الجزائر تعرض رؤيتها لشراكة اقتصادية إفريقية مع دول الشمال في أوسلو
أكدت الجزائر تمسكها بتعزيز الشراكة الاقتصادية الإفريقية على أسس تقوم على الاستثمار المنتج، ونقل التكنولوجيا، وتبادل الخبرات، وتحويل الموارد محليًا، بما يدعم السيادة الاقتصادية للقارة ويساهم في تحقيق تنمية مستدامة تعود بالفائدة على شعوبها.
وجاء هذا الموقف على لسان وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، السيد سيد علي خالدي، خلال مشاركته، يوم الخميس 8 أكتوبر 2026، في الندوة رفيعة المستوى الموسومة بـ«الوحدة الإفريقية اليوم»، التي انعقدت ضمن الجلسة الافتتاحية للدورة الخامسة عشرة للقمة الإفريقية الاسكندنافية بالعاصمة النرويجية أوسلو.
وشاركت الجزائر في هذا الحدث بصفتها ضيف شرف خاصًا، في مناسبة أتاحت عرض رؤيتها بشأن مستقبل التعاون الإفريقي مع دول الشمال الأوروبي، وسبل الانتقال بالعلاقات الاقتصادية من تبادل المصالح التقليدية إلى شراكات أكثر توازنًا، تقوم على تثمين الموارد وتعزيز القدرات الإنتاجية ونقل المعرفة والتكنولوجيا.
وأشرف على إطلاق الندوة وزير الشؤون الخارجية لمملكة النرويج، حيث شكلت أشغالها منصة لمناقشة واقع الوحدة الإفريقية والتحديات المرتبطة باستكمال مسار الاستقلال الاقتصادي، إلى جانب استعراض الفرص المتاحة أمام الشراكات الدولية لدعم التنمية في القارة.
السيادة الاقتصادية استكمال لمسار الاستقلال السياسي
وشدد سيد علي خالدي، في مداخلته، على ضرورة استكمال السيادة السياسية لإفريقيا بالسيادة الاقتصادية، باعتبارها امتدادًا للمسار الذي تطلع إليه الآباء المؤسسون لمنظمة الوحدة الإفريقية والاتحاد الإفريقي.
وتقوم هذه الرؤية على أن استقلال الدول الإفريقية لا يكتمل بمجرد امتلاك القرار السياسي، بل يتطلب كذلك تعزيز القدرة على التحكم في الموارد والثروات الوطنية، وتطوير القطاعات الإنتاجية، وبناء اقتصاد قادر على تلبية احتياجات السكان وتحقيق التنمية على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الانتقال من الاعتماد على تصدير المواد الأولية إلى توسيع أنشطة التحويل والتصنيع، بما يسمح برفع القيمة المضافة للموارد الإفريقية، وخلق فرص اقتصادية جديدة، وتعزيز قدرة الاقتصادات الوطنية على مواجهة التقلبات الخارجية.
كما يرتبط تحقيق السيادة الاقتصادية بتطوير البنية التحتية، وتحسين القدرات التقنية والبشرية، وتوسيع مجالات التعاون بين الدول الإفريقية وشركائها الدوليين، على أساس المصالح المتبادلة ونقل الخبرات وبناء القدرات المحلية.
وتعكس الرسالة التي حملتها المشاركة الجزائرية توجهًا نحو تعزيز موقع القارة الإفريقية كشريك اقتصادي يمتلك الموارد والإمكانات، ويسعى إلى توظيفها في مشاريع تنموية طويلة الأمد، بدلًا من الاقتصار على دور المورد للمواد الخام في الأسواق العالمية.
الأمن الغذائي أولوية وطنية وجزء من السيادة الجزائرية
وفي معرض حديثه عن التجربة الجزائرية، أوضح وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري أن الجزائر جعلت من الأمن الغذائي أولوية وطنية كبرى، وجزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي وسيادتها الوطنية.
ويعكس هذا التوجه الأهمية الاستراتيجية التي يكتسيها القطاع الفلاحي في ضمان استقرار الإمدادات الغذائية، وتلبية احتياجات السكان، وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة التغيرات التي قد تؤثر على الأسواق وسلاسل التموين.
كما يرتبط الأمن الغذائي بتطوير الإنتاج المحلي، وتحسين استغلال الموارد المتاحة، ودعم الاستثمار في النشاط الفلاحي، إلى جانب الاستفادة من التكنولوجيا والخبرات التي تساعد على رفع كفاءة الإنتاج وتطوير أساليب العمل في القطاع.
وتزداد أهمية هذا الملف في ظل التحديات التي تواجه النظم الغذائية عالميًا، بما فيها تقلبات الأسواق، والضغوط المرتبطة بالموارد الطبيعية، والتغيرات المناخية، والحاجة إلى تطوير أنماط إنتاج أكثر استدامة.
ومن هذا المنطلق، قدم الوزير الأمن الغذائي بوصفه أحد العناصر الأساسية المرتبطة بالسيادة الوطنية، وليس مجرد ملف إنتاجي أو تجاري، بالنظر إلى علاقته المباشرة باستقرار البلاد وقدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية.
كما ينسجم هذا التوجه مع الرؤية الجزائرية الداعية إلى تعزيز القدرات الإنتاجية الإفريقية، وتوسيع التعاون بين الدول في المجالات التي تدعم التنمية الزراعية والغذائية، وتبادل المعارف والتجارب التي يمكن أن تساهم في تطوير أداء القطاعات المرتبطة بالأمن الغذائي.
مشاريع استراتيجية تعكس التزام الجزائر بالاندماج الإفريقي
وفي سياق إبراز التزام الجزائر بالاندماج الإفريقي، أشار سيد علي خالدي إلى عدد من المشاريع الهيكلية الكبرى التي تجسد هذا التوجه، وفي مقدمتها الطريق العابر للصحراء، وأنبوب الغاز العابر للصحراء، ومشروع الألياف البصرية.
وتندرج هذه المشاريع ضمن الرؤية التي تعتبر البنية التحتية عنصرًا أساسيًا في تعزيز التواصل بين الدول الإفريقية، وتسهيل حركة الأشخاص والسلع والخدمات، وتطوير الروابط الاقتصادية والتجارية بين بلدان القارة.
ويعد الطريق العابر للصحراء أحد المشاريع التي تستهدف تحسين الربط البري بين عدد من الدول الإفريقية، بما يتيح فرصًا لتطوير النقل والتجارة والتبادل الاقتصادي، ويساعد على تعزيز التواصل بين المناطق التي تحتاج إلى بنية تحتية تدعم نشاطها الإنتاجي والتجاري.
أما مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، فيندرج ضمن المشاريع المرتبطة بالتعاون في مجال الطاقة، ويعكس أهمية تطوير البنية التحتية التي يمكن أن تربط الموارد والأسواق، وتفتح مجالات أوسع للتعاون بين الدول المعنية.
وفي المجال الرقمي، يمثل مشروع الألياف البصرية أحد المحاور المرتبطة بتطوير الاتصالات والبنية التحتية الرقمية، وهي عناصر تكتسي أهمية متزايدة في دعم الاقتصاد الحديث، وتيسير تبادل المعلومات، وتعزيز الترابط بين المؤسسات والأسواق.
وتبرز الإشارة إلى هذه المشاريع في مداخلة الوزير أهمية البعد القاري في الرؤية الجزائرية، إذ لا يقتصر الاندماج الإفريقي على التنسيق السياسي، بل يمتد إلى إنشاء روابط مادية وتقنية تساعد على تحويل التقارب بين الدول إلى تعاون اقتصادي أكثر فاعلية.
كما تعكس هذه المشاريع توجهًا نحو تعزيز التكامل بين قطاعات النقل والطاقة والاتصالات، باعتبارها مجالات مترابطة تؤثر في فرص الاستثمار والتنمية وتطوير المبادلات التجارية داخل القارة الإفريقية.
الجزائر تعرض تصورها لشراكة حقيقية مع دول الشمال الأوروبي
وبخصوص علاقات التعاون مع الشركاء في بلدان الشمال الأوروبي، أعرب وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري عن تطلع الجزائر إلى إقامة شراكة حقيقية تقوم على الاستثمار في تحويل الموارد، ونقل الخبرة والتكنولوجيا، والتكوين، وتبادل المنتجات في الاتجاهين.
ويعكس هذا التصور رغبة في بناء علاقات اقتصادية تتجاوز الصيغ التقليدية للتبادل التجاري، من خلال تشجيع المشاريع التي تتيح تحويل الموارد إلى منتجات ذات قيمة مضافة، وتدعم تطوير القدرات الإنتاجية ونقل المعرفة إلى الكفاءات المحلية.
كما يضع التكوين ونقل التكنولوجيا ضمن العناصر الأساسية للشراكة المنشودة، بما يتيح للبلدان المستفيدة تطوير مهاراتها المهنية والتقنية، وتعزيز قدرتها على تشغيل المشاريع وإدارتها وتطويرها.
ويبرز كذلك تأكيد الوزير على تبادل المنتجات في الاتجاهين أهمية تحقيق توازن أكبر في المبادلات التجارية، من خلال توسيع فرص الوصول إلى الأسواق وتعزيز التعاون بين المؤسسات الاقتصادية، بما يخدم المصالح المشتركة للطرفين.
وتتصل هذه الرؤية بمسعى أوسع لتعزيز الشراكات بين الجزائر ودول الشمال الأوروبي، على أساس الاستفادة المتبادلة من الإمكانات المتاحة، وتطوير التعاون في المجالات التي تتوفر فيها فرص للاستثمار والإنتاج ونقل الخبرات.
وتمنح القمة الإفريقية الاسكندنافية، في هذا الإطار، فرصة لطرح التصورات المتعلقة بمستقبل العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، ومناقشة سبل تطوير التعاون بما يراعي أولويات التنمية في إفريقيا واحتياجات الشركاء الأوروبيين.
التجربة النرويجية في الاستدامة نموذج ملهم
وفي معرض حديثه عن فرص التعاون مع دول الشمال الأوروبي، أشار سيد علي خالدي إلى التجربة النرويجية الرائدة في التسيير المستدام للموارد، وصون حقوق الأجيال الحاضرة والقادمة، معتبرًا أنها تمثل مثالًا ملهمًا في هذا المجال.
وتكتسب مسألة إدارة الموارد أهمية خاصة في النقاشات المتعلقة بالتنمية الاقتصادية، بالنظر إلى ضرورة التوفيق بين استغلال الثروات المتاحة وتحقيق العوائد الاقتصادية من جهة، والحفاظ على استدامة الموارد ومراعاة احتياجات الأجيال المقبلة من جهة أخرى.
ومن هذا المنطلق، يبرز الاهتمام بالتجربة النرويجية بوصفه تعبيرًا عن الرغبة في الاستفادة من الخبرات التي طورتها دول الشمال الأوروبي في إدارة الموارد، وتوظيف المعرفة والتكنولوجيا في دعم التنمية المستدامة.
كما تتقاطع هذه الرؤية مع الدعوة إلى إقامة شراكات تقوم على تبادل الخبرات والتكوين ونقل التكنولوجيا، بما يساعد على تطوير الممارسات الاقتصادية وتعزيز قدرة الدول على إدارة مواردها بكفاءة أكبر.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا لأهمية الشراكة القائمة على المعرفة، حيث لا تقتصر الاستفادة من التعاون الدولي على التمويل أو المبادلات التجارية، بل تشمل أيضًا تطوير القدرات البشرية والمؤسساتية، وتبادل التجارب التي يمكن تكييفها مع الأولويات الوطنية والإمكانات المتاحة.
من «قبلة الثوار والأحرار» إلى وجهة للاستثمار والشراكة
وفي ختام مداخلته، أكد وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري أن الجزائر، التي كانت بالأمس «قبلة الثوار والأحرار»، تتطلع اليوم إلى أن تكون وجهة للشراكة والاستثمار.
وتعكس هذه العبارة رغبة في إبراز التحول الذي تسعى الجزائر إلى تكريسه في علاقاتها الدولية، من خلال تعزيز حضورها الاقتصادي وتوسيع مجالات التعاون والاستثمار، مع الحفاظ على المبادئ المرتبطة بالسيادة الوطنية والتضامن الإفريقي.
وشدد الوزير على أن بناء علاقات اقتصادية متوازنة يتطلب الانطلاق من المصالح المشتركة، وتطوير المشاريع المنتجة، وتعزيز نقل التكنولوجيا، وتوفير فرص حقيقية للتعاون بين المؤسسات الاقتصادية في الجزائر والدول الشريكة.
كما ترتبط هذه الرؤية بتشجيع الاستثمارات التي تساهم في تحويل الموارد وتطوير القدرات الإنتاجية، بما يتيح تحقيق قيمة مضافة أكبر، ودعم فرص التنمية الاقتصادية على المدى الطويل.
وتبرز الرسالة الجزائرية أهمية الانتقال إلى مرحلة تتعزز فيها الشراكات الاقتصادية القائمة على الإنتاج والمعرفة، وتستفيد فيها الأطراف المختلفة من إمكاناتها وخبراتها، بدلًا من الاقتصار على العلاقات التجارية التقليدية.
«إفريقيا شريكة للجميع».. رؤية اقتصادية لمستقبل القارة
واختتم سيد علي خالدي مداخلته بالتأكيد على أن الشعار السياسي للقارة الإفريقية «إفريقيا للأفارقة» ينبغي أن يقابله اقتصاديًا شعار «إفريقيا شريكة للجميع».
ويحمل هذا الطرح دعوة إلى تعزيز انفتاح القارة على الشراكات الدولية، مع التمسك بحق الدول الإفريقية في تحديد أولوياتها الاقتصادية، وإدارة مواردها بما يخدم مصالح شعوبها، والاستفادة من التعاون الخارجي في دعم التنمية.
فالشراكة التي تدعو إليها الجزائر، وفق مضمون المداخلة، تقوم على الانفتاح على المستثمرين والشركاء الدوليين، دون التخلي عن ضرورة تحقيق السيادة الاقتصادية وتطوير القدرات المحلية.
كما يبرز الشعار أهمية بناء علاقات اقتصادية تقوم على المصالح المتبادلة، وتمنح الدول الإفريقية دورًا فاعلًا في تحديد المشاريع والأولويات، وتتيح لها الاستفادة من التكنولوجيا والخبرات والاستثمارات التي تدعم تنويع اقتصاداتها وتعزيز إنتاجيتها.
ويأتي هذا التصور في سياق النقاش حول مستقبل العلاقات بين إفريقيا ودول الشمال الأوروبي، والحاجة إلى شراكات تستند إلى التكامل الاقتصادي، وتحويل الموارد، وتطوير البنية التحتية، وتبادل المعرفة، بما يدعم التنمية المستدامة ويعزز فرص التعاون بين الجانبين.
مشاركة واسعة من المسؤولين والمتعاملين الاقتصاديين في القمة
وشهدت الدورة الخامسة عشرة للقمة الإفريقية الاسكندنافية مشاركة أكثر من 250 ممثلًا حكوميًا، إلى جانب 200 متعامل اقتصادي ينشطون في مجالات متنوعة، ولا سيما الفلاحة والطاقة.
وتعكس هذه المشاركة حجم الاهتمام الذي تحظى به القضايا الاقتصادية ضمن فعاليات القمة، في ظل أهمية تعزيز التواصل بين المسؤولين الحكوميين والفاعلين الاقتصاديين، وبحث فرص التعاون والاستثمار في القطاعات ذات الأولوية.
كما يوفر حضور ممثلي الحكومات والمتعاملين الاقتصاديين مساحة لتبادل الرؤى بشأن احتياجات الأسواق وفرص تطوير المبادلات، ومناقشة إمكانات إقامة مشاريع مشتركة تدعم الإنتاج وتبادل التكنولوجيا والخبرات.
وتكتسب مشاركة الجزائر بصفتها ضيف شرف خاصًا أهمية في عرض أولوياتها الاقتصادية، والتعريف برؤيتها للشراكة مع دول الشمال الأوروبي، ولا سيما في المجالات المرتبطة بالأمن الغذائي والطاقة والاستثمار وتحويل الموارد.
وبذلك، شكلت مداخلة سيد علي خالدي في أوسلو مناسبة لتأكيد توجه الجزائر نحو تعزيز الشراكة الاقتصادية الإفريقية، وربطها بأهداف السيادة الاقتصادية والتنمية المستدامة، مع الدعوة إلى تعاون دولي يقوم على الاستثمار المنتج ونقل التكنولوجيا والتكوين وتبادل المنافع.
وتتمحور الرسالة الأساسية للمشاركة الجزائرية حول ضرورة أن تكون إفريقيا شريكًا فاعلًا في الاقتصاد العالمي، قادرًا على تثمين موارده وتحديد أولوياته، والاستفادة من الشراكات الدولية لتحقيق تنمية أكثر استدامة وتوازنًا.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق