الكونغو الديمقراطية.. كنز المعادن الذي يشعل صراع العالم
لم تعد جمهورية الكونغو الديمقراطية تُقرأ في الحسابات الدولية باعتبارها دولة أفريقية غنية بالموارد الطبيعية فحسب، بل أصبحت بصورة متزايدة واحدة من أهم ساحات الصراع الاقتصادي والجيوسياسي على ما يمكن وصفه بـ«معادن المستقبل». ففي باطن الأرض الكونغولية توجد كميات هائلة من الكوبالت والنحاس والليثيوم والتنتالوم والذهب ومعادن أخرى تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في صناعة السيارات الكهربائية والبطاريات وشبكات الكهرباء ومراكز البيانات والإلكترونيات والقطاعات الدفاعية والتكنولوجيات المتقدمة.
وتأتي أهمية هذه الثروة في لحظة تاريخية مختلفة عن كل ما سبقها؛ فالعالم ينتقل بسرعة نحو اقتصاد يعتمد بصورة أكبر على الكهرباء والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية، وهي قطاعات ترفع الطلب على المعادن التي كانت حتى سنوات قليلة مضت تُعامل باعتبارها مجرد سلع صناعية. وفي هذه المعادلة تبدو الكونغو الديمقراطية في موقع استثنائي، لأنها تمتلك موارد ضخمة من المعادن التي تحتاجها القوى الصناعية الكبرى، بينما لا تزال مساحات واسعة من أراضيها غير مستكشفة جيولوجياً بصورة منهجية.
وتشير أحدث التحركات في كينشاسا إلى أن الحكومة الكونغولية نفسها أصبحت أكثر إدراكاً للقيمة الاستراتيجية لهذه الثروة. ففي سبتمبر 2026 شرعت السلطات في تعزيز سيطرتها على البيانات الجيولوجية الوطنية، عبر مشروع مسح جوي ورقمنة للموارد بقيمة 180 مليون دولار، بهدف إنشاء قاعدة بيانات جيولوجية وطنية شاملة. وتكشف هذه الخطوة أن المعركة لم تعد فقط على المناجم الموجودة، وإنما أصبحت أيضاً على معرفة ما يوجد تحت الأرض ومن يملك المعلومات التي تسمح باكتشافه واستثماره.
منجم ضخم تحت أرض دولة واحدة
تُعد الكونغو الديمقراطية أكبر دول أفريقيا جنوب الصحراء مساحة، وتملك واحدة من أكثر قواعد الموارد الطبيعية تنوعاً في القارة. ويشير البنك الدولي إلى امتلاك البلاد موارد استثنائية تشمل النحاس والكوبالت، إلى جانب إمكانات هائلة في الطاقة الكهرومائية والأراضي الزراعية والتنوع البيولوجي، فيما تضم البلاد أيضاً ثاني أكبر غابة مطيرة في العالم بعد الأمازون. لكن القيمة التي أصبحت تجذب اهتمام القوى الكبرى بصورة خاصة ترتبط بالمعادن التي تقوم عليها صناعات التكنولوجيا والطاقة الجديدة.
والكوبالت هو النجم الأكثر وضوحاً في هذه المعادلة. فالكونغو الديمقراطية تنتج نحو 70% من الكوبالت العالمي، وهي نسبة تجعل أي اضطراب في الإنتاج أو التصدير أو السياسات الحكومية قادراً على التأثير في الأسواق العالمية. وتوجد في البلاد عمليات تعدين كبرى تديرها شركات صينية مثل CMOC، إلى جانب Glencore وEurasian Resources Group وHuayou Cobalt، وهو ما يعكس بالفعل درجة التشابك بين الموارد الكونغولية وسلاسل الإمداد العالمية.
لكن الكوبالت ليس سوى جزء من القصة. فالنحاس يحتل مكانة متزايدة الأهمية، خصوصاً مع توسع شبكات الكهرباء ومراكز البيانات ومشروعات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية. وقد أنتجت الكونغو الديمقراطية نحو 3.4 مليون طن متري من النحاس في 2025، مقابل نحو 3.1 مليون طن في 2024، فيما بلغت صادرات الكوبالت في العام نفسه نحو 220 ألف طن وفق بيانات أوردتها تقارير حديثة.
والأكثر دلالة أن أهمية النحاس الكونغولي لم تعد محصورة في السوق الصينية. ففي يوليو 2026 سجلت واردات الولايات المتحدة من النحاس الكونغولي مستوى قياسياً بلغ 53,290 طناً مترياً، وهو ما منح الكونغو نحو 23.9% من إجمالي واردات النحاس الأمريكية في ذلك الشهر. وبينما تراجعت حصة الصين من واردات النحاس الكونغولي خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، ظلت بكين أكبر مشترٍ للنحاس الكونغولي.
هذه الأرقام تعكس التحول الأهم في المشهد: الكونغو لم تعد مجرد مورد أفريقي بعيد في سلسلة صناعية تقودها الصين، وإنما أصبحت بشكل متزايد محوراً في المنافسة المباشرة بين القوى الكبرى على تأمين المعادن الاستراتيجية.
لماذا أصبح الكوبالت والنحاس والليثيوم قضية جيوسياسية؟
السبب يتجاوز السيارات الكهربائية. فالنحاس يدخل في شبكات الكهرباء والمولدات والمحركات والاتصالات ومراكز البيانات، بينما يعد الكوبالت مكوناً مهماً في بعض تقنيات البطاريات، وإن كانت الصناعة تتجه أيضاً نحو تقنيات بطاريات تقلل الاعتماد عليه. أما الليثيوم، فيمثل أحد أهم مكونات البطاريات الحديثة، فيما يدخل التنتالوم في الإلكترونيات الدقيقة ومجموعة واسعة من الصناعات التكنولوجية.
ولهذا أصبحت المعادن الحرجة جزءاً من الأمن القومي للدول الصناعية. الولايات المتحدة تحاول تقليل اعتمادها على الصين في سلاسل الإمداد، والاتحاد الأوروبي يبحث عن مصادر بديلة، بينما تحاول الصين الحفاظ على موقعها في التعدين والتكرير والتصنيع. وفي فبراير 2026، ظهرت بوضوح محاولة أمريكية لبناء ترتيبات تجارية ومعدنية جديدة لمواجهة النفوذ الصيني في هذا المجال، مع التركيز على أفريقيا ومصادر النحاس والكوبالت والمعادن الأخرى.
ولا تأتي المنافسة من فراغ. فالصين لا تملك فقط حضوراً كبيراً في المناجم الكونغولية، وإنما تمتلك أيضاً نفوذاً واسعاً في مراحل التكرير والتصنيع اللاحقة، وهي الحلقة التي تمنح الدولة أو الشركات قدرة أكبر على التحكم في سلاسل القيمة. وتشير تحليلات حديثة إلى أن الشركات الصينية بقيادة CMOC وZijin وHuayou تتمتع بموقع مهيمن في قطاع التعدين الكونغولي، في حين أن بكين تعد أيضاً أكبر دائن ثنائي للكونغو.
وهنا تحديداً تتغير طبيعة المنافسة. فالمعركة ليست على امتلاك منجم فقط، وإنما على امتلاك سلسلة القيمة بأكملها: من الاستكشاف إلى استخراج الخام، ومن التكرير إلى التصنيع، ثم إلى البطاريات والسيارات والشبكات الكهربائية والمنتجات التكنولوجية النهائية.
الصين.. اللاعب الذي سبق الجميع
دخلت الشركات الصينية إلى قطاع التعدين الكونغولي بقوة خلال العقود الماضية، واستطاعت بناء وجود متكامل نسبياً حول النحاس والكوبالت. وهذا يمنح بكين أفضلية يصعب على المنافسين الجدد تجاوزها بسرعة، لأن المنافسة لا تتعلق فقط بالمال، وإنما بالخبرة والبنية التحتية وسلاسل النقل والتكرير والقدرة على تحمل المخاطر السياسية واللوجستية.
لكن المعادلة بدأت تتغير. فمع تصاعد التنافس الأمريكي الصيني، أصبحت واشنطن تنظر إلى الكونغو باعتبارها واحدة من الدول التي يمكن أن تساعدها في تقليل الاعتماد على الصين. وفي يناير 2026 قدمت كينشاسا إلى واشنطن قائمة بأصول ومشروعات استراتيجية تشمل النحاس والكوبالت والمنغنيز والذهب والليثيوم، بهدف إتاحة فرص استثمار أمام الشركات الأمريكية ضمن شراكة أوسع في مجال المعادن.
وفي أبريل من العام نفسه، أكد مسؤول أمريكي وجود اهتمام «كبير» من الشركات الأمريكية بأصول تعدين كونغولية، بما فيها منطقة روبيـا الغنية بالتنتالوم، وهي منطقة ترتبط مباشرة بالتوترات المسلحة في شرق البلاد.
ومن ثم، فإن دخول الولايات المتحدة إلى المشهد لا يمكن تفسيره اقتصادياً فقط. إنه جزء من إعادة رسم خريطة النفوذ في أفريقيا، في وقت ترى فيه واشنطن أن السيطرة الصينية على سلاسل المعادن الحرجة يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية في حال تصاعد الصراع التجاري أو التكنولوجي بين القوتين.
الكونغو تحاول تغيير قواعد اللعبة
المثير في السياسة الكونغولية خلال الفترة الأخيرة أن كينشاسا لم تعد تكتفي بزيادة الإنتاج، وإنما بدأت تستخدم حجمها في السوق للتأثير في الأسعار وشروط التصدير.
أوضح مثال على ذلك هو الكوبالت. ففي فبراير 2025 فرضت الكونغو تعليقاً لصادرات الكوبالت، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى نظام حصص تصدير سنوية. وجرى تحديد سقف للصادرات عند 96,600 طن في 2026 و2027. وكان الهدف المعلن إدارة المعروض العالمي وتحسين وضع المنتج الكونغولي في السوق، بعد فترة من ارتفاع المخزونات وتراجع الأسعار.
ثم ذهبت كينشاسا أبعد من ذلك في 2026 عندما قررت تخصيص 10% من حصص صادرات الكوبالت للاستخدام الاستراتيجي من جانب الدولة، بما يعادل نحو 9,600 طن لعام 2026. وفي يونيو قررت السلطات سحب الحصص غير المستخدمة وإعادة تخصيصها لكيان تسيطر عليه الدولة، في خطوة تعكس اتجاهاً واضحاً نحو زيادة السيطرة الحكومية على أحد أهم موارد البلاد.
والرسالة السياسية هنا واضحة: الكونغو تريد أن تتعامل مع الكوبالت ليس بوصفه سلعة تصدرها بأي سعر، وإنما بوصفه أصلاً استراتيجياً يمكن استخدامه للحصول على استثمارات ونقل تكنولوجيا وقيمة مضافة داخل البلاد.
من تصدير الخام إلى صناعة القيمة المضافة
هذا التوجه يضع أمام الكونغو سؤالاً أكبر: لماذا تكتفي دولة تمتلك واحدة من أهم الثروات المعدنية في العالم بتصدير المواد الأولية بينما تُصنع القيمة الحقيقية في الخارج؟
الإجابة ترتبط بتاريخ طويل من نموذج استخراج الموارد الذي لم ينجح دائماً في تحويل الثروة الطبيعية إلى تنمية واسعة. ولذلك فإن الحديث الحالي عن التكرير والتصنيع المحلي ليس مجرد شعار اقتصادي، وإنما محاولة لإعادة توزيع القيمة داخل الاقتصاد الكونغولي.
وفي النحاس، تشير التطورات الأخيرة إلى أن البلاد قطعت بالفعل شوطاً في هذا الاتجاه؛ إذ أصبح جزء كبير من إنتاج النحاس يُعالج أو يُكرر داخل البلاد، فيما تسعى كينشاسا إلى زيادة معالجة الإنتاج محلياً بدلاً من الاعتماد على تصدير المركزات. وتفيد تحليلات حديثة بأن النحاس المكرر محلياً شكل نحو 82% من إجمالي إنتاج البلاد في العام السابق.
وإذا نجحت هذه السياسة، فقد يتحول قطاع التعدين من مصدر للإيرادات الضريبية والتصديرية فقط إلى قاعدة صناعية تشمل التكرير والكيماويات والبطاريات والمكونات الكهربائية والخدمات الهندسية والنقل والخدمات اللوجستية.
وهذا هو الفارق بين دولة تملك المعادن ودولة تملك اقتصاد المعادن.
شرق الكونغو.. عندما تختلط الجغرافيا بالثروة
لكن الحديث عن ثروات الكونغو لا يمكن فصله عن الوجه الآخر للقصة:
فشرق البلاد، ولا سيما إقليما شمال وجنوب كيفو، يحتوي على ثروات معدنية مهمة، لكنه شهد أيضاً صراعات مسلحة طويلة ومعقدة. وأصبحت منطقة روبيـا، الغنية بالتنتالوم الذي يدخل في صناعة الإلكترونيات، إحدى أكثر النقاط حساسية في العلاقة بين الأمن والموارد.
وقد استغل مقاتلو حركة M23 السيطرة على مناطق في شرق الكونغو لتعزيز نفوذهم الاقتصادي، بينما اتهمت تقارير دولية أطرافاً إقليمية بالارتباط بتدفقات المعادن الخارجة من المناطق المتنازع عليها. وفي الوقت نفسه، تنفي رواندا اتهامات دعم الحركة المسلحة، بينما أصبحت قضية المعادن جزءاً لا ينفصل عن محاولات تسوية الصراع.
وفي فبراير 2026 كشفت وثائق حكومية كونغولية أن كينشاسا عرضت منطقة روبيـا الغنية بالتنتالوم على الولايات المتحدة ضمن ترتيبات اقتصادية، مع التأكيد على إمكانية بناء سلسلة توريد قابلة للتتبع وخالية من معادن النزاع.
وهكذا يصبح السؤال الأمني جزءاً من السؤال الاقتصادي: كيف يمكن استخراج المعادن من منطقة تشهد نزاعاً مسلحاً دون أن تتحول العائدات إلى مصدر تمويل جديد للصراع؟
صفقة السلام.. والمعادن في قلب الحسابات
في يونيو 2025 وقعت الكونغو الديمقراطية ورواندا اتفاق سلام بوساطة أمريكية، في خطوة استهدفت إنهاء سنوات من التوترات والقتال في شرق الكونغو. ولم يكن البعد الاقتصادي بعيداً عن هذه التسوية، إذ ارتبطت آمال الولايات المتحدة بجذب مليارات الدولارات من الاستثمارات الغربية إلى منطقة غنية بالتنتالوم والذهب والكوبالت والنحاس والليثيوم.
وهنا تظهر للمرة الأولى بصورة مباشرة للغاية العلاقة بين السلام والمعادن. فاستقرار شرق الكونغو يمكن أن يفتح الباب أمام استثمارات ضخمة في مناطق يصعب على الشركات العالمية دخولها بسبب المخاطر الأمنية، بينما يمكن للاستثمارات بدورها أن تمنح الحكومة موارد إضافية لإعادة بناء البنية التحتية والاقتصاد.
لكن المعادلة ليست بهذه البساطة. فقد كشفت تقارير أممية لاحقة عن استمرار الانتهاكات والخروقات للاتفاقات، بما في ذلك اتهامات مرتبطة بالقوات الرواندية وحركة M23 والجيش الكونغولي، وهو ما يؤكد أن تحويل اتفاق سياسي إلى بيئة استثمار مستقرة يحتاج إلى أكثر من توقيع على وثيقة.
لماذا تهتم أوروبا أيضاً؟
أوروبا تواجه معضلة مختلفة. فهي تريد تأمين احتياجاتها من المعادن الحرجة، لكنها تريد في الوقت نفسه بناء سلاسل توريد تتوافق مع معايير البيئة وحقوق الإنسان والحوكمة. وهذا يجعل الكونغو شريكاً محتملاً مهماً، لكنه شريك شديد التعقيد.
فأوروبا تدرك أن الاعتماد المفرط على مصدر واحد أو دولة واحدة للمعادن يمثل خطراً استراتيجياً، خصوصاً في ظل التوترات التجارية المتصاعدة. كما أن القارة الأوروبية بحاجة إلى النحاس والكوبالت والليثيوم وغيرها من المعادن لدعم التحول في الطاقة والصناعة والنقل.
لكن أي علاقة أوروبية مع الكونغو ستواجه السؤال نفسه: هل ستظل أفريقيا مجرد مصدر للمواد الخام، أم يمكن بناء صناعات تحويلية داخل القارة؟
وهذا السؤال يتجاوز الكونغو نفسها ليصل إلى جوهر النقاش حول مستقبل الاقتصاد الأفريقي.
ثروة هائلة.. وفقر شديد
ربما تكمن المفارقة الأكبر في الكونغو الديمقراطية في أن واحدة من أغنى دول العالم من حيث الموارد الطبيعية لا تزال تواجه مستويات مرتفعة من الفقر وضعف البنية التحتية ومشكلات في الخدمات الأساسية.
وهنا تكمن القضية السياسية الحقيقية: ليس من الصعب اكتشاف قيمة الثروة، وإنما الصعب تحويلها إلى تنمية يشعر بها المواطن.
فإذا أدى ارتفاع الطلب على الكوبالت والنحاس والليثيوم إلى زيادة الصادرات والإيرادات الحكومية، لكن لم يتحسن التعليم والصحة والطرق والكهرباء وفرص العمل، فإن ازدهار قطاع التعدين لن يعني بالضرورة ازدهار الدولة.
ولهذا فإن التحدي الأكبر أمام الحكومة الكونغولية ليس فقط الحصول على أفضل سعر للطن من الكوبالت أو النحاس، بل بناء منظومة تجعل الثروة المعدنية محركاً لتوسيع الاقتصاد بدلاً من أن تظل جزيرة منفصلة عن حياة غالبية السكان.
وتؤكد المؤشرات الدولية أن البلاد تمتلك موارد هائلة لم تستثمر بالكامل بعد، إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى وجود موارد غير مستغلة ضخمة من النحاس والكوبالت والذهب والليثيوم، بينما لا تزال أجزاء واسعة من الخريطة الجيولوجية الكونغولية غير مستكشفة بشكل كافٍ.
معركة المستقبل ليست على المناجم وحدها
التطور الأكثر إثارة في المشهد ربما يكون انتقال المنافسة من السيطرة على المناجم إلى السيطرة على المعلومات الجيولوجية.
فالقرار الكونغولي بإنشاء قاعدة بيانات وطنية للثروة المعدنية يعني أن كينشاسا تريد أن تعرف بصورة أدق ما الذي تملكه قبل أن تفاوض المستثمرين على شروط الاستغلال. وتقول السلطات إن نحو 20% فقط من البلاد خضع حتى الآن للاستكشاف الجيولوجي المنهجي، ما يعني أن الخريطة الحالية للثروة قد تكون أقل بكثير من الواقع.
وهذا التفصيل يحمل أهمية سياسية واقتصادية ضخمة. فالدولة التي تعرف احتياطياتها بصورة دقيقة تكون في موقع تفاوضي أقوى من الدولة التي تعتمد على تقديرات الشركات الأجنبية. كما أن امتلاك البيانات يسمح للحكومة بتحديد المناطق الأكثر أهمية، وتصميم سياسات الاستثمار، ومقارنة عروض الشركات، وربط الاستغلال بمشروعات البنية التحتية والصناعة.
بعبارة أخرى، قد تكون المعركة المقبلة على «من يملك الخريطة» بقدر ما هي على «من يملك المنجم».
هل تستطيع أفريقيا الاستفادة من المنافسة؟
المنافسة الأمريكية الصينية على المعادن الكونغولية تحمل خطراً وفرصة في الوقت نفسه.
الخطر هو أن تتحول الكونغو إلى ساحة جديدة لصراع النفوذ، حيث تتنافس القوى الكبرى على الموارد دون أن يحصل الاقتصاد المحلي على القيمة الحقيقية.
أما الفرصة فتتمثل في قدرة كينشاسا على استخدام تعدد المتنافسين للحصول على شروط أفضل: بنية تحتية، طرق وسكك حديدية، كهرباء، مصانع تكرير، تدريب للعمال، نقل تكنولوجيا، وتمويل لمشروعات صناعية.
وهذا النموذج يتجاوز الكونغو إلى القارة بأكملها. فالدول الأفريقية الغنية بالمعادن بدأت تدرك أن عصر التنافس العالمي على الموارد يمكن أن يمنحها قدرة تفاوضية أكبر إذا أحسنت إدارة المنافسة ولم تستبدل احتكار طرف باحتكار طرف آخر.
وقد أصبح هذا الاتجاه واضحاً في النقاش الأفريقي حول المعادن الحرجة، مع تأكيد المؤسسات الدولية أن القارة تمتلك أكثر من 30% من الموارد العالمية لبعض المعادن الخضراء الحرجة، بما فيها الكوبالت والليثيوم والمنغنيز والعناصر الأرضية النادرة.
الصين لن تتراجع بسهولة
رغم الحضور الأمريكي المتزايد، سيكون من الخطأ الاعتقاد أن الصين ستفقد موقعها بسهولة. فالشركات الصينية بنت خلال سنوات طويلة مواقع إنتاج وتكرير ونقلاً وتمويلاً، وتمتلك خبرة كبيرة في التعامل مع المخاطر الأفريقية.
كما أن المنافسة لا تتعلق فقط بمن يدفع سعراً أعلى للخام، وإنما بمن يستطيع بناء منظومة متكاملة من التعدين إلى التكرير إلى التصنيع. وهذه نقطة تتمتع فيها الصين بميزة كبيرة.
وفي المقابل، تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها بناء مسارات بديلة، لكنها تواجه مشكلة الوقت. ففتح منجم جديد أو إنشاء مصفاة أو بناء سلسلة توريد جديدة يحتاج سنوات، بينما تمتلك الصين بالفعل قدرات صناعية قائمة. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن المنافسة على المعادن الحرجة أصبحت جزءاً من الصراع التجاري والتكنولوجي الأوسع بين بكين وواشنطن.
الكونغو أمام لحظة تاريخية
في النهاية، لا تكمن أهمية الكونغو الديمقراطية فقط في أنها تملك الكوبالت أو النحاس أو الليثيوم، وإنما في أنها تمتلك مجموعة من المعادن التي يحتاجها العالم في وقت واحد، وفي بلد واحد، وبكميات قادرة على التأثير في الأسواق.
والدليل الأوضح يأتي من سوق النحاس نفسه. فمع ارتفاع الأسعار العالمية إلى مستويات قياسية تجاوزت 14 ألف دولار للطن في سبتمبر 2026 وسط مخاوف من نقص الإمدادات وتزايد الطلب على الكهرباء والبنية التحتية، أصبح الإنتاج الكونغولي أكثر أهمية بالنسبة للمستهلكين الصناعيين حول العالم.
وفي الكوبالت، أثبتت قرارات كينشاسا أن دولة منتجة واحدة تستطيع بالفعل التأثير في السوق العالمية عندما تستخدم حصتها الكبيرة من الإمدادات في إدارة الصادرات. فقد ارتفعت أسعار الكوبالت بقوة منذ بدء القيود الكونغولية، وأصبحت سياسات البلاد موضع متابعة لصيقة من شركات البطاريات والتكرير في آسيا وأوروبا وأمريكا.
لكن الثروة المعدنية قد تكون فرصة تاريخية أو لعنة جديدة. الفارق بين الاثنين تحدده قدرة الدولة على بناء المؤسسات، وفرض الشفافية، وحماية المجتمعات المحلية، وضمان حقوق العمال، ومواجهة التعدين غير القانوني، وربط المناجم بالصناعة المحلية، ومنع الإيرادات المعدنية من التحول إلى وقود للصراعات.
إن العالم يريد معادن الكونغو، لكن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه كينشاسا ليس فقط: من يريد شراء ثروتنا؟ بل: ماذا سيقدم لنا مقابلها؟
إذا استطاعت الكونغو أن تحول التنافس الدولي إلى استثمارات في الصناعة والبنية التحتية والطاقة والتعليم والتكنولوجيا، فقد تصبح ثروتها المعدنية نقطة انطلاق لتحول اقتصادي تاريخي. أما إذا ظلت المعادن تغادر البلاد بينما تبقى القيمة المضافة والوظائف والتكنولوجيا في الخارج، فإن «معادن المستقبل» قد تعيد إنتاج قصة قديمة يعرفها تاريخ أفريقيا جيداً: ثروات هائلة في باطن الأرض، لكنها لا تتحول بالقدر الكافي إلى ثروة في حياة الإنسان.
وهنا تحديداً تكمن المعركة الحقيقية التي تدور اليوم حول الكونغو الديمقراطية. إنها ليست مجرد معركة على الكوبالت أو النحاس أو الليثيوم، ولا مجرد فصل جديد في المنافسة بين الصين والولايات المتحدة. إنها معركة على من يملك حق تحديد قيمة موارد المستقبل، ومن يحدد شروط الوصول إليها، ومن يحتفظ بالقيمة التي تولدها.
وبالنسبة إلى الكونغو، فإن امتلاك المعادن لم يعد وحده ميزة كافية. الميزة الحقيقية ستكون في القدرة على امتلاك المعرفة الجيولوجية، وسلاسل القيمة، والتكنولوجيا، والقدرة التفاوضية، والاستقرار السياسي والأمني.
وإذا نجحت كينشاسا في الجمع بين هذه العناصر، فقد تتحول البلاد من مجرد «مخزن عالمي للمعادن» إلى أحد مراكز الصناعة الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي الجديد.
أما إذا فشلت، فقد يبقى العالم يتنافس على ما تحت الأرض، بينما يظل السؤال الأكثر إلحاحاً داخل الكونغو نفسها: لماذا لا تتحول هذه الثروة الهائلة إلى حياة أفضل لملايين المواطنين الذين يعيشون فوقها؟
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق