يوسف بلمهدي: الجزائر تستعد لإطلاق مركز وطني لحماية مرجعيتها الدينية
كشف وزير الشؤون الدينية والأوقاف، الدكتور يوسف بلمهدي، عن اقتراب صدور المرسوم التنظيمي الخاص بإنشاء المركز الوطني للحفاظ وحماية المرجعية الدينية الوطنية، في خطوة تندرج ضمن استراتيجية الدولة الجزائرية الرامية إلى تعزيز الأمن الروحي والفكري، وصون الهوية الدينية والوطنية، والتصدي للتحديات الفكرية والثقافية المتنامية في الفضاء الرقمي.
وجاء إعلان الوزير خلال إشرافه، يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، بدار الإمام، على افتتاح أشغال اليوم الدراسي الموسوم بـ«نوفمبر المجيد: شرارة التحرير… وحرارة البناء والتعمير»، والمنظم تحت شعار «نوفمبر… ذاكرة وطن ومستقبل أمة»، وذلك في إطار الاحتفالات المخلدة للذكرى الثانية والسبعين لاندلاع ثورة أول نوفمبر 1954 المجيدة.
وشكلت هذه المناسبة الوطنية محطة لاستحضار تضحيات الشعب الجزائري في سبيل استعادة السيادة الوطنية، والتأكيد على أهمية المحافظة على الذاكرة التاريخية ونقل قيم الثورة التحريرية إلى الأجيال الصاعدة، إلى جانب إبراز الدور الذي يضطلع به قطاع الشؤون الدينية والأوقاف في ترسيخ روح المواطنة وتعزيز الارتباط بالهوية الوطنية والمرجعية الدينية الجزائرية.
دار الإمام تحتضن يوماً دراسياً لإحياء ذكرى ثورة نوفمبر
احتضنت دار الإمام فعاليات اليوم الدراسي الذي أشرف على افتتاحه وزير الشؤون الدينية والأوقاف، الدكتور يوسف بلمهدي، بحضور إطارات الإدارة المركزية للوزارة، وممثلين عن وزارة الدفاع الوطني، إلى جانب أفراد من الأسرة الجامعية ونخبة من العلماء والمشايخ والأئمة والمرشدات الدينيات.
وجاء تنظيم هذه الفعالية في إطار البرنامج المسطر للاحتفاء بالذكرى الثانية والسبعين لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة، من خلال استحضار المحطات التاريخية الكبرى التي صنعت استقلال الجزائر، والتوقف عند الأبعاد الحضارية والدينية والوطنية لثورة أول نوفمبر 1954.
وعكس الحضور المتنوع لمختلف الفاعلين والمؤسسات أهمية المناسبة، باعتبارها فضاءً يجمع بين الذاكرة الوطنية والرسالة الدينية والعلمية، ويؤكد الترابط الوثيق بين دور المسجد في المجتمع ومسؤولية المحافظة على الهوية التاريخية والثقافية للشعب الجزائري.
كما شكل اللقاء فرصة لتجديد التأكيد على أهمية مساهمة المؤسسات الدينية والعلمية والتربوية في ترسيخ الوعي الوطني، وتعريف الأجيال الجديدة بالتضحيات التي قدمها الشعب الجزائري عبر مسيرته النضالية من أجل الحرية والاستقلال.
بلمهدي: ثورة نوفمبر ملحمة شعب رفض الاستعباد ومحو الهوية
وفي كلمته الافتتاحية، أكد وزير الشؤون الدينية والأوقاف أن إحياء ذكرى أول نوفمبر لا يمثل مجرد مناسبة تاريخية عابرة، بل هو استحضار متجدد لتضحيات شعب بأكمله، ووقوف أمام محطة مفصلية من تاريخ الجزائر، بما تحمله من معاني التضحية والصمود والإيمان بالحرية.
ووصف الوزير ذكرى نوفمبر بأنها «جرح لا يندمل ونور يتوهج في سماء الخالدين»، في إشارة إلى المكانة الراسخة التي تحتلها الثورة التحريرية في الوجدان الجماعي للجزائريين، باعتبارها ملحمة وطنية تجاوزت حدود المواجهة العسكرية لتشكل تعبيراً عن إرادة شعب تمسك بحقه في الحياة والحرية والسيادة.
وأوضح بلمهدي أن الثورة التحريرية لم تكن مجرد مواجهة مسلحة ضد مستعمر استيطاني، بل كانت ملحمة تاريخية استندت إلى قوة العقيدة وصلابة الإرادة الشعبية، في مواجهة مشروع استعماري استهدف طمس الهوية الوطنية وتخريب اللغة واجتثاث الدين ومحو التاريخ الجزائري.
وأكد أن الشعب الجزائري رفض الاستعباد بكل أشكاله، وتمسك بمقومات شخصيته الوطنية رغم السياسات الاستعمارية التي استهدفت وجوده الثقافي والديني والحضاري، وهو ما جعل الثورة التحريرية تعبيراً عن إرادة جماعية في استعادة الحرية والمحافظة على مقومات الأمة.
وتبرز هذه الرؤية، بحسب مضامين كلمة الوزير، أن ثورة نوفمبر لم تكن حدثاً عسكرياً منفصلاً عن تاريخ المجتمع الجزائري، وإنما جاءت امتداداً لمسار طويل من المقاومة والنضال، ارتبط بالدفاع عن الأرض والهوية والدين واللغة والذاكرة الوطنية.
ثورة نوفمبر تجاوزت الحدود وألهمت حركات التحرر العالمية
وتوقف وزير الشؤون الدينية والأوقاف عند الأبعاد الإفريقية والعالمية للثورة الجزائرية، مشيراً إلى الدور الذي أدته في إلهام الشعوب المستعمرة وحركات التحرر في القارة الإفريقية ومختلف مناطق العالم.
وأكد أن ثورة أول نوفمبر تحولت إلى منارة نضالية ألهمت شعوباً عديدة للانتفاض ضد القوى الاستعمارية والمطالبة بالحرية والاستقلال، كما ساهمت في تعزيز الاعتراف الدولي بحق الشعوب في تقرير مصيرها وإنهاء السيطرة الاستعمارية.
وأشار الوزير إلى أن المكانة التي اكتسبتها الثورة الجزائرية على المستوى الدولي جاءت نتيجة التضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب الجزائري خلال مسيرته التحررية، والتي جسدتها قوافل الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل استعادة السيادة الوطنية.
وفي هذا السياق، استحضر بلمهدي التضحيات التي قدمها مليون ونصف المليون شهيد خلال الثورة التحريرية، إلى جانب أكثر من خمسة ملايين ونصف المليون شهيد منذ بداية الاحتلال الاستعماري سنة 1830، وفق الأرقام التي أوردها في كلمته.
وتعكس هذه التضحيات حجم المعاناة التي عاشها الشعب الجزائري طوال الحقبة الاستعمارية، كما تبرز عمق المسار التاريخي الذي سبق اندلاع ثورة نوفمبر، والذي تخللته مقاومات شعبية وانتفاضات ونضالات متواصلة دفاعاً عن الأرض والهوية والكرامة الوطنية.
ولم يقتصر تأثير الثورة الجزائرية على تحقيق الاستقلال الوطني، بل امتد إلى دعم مسارات التحرر في العالم، لتصبح التجربة الجزائرية إحدى المحطات البارزة في تاريخ مقاومة الاستعمار ومطالبة الشعوب بحقها في الحرية وتقرير المصير.
قطاع الشؤون الدينية مدعو لترسيخ المواطنة وحب الوطن
وفي محور آخر من كلمته، أبرز وزير الشؤون الدينية والأوقاف المسؤولية التي تقع على عاتق القطاع في مجال غرس روح المواطنة الصادقة وتعزيز حب الوطن لدى الناشئة والأجيال الصاعدة.
وأكد أن المحافظة على الذاكرة الوطنية لا تقتصر على استحضار الأحداث التاريخية خلال المناسبات الرسمية، بل تتطلب عملاً مستمراً داخل المؤسسات الدينية والتربوية والاجتماعية، بهدف تعريف الأجيال الجديدة بتاريخ الجزائر ورموزها الوطنية وقيم التضحية التي قامت عليها الثورة التحريرية.
وشدد بلمهدي على أهمية استثمار دور المسجد باعتباره مؤسسة دينية وتربوية واجتماعية، قادرة على المساهمة في نشر الوعي الوطني وترسيخ قيم الانتماء والتضامن والمسؤولية، إلى جانب رسالته الأساسية في التوجيه والإرشاد الديني.
وفي هذا الإطار، استحضر الوزير عدداً من الشخصيات التاريخية التي تركت بصمتها في مسيرة النضال الوطني، ومن بينها الأمير عبد القادر، والعربي بن مهيدي، وحسيبة بن بوعلي، والشهيد الصغير عمر، باعتبارهم نماذج للتضحية والشجاعة والوفاء للوطن.
وتعكس هذه الإشارات أهمية تعريف الأجيال الصاعدة بالرموز الوطنية التي ساهمت في صناعة تاريخ الجزائر، وتقديم مساراتهم النضالية باعتبارها نماذج ملهمة في الدفاع عن الوطن والمحافظة على هويته ومقوماته.
كما نوه الوزير بالدور الريادي الذي يؤديه الأئمة والمرشدات الدينيات في المجتمع، من خلال جهودهم في نشر القيم الوطنية والدينية، والمساهمة في تنمية روح البذل والعطاء وتعزيز الوعي لدى مختلف فئات المجتمع.
مسابقات وطنية للأئمة وعناية خاصة بطباعة المصحف الشريف
وفي سياق حديثه عن جهود القطاع في ربط المناسبات الدينية بالمحطات الوطنية الكبرى، أكد يوسف بلمهدي حرص وزارة الشؤون الدينية والأوقاف على اعتماد برامج ومبادرات تساهم في تعزيز الارتباط بين الوعي الديني والذاكرة الوطنية.
وأشار في هذا الصدد إلى إطلاق مسابقات وطنية نوعية موجهة للأئمة، في إطار تشجيع المبادرات العلمية والدينية، وتحفيز العاملين في القطاع على المشاركة الفاعلة في الأنشطة التي تخدم المجتمع وتعزز قيم الانتماء الوطني.
كما تطرق إلى العناية التي توليها الوزارة لطباعة المصحف الشريف، والعمل على ربط بعض إصداراته بالمحطات التاريخية الكبرى، بما يجعل هذه المبادرات جزءاً من مسار إحياء الذاكرة الوطنية وتخليد المناسبات التي تحتل مكانة خاصة في تاريخ الجزائر.
ويعكس هذا التوجه حرص القطاع على توظيف مختلف الأنشطة الدينية والثقافية والعلمية في خدمة الهوية الوطنية، وتعزيز حضور الذاكرة التاريخية في الفضاءات المجتمعية، بما يضمن استمرار ارتباط الأجيال الجديدة بتاريخ وطنها ومقومات شخصيته الحضارية.
كما يبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الدينية في المحافظة على الوعي الجماعي، من خلال الجمع بين الرسالة الدينية والتوعية بالقيم الوطنية والتاريخية التي تشكل أساس الهوية الجزائرية.
قرب صدور مرسوم إنشاء المركز الوطني لحماية المرجعية الدينية
وكان الإعلان الأبرز خلال كلمة وزير الشؤون الدينية والأوقاف الكشف عن اقتراب صدور المرسوم التنظيمي الخاص بإنشاء «المركز الوطني للحفاظ وحماية المرجعية الدينية الوطنية»، وهو مشروع وصفه الوزير بأنه بالغ الأهمية، ويندرج ضمن استراتيجية الدولة الرامية إلى حماية الأمن الروحي والفكري للجزائر.
ويمثل هذا المشروع، وفق ما جاء في كلمة بلمهدي، خطوة مؤسساتية تستهدف تعزيز حماية المرجعية الدينية الوطنية والمحافظة على خصوصيتها، في ظل التحديات الفكرية والثقافية والإعلامية التي تفرضها التحولات المتسارعة في العالم.
وتبرز أهمية إنشاء هذا المركز في سياق الحاجة إلى تعزيز الجهود الرامية إلى صون المرجعية الدينية الجزائرية، والمحافظة على الثوابت التي تشكل جزءاً من الهوية الوطنية، بما يساهم في حماية الأمن الروحي والفكري للمجتمع.
كما يعكس الإعلان توجه القطاع نحو تطوير آليات مؤسساتية متخصصة للتعامل مع التحديات المعاصرة، وتعزيز العمل المنظم في مجال حماية المرجعية الدينية، بما يضمن المحافظة على خصوصية المجتمع الجزائري ومقوماته الدينية والثقافية.
وأكد الوزير أن المشروع يندرج ضمن استراتيجية الدولة لحماية المجتمع من مختلف أشكال التأثيرات الفكرية التي تستهدف هويته ومرجعيته، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها الفضاء الرقمي وتزايد تأثير منصات التواصل الاجتماعي.
الحروب السيبرانية وحروب الأجيال الجديدة تهدد الذاكرة الوطنية
وفي سياق توضيحه لأهمية المركز الوطني المرتقب، حذر وزير الشؤون الدينية والأوقاف من التحديات الجديدة المرتبطة بالحروب السيبرانية وحروب الأجيال الجديدة، التي باتت تعتمد بشكل متزايد على الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي للتأثير في المجتمعات واستهداف مقوماتها الفكرية والثقافية.
وأشار بلمهدي إلى أن هذه التحديات تشمل محاولات تشويه تاريخ الجزائر والنيل من رموزها الوطنية العظيمة، وهو ما يستدعي تعزيز الوعي المجتمعي وتكثيف الجهود الرامية إلى حماية الذاكرة الوطنية من حملات التضليل والتشويه.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل الانتشار الواسع للمحتوى الرقمي وسرعة تداول المعلومات عبر المنصات الاجتماعية، الأمر الذي يجعل حماية التاريخ الوطني مسؤولية تتطلب تضافر جهود المؤسسات الرسمية والعلمية والدينية والتربوية.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تطوير آليات التعامل مع المحتوى الذي يستهدف الرموز التاريخية والمرجعية الدينية، وتعزيز حضور المعلومات الموثوقة والمضامين التوعوية التي تساهم في تعريف الأجيال الجديدة بتاريخ الجزائر ومقومات هويتها.
كما أن حماية المرجعية الدينية الجزائرية ترتبط، وفق التوجه الذي عرضه الوزير، بمسؤولية أوسع تتمثل في المحافظة على الأمن الروحي والفكري، وتعزيز قدرة المجتمع على التعامل الواعي مع التحولات والتحديات التي يفرضها الفضاء الرقمي.
بلمهدي يشيد بالمبادرة ويؤكد دور مؤسسات الدولة في حماية إرث الشهداء
وفي ختام كلمته، أشاد وزير الشؤون الدينية والأوقاف بالمبادرة الخاصة بإنشاء المركز الوطني للحفاظ وحماية المرجعية الدينية الوطنية، مثمناً جهود القائمين عليها وأهميتها في تعزيز حماية الهوية الوطنية والمرجعية الدينية.
وأكد أن الجزائر، بفضل الله ثم بوعي أبنائها، وبفضل جيشها الوطني السليل وعلمائها وشبابها، ستظل الحارس الأمين لوديعة الشهداء، وستواصل استلهام القوة والمناعة من تاريخها النضالي وإرثها الحضاري في مواجهة مختلف التحديات والمؤامرات.
وتحمل هذه الرسالة تأكيداً على أن المحافظة على مكتسبات الثورة التحريرية لا تتوقف عند تخليد ذكراها واستحضار بطولات شهدائها، بل تشمل أيضاً حماية مقومات الدولة والهوية الوطنية، وتعزيز الوعي لدى الأجيال الجديدة بمسؤوليتها في صون هذا الإرث التاريخي.
كما تبرز أهمية التكامل بين مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع في حماية الذاكرة الوطنية والمرجعية الدينية، من خلال دعم المؤسسات العلمية والدينية، وتطوير البرامج التوعوية، وتعزيز دور الشباب في المحافظة على الثوابت الوطنية.
نوفمبر… ذاكرة وطن ومسؤولية الأجيال القادمة
وتأتي فعاليات اليوم الدراسي بدار الإمام في سياق إحياء الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع ثورة أول نوفمبر 1954، باعتبارها مناسبة وطنية متجددة لاستحضار تضحيات الشهداء والمجاهدين، والتأكيد على أهمية نقل قيم الثورة التحريرية إلى الأجيال المقبلة.
كما عكست مضامين كلمة وزير الشؤون الدينية والأوقاف ارتباط الذاكرة الوطنية بمسؤوليات الحاضر، خاصة في ظل التحديات الفكرية والرقمية التي تستدعي تعزيز الوعي التاريخي والديني، وحماية المرجعية الوطنية من محاولات التشويه والتأثير.
وبين استحضار بطولات رموز الثورة التحريرية، والتأكيد على دور الأئمة والمرشدات الدينيات في ترسيخ المواطنة، والإعلان عن قرب صدور المرسوم التنظيمي الخاص بالمركز الوطني لحماية المرجعية الدينية، حملت المناسبة رسائل تتجاوز الطابع الاحتفالي إلى التأكيد على ضرورة تحويل الذاكرة التاريخية إلى قوة دافعة لبناء المستقبل.
وتظل ثورة نوفمبر، بما تحمله من تضحيات ومعانٍ وطنية وإنسانية، مرجعاً أساسياً في ترسيخ قيم الحرية والسيادة والانتماء، ومصدراً لإلهام الأجيال في المحافظة على الجزائر وتاريخها وهويتها ومكتسباتها الوطنية.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق