند الجزائر في هذا التوجه إلى تجربة ثرية في إدارة الأزمات الإفريقية، جعلتها تحظى بمصداقية واسعة لدى العديد من الدول. فمنذ استقلالها، تبنت سياسة خارجية تقوم على دعم الحوار والوساطة، والعمل على تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، مع التمسك بمبادئ احترام السيادة الوطنية ووحدة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وقد ساعد هذا النهج على بناء صورة الجزائر كوسيط يحظى بالثقة، وقادر على توفير فضاءات للحوار بعيدا عن منطق الاستقطاب.

مواجهة تهديدات أمنية عابرة للحدود

كما أدركت الجزائر مبكرا أن التهديدات الأمنية في إفريقيا أصبحت مترابطة وعابرة للحدود، وتشمل الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار بالأسلحة والهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر. ومن هذا المنطلق، حرصت على دعم آليات التعاون القاري في مجالات تبادل المعلومات، والتنسيق الأمني، وتعزيز قدرات أجهزة إنفاذ القانون، إيمانا بأن مواجهة هذه التحديات تتطلب عملا جماعيا ومقاربة إفريقية موحدة.

أداة التقييم القاري للتهديدات واستباق الأزمات

وتحمل المبادرات الجزائرية داخل مجلس السلم والأمن دلالات استراتيجية مهمة، خاصة فيما يتعلق بأداة التقييم القاري للتهديدات ورسم خرائط المخاطر، التي اقترحتها الجزائر خلال رئاستها السابقة للمجلس. وتعكس هذه المبادرة تطورا في التفكير الأمني الإفريقي، من خلال التركيز على الإنذار المبكر، وتحليل المخاطر، واستباق الأزمات قبل توسعها، بما يسمح باتخاذ قرارات أكثر فعالية ويحد من كلفة النزاعات على الدول والشعوب.

تكامل المؤسسات لتعزيز العمل الإفريقي

كما أن الاجتماعات المخصصة لتعزيز التنسيق بين مجلس السلم والأمن والبرلمان الإفريقي، واللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، ومنصة الحوكمة الإفريقية،
وهيكل السلم والأمن الإفريقي، تعكس قناعة جزائرية بأن نجاح العمل القاري يرتبط بتكامل الأدوار بين مختلف المؤسسات. ويعزز هذا التوجه قدرة الاتحاد الإفريقي على صياغة سياسات أكثر انسجاما وفاعلية في التعامل مع الأزمات.

تنسيق المواقف الإفريقية داخل مجلس الأمن

ويكتسي الحرص على تنسيق مواقف مجموعة الدول الإفريقية الثلاث الأعضاء في مجلس الأمن الدولي مع مجلس السلم والأمن أهمية خاصة، لأنه يعزز وحدة الموقف الإفريقي داخل الأمم المتحدة، ويمنح القارة قدرة أكبر على الدفاع عن أولوياتها في القضايا الدولية، خاصة تلك المرتبطة بحفظ السلم، وتمويل عمليات دعم السلام، وإصلاح منظومة الحوكمة العالمية.

السودان والساحل في صلب معادلة الأمن الإفريقي

أما الاهتمام بالسودان ومنطقة الساحل، فينسجم مع إدراك الجزائر لحساسية هاتين المنطقتين في معادلة الأمن الإفريقي. فالاستقرار في الساحل والسودان ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الجماعي للقارة، وهو ما يفسر استمرار الجزائر في تشجيع التسويات السياسية، ودعم المصالحة الوطنية، ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي النزاعات المسلحة.

إسكات البنادق بوابة التنمية والتكامل

وتتوافق هذه الرؤية مع أهداف أجندة الاتحاد الإفريقي 2063، وخاصة مبادرة “إسكات البنادق في إفريقيا”، التي تعتبرها الجزائر مشروعا استراتيجيا يفتح الطريق أمام التنمية والتكامل الاقتصادي والاندماج القاري. فتهيئة بيئة مستقرة أصبحت شرطا أساسيا لاستقطاب الاستثمار، وتحقيق التنمية المستدامة،
وتمكين الشعوب الإفريقية من الاستفادة من إمكانات القارة.

رئاسة تعكس مكانة الجزائر في إفريقيا

في الأخير، تؤكد الرئاسة الجزائرية لمجلس السلم والأمن المكانة التي أصبحت تحتلها الجزائر داخل المنظومة الإفريقية، بفضل رصيدها التاريخي في الوساطة، وخبرتها في مكافحة الإرهاب، ومبادراتها الرامية إلى تطوير أدوات الوقاية من النزاعات وتعزيز العمل الإفريقي المشترك. وتبرز هذه الرئاسة أيضا حرص الجزائر على الانتقال من إدارة الأزمات إلى المساهمة في بناء منظومة إفريقية أكثر قدرة على التوقع، والاستجابة، وصناعة السلام المستدام.

 

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق