إحتكامنا إلى العاطفة.. مغالطة للمنطق !
بقلم: اعمر سطايحي
من نعم الله على الإنسان، أن كرّمه بالعقل، وزوّده بمشاعر، مركّبة تركيبا، في شكل ثنائيات متضادة، منها الحب والكره، الشفقة والقسوة، الفرح والحزن، الإرتياح والإنقباض… وهي العواطف التي تنتاب المرء، بحسب يومياته، وما يكتنفها من ظروف ومواقف..
الاحتكام إلى العواطف ومغالطة المنطق
أما قولنا: الإحتكام إلى العواطف، مغالطة منطقية، فإننا لا نُسقط عن الإنسان تعامله بالعواطف، تماما كلجوئه إلى العقل، في مهنته وتدبير شؤون حياته، وتعامله مع المواقف في الحياة، وحتى في بعض معاملاته، التي تقتضي منه العقلانية. فإلى هذا الحد، يبدو الأمر عاديا وبديهيا، لكنّ غير العادي، أن يتعامل بالعواطف، في مواقف تقتضي سلطان العقل، أو يحتكم إلى المنطق والحزم، في مواضع هي إلى العاطفة أليق وأجدى.! وهنا يكمن الخلط بين العقل والعاطفة، وما ينجر عنه، من فقدان التوازن والإعتدال، فيجني المرء على نفسه، وعلى غيره.
تغليب المشاعر على المنطق في حياتنا اليومية
وعندما نُسقط التداخل بين العاطفة والعقل، أو قُل: تغليب المشاعر على المنطق، في تعاملاتنا اليومية، نجد أنفسنا، وسط زخم من المظاهر والظواهر، التي تنبئ أننا أمّة تحتكم إلى مشاعرها، حتى في مَواطن منطقية.. وهي الأمّة التي بلغت من العمر عتيا.
الأمة بين الطفولة والنضج
فمن المعروف أنّ الأمّة، في مرحلة نشأتها الاولى، تكون أشبه بالطفل، إذ كلاهما يتعامل بمشاعره، مادام عقله لم يكتمل نضجه، ولم تتفتق مداركه.. وشيئا فشيئا، يتراجعان عن عواطفها، ليحتكما إلى المنطق. وإنّه لمن المحيّر، أنّ أمّتنا، التي صارت عجوزا، لم تبرح عواطفها، في مواقف تقتضي العقل والعلم والموضوعية.
الجهل وتغليب العاطفة
ومادام المرء ابن بيئة، يسود فيها الجهل وتغطى العواطف على المنطق،ف فإنّه يظل مشدودا إلى مشاعره، بدرجة عالية، اذا ما قيست بعقلانيته! وقد أشار إلى ذلك، العلامة ابن خلدون، في مقدّمته، حين وصف أمّة الشرق بأمة المشاعر، ليؤكد تلك الحقيقة، المفكر عباس محمود العقاد.
العاطفة والمنطق في مختلف القطاعات
فواقعنا يُثبت أنّ الصراع بين العاطفة والمنطق، متجسّد في كل القطاعات؛ سياسيا، إداريا، إعلاميا…
وحتى منصات التواصل الإجتماعي.
_ سياسيا: غلبة الخطاب العاطفي، المشحون بالمشاعر.
_ إداريا: لا يخلو من محسوبية وجهوية والأقرب فالأقرب.
_ إعلاميا: الميل إلى التضخيم اوالتهويل والترويع والتنويم والتلبيس.
_منصات التواصل الاجتماعي: وهي فضاءات عاطفية بامتياز، وقد وجَدت أذانا صاغية ونفوسا تُقبل على الخطاب العاطفي، وإن كان زورا وبهتانا… فكثير من النشطاء، لهم قدرة فائقة، على دغدغدة مشاعر الناس.!
من هو الشخص العاطفي؟
فمن هو الشخص العاطفي؟ هو كل شخص يعيش حالة من الإنكسار، وكثير التعلّق بالآخَرين، ما يجعله ضعيفا أمام الكلام المعسول ودموع التماسيح. أما أكبر عيب للشخص العاطفي، حين يخلط بين مواقف العقل ومواقف العاطفة، بتبريرات، من قبيل: الكل يفعل هذا، الكل يشير إلى ذلك، أنا لا أسبح ضد التيار، ما فيها والو، (نورمال يا خو) !
الاحتكام إلى الجهل وغياب الدليل
ولأنُ الشخص العاطفي، يحتكم إلى الجهل، في غياب تبرير وجود الباطل، تماما كمثل وجود أو عدم وجود الأشباح، وطالما لا يوجد دليل على عدم وجودها، فهي موجودة.
الاستعطاف والتلاعب بالمشاعر
ومن أكثر أشكال مغالطة المنطق بالعواطف، أن تقوم على استعطاف الناس والتلاعب بمشاعرهم، بدلا من استخدام التفكير السليم، المبني على الدليل، كقول بعضهم: أيُعقل أن تمنح هذا الطالب المسكين، علامة إقصائية؟ أو قوله: الراحمون يرحمهم الله…!وأنت تدري أن ذلك الطالب لا يستحق تلك العلامة، او أنّ السجين أجرم.
أمثلة على الاحتكام إلى العواطف
أما الأمثلة عن احتكاما إلى عواطفنا، في كل المواقف والأحوال، فهي متاحة، لكل متتبع ليومياتنا، بحيث لا يجد عناء في سردها:
_ في طوابير الإنتظار، أمام الإدارات والمصحات والمحلات، يظهر أشخاص، فوق العادة، لا يبالون بالمتسمرين وهم ينتظرون أدوارهم، أشخاص يلغون المنطق، ويستعطفوا الناس، مدّعين المرض والإستعجال.. وكثيرا ما يستعينون بأعوان الأمن والممرضين، ليدوسوا على رقاب المواطنين.. هنا يحتكم إلى العاطفة، ذلك المتسلل والعون والممرض وحتى المسؤول..
_ صديق أو جار أو قريب، يُحرج مدير المدرسة أو أستاذ ابنته أو ابنته، ليضخّم له كشف النقاط، حتى ينتقل إلى الصف الأعلى، أو ينجح في امتحان أو مسابقة..
_ المواطن السائق، الذي خالف قواعد السياقة، فحررت في حقة مخالفة، يتوسل إلى ضابط أو عون أمن ليلغيَ المخالفة، وقد يتعاطف معه رجل الأمن. هنا الكل شريك في مغالطة المنطق بالعاطفة!
_ وكثيرا ما تحصل مغالطات المنطق، في وثائق إدارية، يُطلب فيها حضور شاهدَين،، فيدليا بشهادتيهما زورا، تعاطفا مع قريب أو صديق أو جار..!
_ وكثيرا ما ينجر مواطنون، للتوقيع على لوائح المساندة،، بدعوى أنّ فلانا سُجن ظلما، أو ضد مسؤول أو إمام… والغريب أنّ المساندين ليسوا على قناعة، لكنّهم يبصمون، لإرضاء غيرهم وكسب ودّهم وصداقتهم…
العاطفة على منصة فيسبوك
_ وهي الظاهرة التي انتشرت كالهشيم في النار، على منصة الفيسبوك؛ وذلك باللعب على عواطف الناس، بتبريرات عاطفية، لمغالطة المنطق، من قبيل فلان يتيم، مسكين، مظلوم، وليد فاميليا، مع أنُ فلانا هذا أجرم وظلم.. والغريب أن هذه التحركات، تأتي بعد صدور الأحكام القضائية..! فهل هو طعن في القانون، المنظّم للمجتمع؟!
العاطفة في المواعيد الانتخابية
_ يحدث ذلك في المواعيد الإنتخابية، كلما ثبت التزوير، فيُحاكم الجناة، ثم يتحرك العاطفيون للتحايل على المنطق، بدعوتهم لإطلاق سراحهم، فينجر وراءهم بعض الناس، من غير تبصّر ولا روية…!
حملات الهاشتاغ ورفع الظلم عن المعتدي
ومن المضحكات المبكيات، إنتشار حملات الهاشتاغ، لرفع ( الظلم) عن المعتدي.. وهي دعوات غير مؤسسة، كإدعاء أحده أنّ والده مسجون منذ 35 سنة ظلما، تاركا وراءه عائلة، ولا يعرف أسماء وملامح أحفاده وأسباطه… كل هذا التضليل، في غياب الإفصاح عن حيثيات القضية والتهمة؟! لأنّ السجن ب 35 سنة، لا يعني أن القضية بسيطة ولا هيّنة
خلاصة القول.. بين الجهل والمشاعر
وحاصل القول، أنّ أمّة تدير ظهرها للمنطق، وتغرق في عواطفها، في إدارة شؤون حياتها اليومية، لن تقوم لها قائمة، ما دامت تحتكم إلى ثنائية الجهل والمشاعر.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:




إرسال التعليق