المفاوضات الثلاثية

الكرملين يشيد بجهود ترامب للسلام.. هل تعود المفاوضات الثلاثية بين موسكو وكييف وواشنطن؟

دخل مسار التسوية السياسية للحرب الروسية الأوكرانية مرحلة جديدة من التحرك الدبلوماسي، بعدما أبدى الكرملين استعدادًا مبدئيًا لعدم استبعاد استئناف المفاوضات الثلاثية التي تجمع روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، بالتزامن مع إشادة موسكو بالجهود التي يبذلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب. وجاء ذلك بعد أيام من تحركات أمريكية مكثفة قادها المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، شملت موسكو وكييف، وقبل ساعات من اتصال هاتفي جديد بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في مشهد يعيد الدبلوماسية إلى واجهة الأزمة بعد أشهر من الجمود.

اتصال ترامب وبوتين يعيد ملف الحرب إلى دائرة التفاوض

الاتصال الهاتفي بين ترامب وبوتين، الذي جرى في 8 سبتمبر، حمل دلالات تتجاوز مجرد استمرار قنوات الاتصال بين واشنطن وموسكو. فبحسب الكرملين، تحدث الرئيسان لنحو ساعة، وناقشا الحرب في أوكرانيا والجهود الأمريكية الرامية إلى الدفع باتجاه تسوية سياسية، فيما عبّر ترامب عن رغبته في إنهاء الحرب سريعًا وإعادة العلاقات الأمريكية الروسية إلى مسار أكثر طبيعية. وأفادت الرواية الروسية بأن بوتين أبدى تأييدًا للنهج الذي يتبناه ترامب، مع اتفاق الجانبين على مواصلة الاتصالات وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة.

ولا يمكن فصل هذه المكالمة عن الجولة التي قام بها ويتكوف وكوشنر في موسكو وكييف، إذ جاءت بعد لقاءات مباشرة مع القيادة الروسية والأوكرانية بهدف البحث عن أرضية يمكن البناء عليها لإعادة إطلاق عملية تفاوضية توقفت عمليًا منذ أشهر. ووفق المعطيات المتاحة، حمل المبعوثان الأمريكيان مجموعة من الأفكار والمقترحات إلى موسكو، ثم انتقلا إلى كييف لنقل النقاش إلى الجانب الأوكراني، في محاولة أمريكية لإعادة جمع خيوط عملية تفاوضية أصبحت أكثر تعقيدًا مع استمرار العمليات العسكرية واتساع الفجوة بين مواقف موسكو وكييف.

الكرملين يفتح الباب أمام مفاوضات ثلاثية جديدة

الأكثر أهمية في التطورات الأخيرة أن موسكو لم تغلق الباب أمام العودة إلى صيغة المفاوضات الثلاثية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة. فقد أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن روسيا لا تستبعد استئناف مثل هذه المفاوضات، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أنه من السابق لأوانه الحديث عن موعد أو مكان محدد لجولة جديدة. وهذه الصياغة تحمل في جانب منها إشارة إلى أن موسكو تريد إبقاء الباب الدبلوماسي مفتوحًا، لكنها لا تريد الالتزام مسبقًا بمسار زمني أو إطار تفاوضي قبل اتضاح مواقف الأطراف الأخرى.

ويكتسب هذا الموقف أهميته من أن صيغة التفاوض الثلاثي تعني عودة الولايات المتحدة إلى موقع الوسيط المباشر بين موسكو وكييف، بعدما كانت الجولات السابقة قد تعثرت أمام ملفات شديدة الحساسية، في مقدمتها الأراضي والأمن ومستقبل علاقة أوكرانيا بحلف شمال الأطلسي. كما أن إعادة إطلاق الصيغة الثلاثية، إذا حدثت بالفعل، ستضع واشنطن أمام اختبار سياسي كبير: هل تستطيع إدارة التناقضات بين الطرفين وتحويل الاتصالات الدبلوماسية إلى اتفاق قابل للتنفيذ، أم أن المفاوضات ستبقى مجرد قناة لإدارة الحرب بدل إنهائها؟

موسكو تشيد بتحركات ترامب ولكن دون تنازلات معلنة

الإشارة الروسية الإيجابية إلى جهود ترامب لا تعني، حتى الآن، أن موسكو قدمت تنازلات جوهرية في الملفات التي عطلت المفاوضات. فخلال لقاء ويتكوف وكوشنر في موسكو، وصف الكرملين المحادثات بأنها مفيدة وصريحة وبناءة، لكنه لم يعلن عن اتفاق سياسي أو اختراق ملموس. كما أكد الجانب الروسي أن المبعوثين الأمريكيين عرضوا مجموعة من الأفكار المتعلقة بسبل تسوية النزاع، بينما عرض بوتين رؤيته للحرب وما تعتبره موسكو جذورًا للصراع.

وهنا تظهر إحدى أهم سمات الموقف الروسي في المرحلة الحالية: الترحيب بالمسار الدبلوماسي مع الإبقاء على المواقف الأساسية التي تتبناها موسكو. فالتقارير التي أعقبت لقاء بوتين بالمبعوثين الأمريكيين أشارت إلى استمرار روسيا في التشديد على قضايا الأراضي ووضع أوكرانيا الأمني، في حين لم تظهر مؤشرات علنية على استعداد الكرملين لقبول تسوية تتجاهل مطالبه الرئيسية. وهذا يعني أن الانفتاح الروسي على التفاوض لا يساوي بالضرورة استعدادًا روسيًا لتقديم تنازلات سياسية كبيرة.

ترامب يبحث عن اختراق دبلوماسي قبل أن تطول الحرب أكثر

بالنسبة إلى ترامب، يبدو أن الهدف يتجاوز مجرد إعادة تشغيل محادثات السلام؛ إذ يسعى الرئيس الأمريكي إلى تحقيق اختراق دبلوماسي يمكن أن يضع حدًا لحرب أصبحت واحدة من أكثر الملفات الخارجية تعقيدًا بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية. وخلال الاتصال مع بوتين، أكد ترامب رغبته في إنهاء الحرب بسرعة، وربط نهاية الصراع بإمكانية استعادة العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الولايات المتحدة وروسيا. وهي رسالة تكشف أن واشنطن ترى في التسوية السياسية فرصة لإعادة ترتيب أوسع للعلاقات الدولية والاقتصادية، وليس فقط وقف العمليات العسكرية.

وتبدو هذه المقاربة مختلفة عن التعامل التقليدي مع الحرب باعتبارها ملفًا عسكريًا صرفًا. فالإدارة الأمريكية تحاول في الوقت نفسه استخدام الاتصالات المباشرة، والضغط السياسي، والرسائل الاقتصادية، والتحرك عبر المبعوثين لإنتاج صيغة تسمح بوقف إطلاق النار ثم الانتقال إلى ترتيبات أكثر استدامة. لكن الصعوبة تكمن في أن إنهاء الحرب لا يتوقف على رغبة واشنطن وحدها، وإنما على قدرة الولايات المتحدة على تقريب مواقف روسية وأوكرانية ما زالت متباعدة بصورة كبيرة.

ويتكوف وكوشنر.. قناة ترامب المباشرة إلى موسكو وكييف

اختيار ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر للقيام بهذه الجولة يعكس اعتماد ترامب على قناة تفاوضية مرنة بعيدًا عن القنوات الدبلوماسية التقليدية. وقد التقى الرجلان بوتين في موسكو في الخامس من سبتمبر، في اجتماع استمر أكثر من ثلاث ساعات، قبل أن ينتقلا إلى كييف للقاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ومسؤولين أوكرانيين وأوروبيين. وكانت المهمة الأساسية هي اختبار إمكانية إعادة تحريك المسار السياسي والبحث عن أفكار يمكن أن تشكل أساسًا لاتفاق مستقبلي.

واللافت أن المبعوثين الأمريكيين لم يتحركا فقط بين موسكو وكييف، بل دخلا أيضًا في نقاشات مع أطراف أوروبية، في إشارة إلى أن أي اتفاق نهائي لن يكون مجرد تفاهم روسي أمريكي، حتى لو كانت واشنطن هي الطرف الأكثر قدرة على دفع العملية السياسية. وفي كييف، شارك مستشارون من فرنسا وبريطانيا وألمانيا في مباحثات مرتبطة بالمسار الدبلوماسي، بينما أكدت الرئاسة الأوكرانية أهمية التنسيق مع الشركاء الأوروبيين.

كييف ترحب باستئناف المفاوضات ولكنها تضع شروطًا واضحة

من الجانب الأوكراني، لم يرفض زيلينسكي العودة إلى التفاوض، بل أكد أن استئناف العملية التفاوضية أمر مهم، وأن وجود أي صيغة للحوار أفضل من غياب الحوار بالكامل. لكنه في الوقت نفسه أوضح أن قضايا الأراضي والأمن والضمانات المستقبلية لأوكرانيا لا يمكن تجاوزها، وأن المسائل الأكثر تعقيدًا تحتاج في النهاية إلى حسم على مستوى القادة. وهذا يعني أن كييف لا ترفض المفاوضات الثلاثية، لكنها تريد أن تدخلها من موقع يحافظ على مصالحها الأمنية والسياسية الأساسية.

وتشير المواقف الأوكرانية الأخيرة إلى أن كييف تريد أن تكون أي تسوية أكثر من مجرد وقف مؤقت للقتال. فزيلينسكي تحدث عن ضمانات أمنية واقتصادية وعن إعادة الإعمار وعن ضرورة الحفاظ على قوة الجيش الأوكراني، بينما تركز كييف أيضًا على احتياجاتها الدفاعية قبل الشتاء، خصوصًا أن استمرار الحرب يعني تعرض البنية التحتية للطاقة والمدن لهجمات جديدة. ولذلك فإن أي مفاوضات مقبلة ستجري على الأرجح بالتوازي مع نقاشات حول شكل الضمانات التي يمكن أن تحصل عليها أوكرانيا بعد الحرب.

العقدة الأصعب.. الأراضي ومستقبل أوكرانيا الأمني

تظل قضية الأراضي العقبة الأكبر أمام أي اتفاق محتمل. فروسيا وأوكرانيا لا تزالان بعيدتين عن التوافق بشأن مستقبل المناطق المتنازع عليها، بينما ترفض كييف تقديم تنازلات إقليمية باعتبارها أساسًا لاتفاق دائم، في الوقت الذي تتمسك فيه موسكو بمطالب تتعلق بالأراضي وبالوضع الأمني لأوكرانيا. وتشير التقارير الأخيرة إلى أن هذا الملف ما زال من بين أكثر الملفات تعقيدًا في أي نقاش دبلوماسي، وأن اللقاءات الأمريكية الأخيرة لم تنتج حلًا علنيًا لهذه المعضلة.

أما المسألة الثانية فتتعلق بمستقبل أوكرانيا الأمني وعلاقتها بحلف شمال الأطلسي. فقد كانت مسألة عضوية أوكرانيا في الناتو واحدة من المطالب الروسية المستمرة، في حين تعتبر كييف أن الحصول على ضمانات أمنية موثوقة جزء أساسي من أي تسوية. وبين هذين الموقفين تقف الولايات المتحدة أمام مهمة شديدة الحساسية: صياغة ترتيبات أمنية تمنع عودة الحرب، من دون أن تؤدي في الوقت نفسه إلى التزام أمريكي لا تستطيع واشنطن أو لا تريد تحمله على المدى الطويل.

وقف الهجمات.. اختبار مبكر لإمكانية بناء الثقة

ومن بين المؤشرات اللافتة خلال زيارة المبعوثين الأمريكيين وجود ترتيبات مؤقتة لتقليل الهجمات في بعض المناطق خلال تحركات الوفد الأمريكي. وكانت أوكرانيا قد أعلنت استعدادها لوقف الضربات الجوية ضد المدن المشاركة في العملية التفاوضية، بينما تحدثت تقارير عن توقف مؤقت للهجمات في كييف وموسكو خلال فترة وجود المبعوثين. لكن هذا التهدئة المحدودة لم تتحول إلى وقف شامل لإطلاق النار، واستمرت الهجمات في مناطق أخرى، وهو ما يعكس هشاشة أي تفاهمات ميدانية في ظل غياب اتفاق سياسي أوسع.

وهنا تكمن أهمية أي هدنة مستقبلية؛ فالمفاوضات لا يمكن أن تنجح إذا استمرت الأطراف في التعامل معها باعتبارها مجرد مساحة دبلوماسية موازية للعمليات العسكرية. وفي المقابل، فإن وقفًا مؤقتًا للضربات قد يكون وسيلة لبناء الحد الأدنى من الثقة وفتح الطريق أمام مفاوضات أطول، خصوصًا إذا تم ربطه بملفات إنسانية مثل تبادل الأسرى وأمن الطاقة والغذاء. وقد ظهرت بالفعل هذه الملفات ضمن النقاشات الأخيرة بين الأطراف المختلفة.

الشتاء المقبل يدخل حسابات التفاوض

الشتاء المقبل يضيف عنصرًا جديدًا إلى الحسابات السياسية والعسكرية. فأوكرانيا تستعد لموسم صعب في ظل تعرض منشآت الطاقة لهجمات متكررة، بينما تطالب كييف بدعم إضافي في مجال الدفاع الجوي والطاقة. وفي لقاءاتها مع المبعوثين الأمريكيين، طرحت القيادة الأوكرانية احتياجاتها المتعلقة بالدفاع الجوي، إضافة إلى إمكانية الحصول على كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال الأمريكي.

ومن الناحية السياسية، قد يشكل الشتاء نافذة ضغط على جميع الأطراف. فأوكرانيا تريد ضمان استمرار قدرتها على حماية المدن والبنية التحتية، بينما تسعى روسيا إلى الحفاظ على الضغط العسكري والسياسي. أما واشنطن فتبدو راغبة في استغلال الأشهر التي تسبق الشتاء للدفع نحو خطوات لخفض التصعيد، وهي فكرة تحدث عنها زيلينسكي أيضًا في إطار البحث عن إجراءات يمكن أن تعيد إطلاق المفاوضات الأوسع.

16-2 الكرملين يشيد بجهود ترامب للسلام.. هل تعود المفاوضات الثلاثية بين موسكو وكييف وواشنطن؟

أوروبا تعود إلى طاولة التسوية

التحرك الأمريكي الأخير أعاد أيضًا النقاش حول الدور الأوروبي في أي تسوية محتملة. فقد شارك مسؤولون من فرنسا وبريطانيا وألمانيا في محادثات كييف، في وقت تؤكد فيه العواصم الأوروبية أن أمن القارة لا يمكن أن يكون منفصلًا عن شكل التسوية في أوكرانيا. وهذا الحضور يعكس إدراكًا بأن الاتفاق الذي قد ينهي الحرب سيترك آثارًا مباشرة على الأمن الأوروبي، وعلى مستقبل العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي، وعلى منظومة الدفاع الأوروبية خلال السنوات المقبلة.

لكن إدخال أوروبا إلى العملية التفاوضية يحمل بدوره تحديات. فالمواقف الأوروبية ليست متطابقة بالكامل، كما أن بعض الحكومات الأوروبية تريد ضمانات قوية لأوكرانيا، بينما تسعى واشنطن إلى الحفاظ على زمام المبادرة في المسار الدبلوماسي. ومن ثم، فإن صيغة التسوية المقبلة قد تحتاج إلى توازن دقيق بين ثلاثة مستويات: التفاهم الروسي الأمريكي، والموقف الأوكراني، والضمانات الأوروبية التي ستشكل جزءًا من البيئة الأمنية الجديدة في القارة.

ماذا تريد موسكو من المسار الجديد؟

بالنسبة إلى موسكو، فإن العودة إلى التفاوض تمنحها فرصة لطرح رؤيتها للصراع مباشرة أمام واشنطن، خصوصًا أن الكرملين يرى أن الحرب يجب أن تعالج ما يصفه بـ«الأسباب الجذرية» للنزاع. وخلال لقاء بوتين بالمبعوثين الأمريكيين، عرض الرئيس الروسي رؤيته للوضع العسكري والسياسي، وأكد أن بلاده ترى نفسها قادرة على تحقيق أهدافها. وهذا يعكس أن موسكو تدخل أي مسار تفاوضي وهي حريصة على عدم الظهور في موقع الطرف الذي يبحث عن مخرج تحت الضغط.

ومن ناحية أخرى، فإن موسكو قد ترى في التواصل المباشر مع ترامب فرصة لإعادة صياغة العلاقة الأمريكية الروسية على نطاق أوسع. فترامب ربط صراحة بين إنهاء الحرب وإمكانية استعادة العلاقات الاقتصادية والتجارية، وهو ما يمنح الكرملين حافزًا إضافيًا لاستمرار الحوار مع واشنطن، حتى في حال بقي الخلاف مع كييف عميقًا. ولذلك يمكن أن يكون المسار الاقتصادي جزءًا من المعادلة السياسية التي تحاول الإدارة الأمريكية بناءها بالتوازي مع المسار الأمني.

وماذا تريد كييف من ترامب؟

أما كييف، فتحتاج إلى التأكد من أن أي تفاوض لن يتحول إلى صيغة تفرض عليها نتائج الحرب من دون ضمانات طويلة المدى. ولذلك يركز زيلينسكي على الضمانات الأمنية، واستمرار الدعم العسكري، وتقوية الدفاعات الجوية، إلى جانب إعادة الإعمار والقدرة على حماية الاقتصاد والطاقة. وفي الوقت نفسه، أبدت الرئاسة الأوكرانية استعدادًا لمواصلة الحوار مع واشنطن، وهو ما يعكس إدراكًا بأن الولايات المتحدة تظل لاعبًا حاسمًا في أي عملية تفاوضية قادمة.

كما أن كييف تحاول ضمان ألا تكون أي مفاوضات جديدة محصورة في ثنائية واشنطن وموسكو. فمشاركة الأوروبيين في بعض الاجتماعات الأخيرة، والحديث عن اجتماع يجمع أوكرانيا وأوروبا والولايات المتحدة، يشيران إلى رغبة أوكرانية في توسيع دائرة الأطراف المشاركة في صياغة مستقبل التسوية. وهذا مهم بالنسبة لكييف لأن أي اتفاق لن يتوقف فقط على وقف القتال، بل سيحتاج إلى منظومة سياسية وأمنية واقتصادية تستمر لسنوات بعد انتهاء الحرب.

هل يمكن أن تتحول الإشارات الدبلوماسية إلى مفاوضات فعلية؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات تسمح بالقول إن اتفاق سلام أصبح قريبًا، ولا توجد أيضًا معطيات تؤكد أن موسكو وكييف تجاوزتا خلافاتهما الرئيسية. ما حدث هو إعادة تشغيل لقنوات الاتصال، وفتح الباب أمام احتمال استئناف المفاوضات الثلاثية، وتحرك أمريكي جديد بين العاصمتين. أما الاختبار الحقيقي فسيتوقف على ما إذا كانت هذه الاتصالات ستنتقل من تبادل الأفكار إلى التزامات محددة يمكن تنفيذها على الأرض.

والفارق هنا جوهري بين المفاوضات والتسوية. فإعادة جمع الأطراف حول طاولة واحدة لا تعني أن الاتفاق أصبح قريبًا، كما أن وصف الاجتماعات بأنها بناءة لا يعني تجاوز الملفات التي تسببت في انهيار جولات سابقة. ولذلك فإن التطور الأهم في الأيام المقبلة سيكون ظهور مقترحات محددة بشأن وقف إطلاق النار، والأراضي، والضمانات الأمنية، وتبادل الأسرى، والطاقة والغذاء، وليس مجرد استمرار الاتصالات السياسية.

المغرب العربي يراقب مسار الحرب والسلام

وبعيدًا عن ساحات القتال المباشرة، فإن أي تحول في الحرب الروسية الأوكرانية ستكون له تداعيات تتجاوز أوروبا وشرقها. دول المغرب العربي، مثل بقية الدول العربية، تتابع منذ بداية الحرب تأثيراتها على أسعار الطاقة والغذاء والشحن وسلاسل الإمداد، كما تراقب مستقبل حركة الحبوب والأسمدة في البحر الأسود. ولهذا فإن أي تسوية مستقرة يمكن أن تخفف جزءًا من الضغوط التي خلفتها الحرب على الأسواق العالمية، خصوصًا إذا تضمنت ترتيبات أكثر أمانًا لحركة التجارة البحرية والصادرات الزراعية. وقد أشار زيلينسكي خلال التحركات الأخيرة إلى قضايا تصدير الحبوب وأمن الغذاء باعتبارها من الملفات التي يمكن أن تدخل ضمن مسار التهدئة.

كما أن المنطقة العربية تملك خبرة متزايدة في استضافة أو دعم مسارات الوساطة الدولية. وقد طُرحت في النقاشات الأخيرة أسماء عدة دول وأماكن محتملة لاستضافة لقاءات مستقبلية، من بينها تركيا والإمارات وسويسرا، بينما تستمر قنوات الاتصال الدولية بحثًا عن صيغة مناسبة للقاءات المقبلة. وهذا يعكس اتساع مساحة الوسطاء المحتملين في الأزمة، ويجعل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جزءًا من البيئة الدبلوماسية التي يمكن أن تستفيد من أي انفراجة في العلاقات بين موسكو وكييف وواشنطن.

موسكو وكييف أمام اختبار النوايا

في المحصلة، تبدو التطورات الأخيرة أشبه بمرحلة جس نبض سياسي أكثر منها بداية مباشرة لاتفاق سلام. الكرملين يشيد بجهود ترامب، ويترك الباب مفتوحًا أمام استئناف المفاوضات الثلاثية، وترامب يواصل الضغط من أجل إنهاء الحرب، بينما تؤكد كييف استعدادها للتفاوض لكنها تتمسك بقضايا الأراضي والضمانات الأمنية. وفي الوقت نفسه، لم تتوقف العمليات العسكرية، ولم تختفِ الفجوات الأساسية بين المواقف الروسية والأوكرانية.

لكن مجرد عودة واشنطن إلى التحرك المكثف بين موسكو وكييف تحمل أهمية سياسية لا يمكن تجاهلها. فبعد أشهر من الجمود، باتت هناك قناة أمريكية مباشرة تعمل على اختبار إمكانات التسوية، فيما أظهرت موسكو استعدادًا مبدئيًا لمواصلة الحوار، وأعلنت كييف بوضوح أن إعادة إطلاق التفاوض أفضل من غيابه. وإذا نجحت هذه القنوات في الانتقال من مرحلة الاتصالات إلى اتفاقات جزئية قابلة للتنفيذ، فقد تبدأ عملية تدريجية لخفض التصعيد. أما إذا بقيت القضايا الإقليمية والأمنية بلا مساحة للتسوية، فإن المفاوضات قد تتحول مرة أخرى إلى جولة إضافية من إدارة الصراع بدل إنهائه.

السؤال الأصعب: هل يستطيع ترامب إنهاء الحرب؟

وهنا تكمن المعضلة السياسية الأكبر أمام ترامب. فالرئيس الأمريكي نجح في إعادة فتح قناة اتصال مباشرة مع بوتين، وأرسل مبعوثيه إلى موسكو وكييف، وحصل على إشارات روسية إيجابية بشأن مواصلة الحوار، لكنه لم يحصل حتى الآن على تنازل روسي معلن يمكن أن يغير قواعد التفاوض، كما أن أوكرانيا لا تزال ترفض تقديم تنازلات إقليمية لا تراها مقبولة. ولذلك فإن نجاح المبادرة الأمريكية لن يقاس بعدد الاجتماعات أو الاتصالات الهاتفية، وإنما بقدرتها على إنتاج صيغة تحقق الحد الأدنى من مصالح الأطراف الثلاثة وتمنع تحول الهدنة، إذا حدثت، إلى مجرد توقف مؤقت قبل جولة جديدة من الحرب.

وفي الوقت الراهن، تبدو الصورة أقرب إلى فرصة دبلوماسية جديدة أكثر منها انفراجة مكتملة. موسكو لا تغلق الباب، وواشنطن تضاعف جهودها، وكييف تعلن استعدادها للحوار، لكن الملفات التي أشعلت الحرب وأبقتها مستمرة لم تجد طريقها إلى التسوية بعد. وإذا استطاعت إدارة ترامب تحويل الاتصالات الحالية إلى مفاوضات ثلاثية فعلية، ثم إلى إجراءات محددة لخفض التصعيد، فقد تكون هذه بداية المسار الأكثر جدية منذ فترة. أما إذا بقيت الفجوة بين المطالب الروسية والرفض الأوكراني واسعة، فإن التصريحات الإيجابية ستظل مجرد نافذة دبلوماسية مؤقتة في حرب لم تحسمها الميدان ولا المفاوضات حتى الآن.

 

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق