تونس تراجع قانون الهياكل الرياضية وسط مطالب بالإصلاح والحوكمة
نظّمت الأكاديمية البرلمانية بمجلس نواب الشعب التونسي، صباح الاثنين 19 أكتوبر 2026، يومًا دراسيًا خُصّص لمناقشة مقترح القانون الأساسي عدد 2025/57 المتعلق بالهياكل الرياضية، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى مراجعة الإطار التشريعي المنظّم للقطاع الرياضي، والبحث عن حلول للإشكاليات التي تواجه الأندية والجمعيات ومختلف الهياكل الرياضية في البلاد.
وأشرف على هذا اللقاء رئيس مجلس نواب الشعب، العميد إبراهيم بودربالة، بحضور نائبي رئيس المجلس سوسن المبروك وأنور المرزوقي، ورئيس لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة عبد الرزاق عويدات، إلى جانب عدد من أساتذة القانون الرياضي والخبراء المختصين في المجال، فضلًا عن مجموعة من الإعلاميين الرياضيين.
وشكّل اليوم الدراسي مناسبة لعرض مضامين المقترح التشريعي ومناقشة مختلف جوانبه القانونية والتنظيمية والمالية، مع الاستماع إلى آراء المختصين وملاحظاتهم بشأن مدى قدرته على معالجة الاختلالات التي تشهدها الرياضة التونسية، وتوفير إطار قانوني أكثر وضوحًا ونجاعة وقابلية للتطبيق.
وتناول النقاش عددًا من الملفات الأساسية، من بينها حوكمة الهياكل الرياضية، واستقلاليتها، وآليات فض النزاعات، ومصادر التمويل، وتطوير المنشآت الرياضية، فضلًا عن ضرورة التصدي للعنف في الملاعب وتعزيز مكانة الرياضة النسائية وضمان المساواة بين مختلف الاختصاصات الرياضية.
إبراهيم بودربالة يؤكد أهمية التشاور قبل المصادقة على القانون
في كلمته الافتتاحية، أكد رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة أن مقترح القانون المعروض على لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة سبق أن خضع للتداول مع مختلف الأطراف المعنية، مثمنًا الجهود التي بذلتها اللجنة في الاستماع إلى آراء المختصين وتوسيع دائرة النقاش حول المشروع.
واعتبر بودربالة أن المصادقة على هذا المقترح، في حال استكمال مساره التشريعي، من شأنها أن تسهم في إرساء بيئة جديدة لتنظيم القطاع الرياضي في تونس، بما يساعد على مواجهة التحديات المطروحة ويفتح المجال أمام إصلاحات تستجيب لحاجيات الهياكل الرياضية وتطلعات الفاعلين في المجال.
وشدد، في هذا السياق، على أهمية إشراك مختلف الأطراف في صياغة التصور التشريعي، سواء تعلق الأمر بوزارة الشباب والرياضة أو بالمسؤولين السابقين والحاليين في الأندية والهياكل الرياضية أو بالمختصين في القانون الرياضي.
كما جدد التأكيد على انفتاح مجلس نواب الشعب على مختلف الآراء والمقترحات، بهدف بلورة رؤية استشرافية للنهوض بالواقع الرياضي، تقوم على التشاور والاستفادة من الخبرات المتاحة، مع مراعاة المصلحة العليا للدولة وضمان سلامة النصوص القانونية ونجاعتها.
وتعكس هذه المقاربة التشاركية توجهًا نحو توسيع النقاش بشأن قانون الهياكل الرياضية قبل المرور إلى المصادقة على فصوله، بما يسمح بتحديد النقائص المحتملة ومعالجة المسائل التي قد تعوق تطبيق أحكامه على أرض الواقع.
لجنة التربية تستعرض مسار إعداد مقترح القانون
من جهته، استعرض رئيس لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة، عبد الرزاق عويدات، مسار دراسة مقترح القانون المتعلق بالهياكل الرياضية، موضحًا أن اللجنة شرعت في النظر فيه منذ الدورة النيابية 2024-2025، وعقدت جلستين للاستماع إلى جهة المبادرة يومي 17 يوليو 2025 و4 مارس 2026.
وأوضح عويدات أن اهتمام اللجنة بهذا النص التشريعي يرتبط بالتحديات التي تواجه الرياضة التونسية، ولا سيما تراجع النتائج في عدد من الاختصاصات، والصعوبات المالية التي تعاني منها النوادي الرياضية، فضلًا عن الإشكاليات المرتبطة بتمويل الرياضات الفردية رغم النجاحات التي حققتها.
وأشار إلى أن الوضع الذي آل إليه القطاع الرياضي يرتبط بمجموعة من العوامل، من بينها العامل التشريعي، باعتبار أن القانون المنظم للهياكل الرياضية يعود إلى سنة 1995، الأمر الذي دفع اللجنة إلى توسيع دائرة التشاور والاستماع إلى الجهات المعنية من أجل تقييم المقترح وتداعياته المحتملة على المنظومة الرياضية.
وشملت جلسات الاستماع اللجنة الوطنية الأولمبية التونسية، واللجنة الوطنية البارالمبية التونسية، والجمعية التونسية للقانون الرياضي، وممثلين عن هيئة الخبراء المحاسبين بالبلاد التونسية، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، إلى جانب أساتذة مختصين في القانون الرياضي.
وبحسب ما عرضه رئيس اللجنة، أسهمت هذه المشاورات في مراجعة المقترح وإعادة النظر في عدد من أحكامه، حيث جرى حذف الفصول المكررة وتقليص عدد الفصول ليصبح النص متضمنًا 165 فصلًا. كما أعادت اللجنة ترتيب العناوين وفق المضمون، وغيّرت عنوان المبادرة إلى «مقترح قانون أساسي يتعلق بهياكل الرياضة»، بهدف اعتماد صياغة أكثر شمولًا.
وأكد عويدات أن تنظيم اليوم الدراسي يندرج ضمن مواصلة الانفتاح على المختصين والإعلاميين الرياضيين، والاستفادة من ملاحظاتهم قبل الشروع في دراسة الفصول والمصادقة عليها تباعًا داخل اللجنة.
ملاحظات قانونية بشأن تصنيف الهياكل الرياضية وتسوية النزاعات
خلال النقاش، أشار عدد من المختصين في القانون الرياضي إلى أن المقترح لا يقتصر على تعويض القانون عدد 11 لسنة 1995 المؤرخ في 6 فبراير 1995 والمتعلق بالهياكل الرياضية، بل يمتد في بعض جوانبه إلى مسائل ينظمها القانون عدد 104 لسنة 1994 المؤرخ في 3 أغسطس 1994، والمتعلق بالتربية البدنية وتطوير الأنشطة الرياضية.
وفي ما يتعلق بتصنيف الهياكل الرياضية، رأى المتدخلون أن التوسع في صياغة الفصل الثاني لا يحقق فائدة واضحة، ودعوا إلى استبعاد مراكز التكوين العمومية والخاصة والأكاديميات الرياضية من نطاق تطبيق المقترح، باعتبار خضوعها لأطر قانونية أخرى. كما أكدوا أن الجامعات الرياضية والأندية، إلى جانب اللجنة الوطنية الأولمبية التونسية، تمثل مكونات أساسية للمنظومة الرياضية.
وتطرق النقاش كذلك إلى الفصل 13، المتعلق بمنع الجمع بين رئاسة أو عضوية هيكلين رياضيين في الوقت نفسه، حيث دعا بعض المشاركين إلى دراسة إمكانية إدراج استثناءات محددة يمكن الترخيص بها من قبل سلطة الإشراف، بما يراعي خصوصية بعض الحالات.
أما الفصل 89، الذي ينظم الطعن في قرارات لجنة التأديب وفض النزاعات لدى لجنة الاستئناف التابعة للجامعة الرياضية المعنية، فقد أثار ملاحظات تتعلق بمدى ملاءمة هذه الآلية لطبيعة النزاعات الرياضية. وأشار المتدخلون إلى أن الطعن بالاستئناف لا يوقف تنفيذ القرار الابتدائي، معتبرين أن هذه المسألة تستوجب مزيدًا من التدقيق عند صياغة الأحكام المنظمة للإجراءات التأديبية.
وفي المقابل، رحب المشاركون بالتنصيص على إحداث محكمة للنزاعات الرياضية، مع اقتراح توضيح اختصاصها ليشمل النزاعات الرياضية الوطنية دون الدولية، بما يحدد مجال تدخلها ويجنب الغموض في توزيع الاختصاصات.
كما انتقد بعض الضيوف إحداث دائرة للأخلاقيات داخل المحكمة المقترحة، داعين إلى المحافظة على وظيفتها التنازعية وضمان اضطلاعها بدورها في فض النزاعات المرتبطة بالأخلاقيات الرياضية.
وشدد المتدخلون أيضًا على ضرورة تحقيق التوازن بين دور الدولة في التأطير والمساندة، من جهة، واستقلالية الهياكل الرياضية، من جهة أخرى، بما يضمن ممارسة الرقابة اللازمة دون التدخل في نشاط هذه الهياكل أو المساس باستقلالية قراراتها.
تمويل الأندية.. البحث عن حلول تتجاوز تغيير الصيغة القانونية
احتلت مسألة التمويل الرياضي حيزًا مهمًا من النقاش، في ظل الصعوبات المالية التي تواجه عددًا من الأندية والجمعيات الرياضية. واعتبر مختصون أن المقترح يحتاج إلى حلول عملية أكثر وضوحًا لمعالجة هذه الإشكاليات، مشيرين إلى أن الأزمة لا ترتبط بالضرورة بغياب النصوص القانونية، وإنما أيضًا بمدى القدرة على استغلال مصادر التمويل المتاحة وتطويرها.
وتشمل هذه المصادر حقوق البث التلفزيوني، ومداخيل بيع اللاعبين، وعائدات التذاكر، والهبات والمنح، إلى جانب التسويق الرياضي والاستشهار. ودعا المشاركون إلى اعتماد مقاربة أكثر فاعلية لتنويع موارد التمويل وتحسين قدرة الهياكل الرياضية على استثمار إمكاناتها الاقتصادية.
وفي هذا الإطار، رأى المتدخلون أن تحويل الجمعيات الرياضية إلى شركات أو مؤسسات لا يمثل، بمفرده، حلًا كافيًا للمشكلات المالية القائمة، مؤكدين أهمية المحافظة على الشكل الجمعياتي باعتباره أحد مكونات حماية الرياضة وتطويرها.
كما شددوا على ضرورة تحسين الظروف المحيطة بالنشاط الرياضي، ولا سيما تطوير البنية التحتية وتهيئة بيئة مناسبة لاستقطاب المستثمرين والمستشهرين، بما يساعد على تنويع الموارد المالية وتخفيف الضغوط التي تواجه الأندية.
وتناول أحد المتدخلين أيضًا تفاقم مديونية الجمعيات الرياضية تجاه الصناديق الاجتماعية، داعيًا إلى إيجاد حلول عملية لتسوية الديون ومعالجة الوضعيات المالية المتعثرة. واقترح في هذا السياق إحداث «بنك استثمار رياضي» يتولى تمويل المشاريع الرياضية والمساهمة في إعادة هيكلة ديون الأندية.
كما دعا إلى مراعاة المبادرة التشريعية المتعلقة بإحداث صنف من المؤسسات العمومية يتولى التصرف في المنشآت الرياضية وصيانتها، عند دراسة مقترح قانون الهياكل الرياضية، بالنظر إلى الترابط بين النصين وتكامل أهدافهما.
استقلالية التحكيم وتوسيع نطاق القانون ليشمل مختلف الرياضات
قدّم ممثلو المؤسسات الإعلامية الرياضية جملة من المقترحات المتعلقة بتطوير الإطار المنظم للنشاط الرياضي، من بينها تكريس استقلالية لجنة الحكام والتحكيم، وإحداث هيكل مستقل تابع لوزارة الشباب، بما يضمن استقلالية منظومة التحكيم ويساعد على تطوير أدائها.
كما أشار متدخلون إلى أن المقترح بصيغته المطروحة يركز على الرياضات الجماعية، داعين إلى اعتماد صياغة قانونية تضمن شمولية أحكامه لمختلف الاختصاصات الرياضية، وتكرس مبدأ المساواة بينها.
وشدد المشاركون على ضرورة النهوض بالرياضة النسائية وتعزيز حضورها وتمثيلها داخل مختلف الهياكل الرياضية، مع الإشارة إلى عدم التزام بعض الجمعيات بالتشريعات المعمول بها، خصوصًا ما يتعلق بإلزامية إحداث نواد رياضية نسائية داخل الفرق المحترفة.
وتضمنت المقترحات كذلك ضرورة التمييز بين الرياضة المحترفة والرياضة الهاوية، وتعزيز آليات تأطير الشباب، وإدراج أحكام تضمن حماية الجمهور داخل الفضاءات الرياضية.
وفي المقابل، اعتبر عدد من الإعلاميين المختصين أن المقترح يمثل نصًا متكاملًا يستهدف تطوير المشهد الرياضي والارتقاء به، ودعوا إلى تسريع النظر فيه والانتقال إلى خطوات عملية لتجسيد أهدافه، مع مواصلة تحيينه وتطويره بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة وتحدياتها.
كما شددوا على أهمية وضع خارطة طريق واضحة لتنفيذ القانون، تراعي مواعيد الاستحقاقات الرياضية الكبرى وتضمن جاهزية الإطار التشريعي وتطبيقه في الآجال المناسبة.
النواب يدعون إلى تحسين الحوكمة ومكافحة العنف في الملاعب
خلال النقاش العام، أكد النواب أهمية الاستفادة من آراء الخبراء والمختصين والأكاديميين في مختلف المجالات، بهدف تحسين النص التشريعي وضمان سلامته ونجاعته وقابليته للتطبيق.
وشددوا على ضرورة التعجيل بسن قانون الهياكل الرياضية، في ظل ما تشهده الرياضة التونسية من إشكاليات مرتبطة بالحوكمة، والتي اعتبروها من العوامل المساهمة في تراجع النتائج وضعف الأداء في عدد من الاختصاصات.
كما سلط النواب الضوء على النقائص المسجلة في الجهات الداخلية، خصوصًا في ما يتعلق بمحدودية البنية التحتية وضعف الإمكانات المتاحة، رغم التوجهات التي تضمنها دستور 2022 ومشروع البناء القاعدي بشأن تعزيز دور الجهات وتحقيق العدالة في توزيع الإمكانات والفرص.
وفي ملف آخر لا يقل أهمية، دعا المشاركون إلى وضع حد لظاهرة العنف في الملاعب، التي امتدت، وفق ما أثير خلال النقاش، لتشمل حتى صغار الرياضيين. وطالبوا بالتفكير في تشريعات وإجراءات قانونية تحد من هذه الظاهرة، وتعزز الروح الرياضية وقيم التسامح والانضباط داخل المنشآت الرياضية.
كما دعا متدخلون إلى مراجعة بعض الأحكام التي قد تواجه صعوبات عند التطبيق العملي، ومعالجة ما أشاروا إليه من تناقضات أو تعارض بين بعض الفصول، بما يضمن الانسجام الداخلي للنص وإمكانية تنفيذه بصورة واضحة.
وطُرحت كذلك مسألة الرقابة على تطبيق القانون، مع الدعوة إلى إقرار آليات للتعديل اللاحق تجمع بين الرقابة الإدارية التي تمارسها الدولة والرقابة القضائية، بدل الاكتفاء بالتعديل الذاتي. وشدد عدد من المشاركين على أهمية ضمان استقلالية تركيبة محكمة النزاعات الرياضية، تكريسًا لحيادها وتعزيزًا للثقة في قراراتها وتحقيقًا للإنصاف في تسوية النزاعات.
بودربالة يدعو إلى قانون قابل للتطبيق يخدم المصلحة الوطنية
في ختام اليوم الدراسي، جدد رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة تأكيد انفتاح لجنة التربية على المقترحات والملاحظات التي قدمها المختصون والإعلاميون المشاركون، مشددًا على ضرورة أن يكون القانون ملزمًا للدولة بمختلف وظائفها ولجميع المؤسسات المعنية.
وأكد أن الهدف الأساسي من هذا المسار التشاركي يتمثل في التوصل إلى نص تشريعي قابل للتطبيق، يستجيب للتحديات المطروحة ويحقق المصلحة العليا للوطن، داعيًا الأطراف المعنية إلى التفاعل الإيجابي مع مقترحات اللجنة.
كما شدد على أن إصلاح الرياضة التونسية يتطلب تضافر الجهود على مختلف المستويات، من خلال تحسين البنية التحتية، ودعم الهياكل الرياضية، وتعزيز الاهتمام بالرياضات الفردية، إلى جانب تكريس العناية بالرياضة لدى الناشئة. وثمّن في السياق ذاته المستوى الذي بلغته الرياضات الجماعية التونسية في مختلف الاختصاصات.
ويبرز اليوم الدراسي حجم الملفات التي تنتظر الحسم ضمن المسار التشريعي لمقترح قانون الهياكل الرياضية، من الحوكمة والاستقلالية والتمويل إلى التحكيم وفض النزاعات وحماية الجمهور. وتبقى مراجعة هذه المسائل وتدقيق الأحكام المقترحة من أبرز التحديات المطروحة أمام اللجنة، قبل استكمال النظر في الفصول والمضي في الإجراءات التشريعية.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق