رئاسة بريكس

السيسي يفتح باب رئاسة «بريكس» لمصر.. هل بدأت القاهرة التحرك نحو قيادة التكتل؟

لم يكن إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال قمة مجموعة «بريكس» في نيودلهي، أن مصر «تتطلع إلى تولي رئاسة مجموعة البريكس في المستقبل القريب»، مجرد عبارة بروتوكولية عابرة في خطاب دبلوماسي مزدحم بالملفات الاقتصادية والسياسية. فالتعبير الذي اختاره الرئيس المصري يحمل دلالة سياسية واضحة، لأنه ينقل القاهرة من موقع الدولة العضو التي تسعى إلى تعظيم استفادتها من التكتل، إلى موقع الدولة التي تعلن صراحة رغبتها في تولي مسؤولية قيادته وتنظيم أجندته وقمته المقبلة في إحدى الدورات القادمة. والأهم أن التصريح جاء في اللحظة التي كانت فيها قمة بريكس الثامنة عشرة في نيودلهي تبحث مستقبل التكتل بعد اتساع عضويته وتصاعد دوره في الاقتصاد والسياسة الدوليين.

لكن قراءة التصريح بدقة تقتضي التمييز بين إبداء الرغبة السياسية وبين وجود قرار رسمي بترشح مصر لرئاسة بريكس في سنة محددة. وحتى الآن، لا توجد في المعلومات الرسمية المتاحة إشارة إلى أن مصر حصلت على قرار جماعي يحدد توليها الرئاسة في عام بعينه، كما أن نظام التناوب نفسه بات موضع نقاش بعد توسع المجموعة. وتشير الوثائق الهندية الرسمية الخاصة برئاسة بريكس 2026 إلى أن الرئاسة تتناوب سنوياً، وأن الدولة التي تتولاها تضع أولويات أجندة العام وتنظم القمة السنوية والاجتماعات الوزارية، لكنها تشير كذلك إلى أن صيغة جديدة للتناوب يجري بحثها بعد توسع عضوية التكتل. وهذه النقطة بالذات تجعل عبارة السيسي مهمة سياسياً، لكنها لا تعني أن موعداً محدداً لرئاسة مصر قد حُسم بالفعل.

من الهند بدأت الإشارة المصرية الأكثر وضوحاً

جاء تصريح السيسي في ختام عرض مصري متكامل لرؤية القاهرة بشأن دور بريكس. فقد أكد الرئيس أن مصر ترى في المجموعة إطاراً واعداً لبناء شراكات عملية ونظام اقتصادي دولي أكثر توازناً، وشدد على استعداد القاهرة لمواصلة المساهمة في المشروعات المشتركة والاستفادة من موقعها الاستراتيجي لربط إفريقيا وأوروبا وآسيا، قبل أن ينتقل إلى العبارة الأكثر دلالة المتعلقة بتطلع مصر إلى رئاسة المجموعة مستقبلاً. بهذا الترتيب، يبدو أن الحديث عن الرئاسة لم يأت منفصلاً عن رؤية مصر للدور الذي تريد أن تلعبه داخل بريكس، وإنما جاء تتويجاً لهذه الرؤية.

وهنا تكمن أهمية التوقيت. فمصر دخلت بريكس كعضو كامل في يناير 2024، وشاركت في قمة المجموعة للمرة الثالثة على التوالي في 2026. أي أن القاهرة لم تنتظر سنوات طويلة قبل أن تطرح نفسها كدولة يمكنها الانتقال من العضوية إلى ممارسة دور قيادي داخل التكتل. وفي السياسة الدولية، فإن الإعلان المبكر عن الرغبة في استضافة قمة أو تولي رئاسة منظمة لا يعني بالضرورة أن القرار قد اتخذ، لكنه غالباً يمثل بداية عملية بناء التوافقات اللازمة للحصول عليه.

واللافت أيضاً أن القاهرة كانت قد أعلنت في مطلع سبتمبر دعمها للرئاسة الصينية لبريكس في 2027 واستضافة الصين للقمة التاسعة عشرة. وهذا يعني أن مصر لا تتحرك في مواجهة جدول الرئاسة المعلن للمرحلة القريبة، بل تقر بأن الصين ستتولى المرحلة التالية، ثم تطرح نفسها بعد ذلك كمرشح محتمل في المستقبل. ومن الناحية الدبلوماسية، فإن دعم رئاسة الصين أولاً ثم إعلان الرغبة المصرية في رئاسة لاحقة يمكن قراءته باعتباره رسالة بأن القاهرة تريد الدخول في عملية ترتيب طويلة الأجل، وليس انتزاع الدور من دولة أخرى في الدورة المقبلة.

هل يعني ذلك أن مصر تخطط فعلاً لرئاسة بريكس؟

الإجابة الأكثر دقة هي: نعم، التصريح يمثل مؤشراً سياسياً قوياً على وجود طموح مصري لتولي الرئاسة، لكنه لا يثبت وحده أن مصر قدمت ترشحاً رسمياً أو أن اتفاقاً تم بشأن سنة محددة. الفرق بين الأمرين مهم للغاية، خصوصاً أن بريكس لم يعد التكتل الصغير الذي كان يضم خمس دول فقط. فالتوسع الذي بدأ في 2024 وأضيفت إليه إندونيسيا في 2025 جعل مسألة توزيع الرئاسة أكثر تعقيداً، وهو ما دفع الأعضاء إلى مناقشة صيغة جديدة للتناوب.

وتولي رئاسة بريكس ليس مجرد استضافة قمة. الدولة التي تتولى الرئاسة تقود أجندة المجموعة على مدار عام كامل، وتدفع بالأولويات التي تراها أكثر ارتباطاً بمصالحها ومصالح الدول الأعضاء، كما تنظم القمة السنوية والاجتماعات الوزارية وفرق العمل المختلفة. ولذلك فإن الرئاسة تمنح الدولة المضيفة مساحة واسعة لصياغة أولويات التعاون الاقتصادي والمالي والتجاري والتكنولوجي والسياسي، حتى وإن كانت بريكس لا تعمل كتحالف ملزم على غرار بعض التكتلات الدولية الأخرى.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الرغبة المصرية باعتبارها محاولة للانتقال من الحضور داخل بريكس إلى التأثير في جدول أعمال بريكس. وهذا التحول له قيمة كبيرة بالنسبة للقاهرة، خصوصاً في ظل اهتمامها بملفات التمويل والتنمية والتجارة والطاقة والأمن الغذائي وسلاسل الإمداد وربط الأسواق، وهي الملفات التي تصدرت أيضاً خطاب السيسي في نيودلهي.

لماذا تريد مصر الرئاسة؟

أحد مفاتيح الإجابة موجود في الأرقام الاقتصادية نفسها. فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين مصر ودول بريكس إلى نحو 36.7 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026 مقابل 29.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025، وفق البيانات التي نُشرت بالتزامن مع انعقاد قمة نيودلهي. لكن الرقم يكشف في الوقت ذاته عن تحدٍ مصري واضح؛ إذ بلغت الواردات المصرية من دول بريكس نحو 30.2 مليار دولار، مقابل صادرات مصرية بنحو 6.6 مليار دولار فقط. وبالتالي فإن الرئاسة، من وجهة النظر المصرية، يمكن أن تكون منصة لدفع التعاون التجاري والاستثماري بطريقة تقلل اختلال الميزان التجاري وتفتح أسواقاً جديدة أمام المنتجات المصرية.

وتكشف تفاصيل التجارة عن أهمية دول بعينها بالنسبة للقاهرة. فالصين تصدرت قائمة الدول التي صدرت إلى مصر من داخل بريكس خلال النصف الأول من 2026 بنحو 10.4 مليار دولار، بينما جاءت الإمارات والسعودية في مستويات مرتفعة أيضاً، في حين سجلت الصادرات المصرية إلى السعودية نحو 1.8 مليار دولار، وإلى الإمارات 1.7 مليار دولار، وإلى الهند نحو 868 مليون دولار. وهذه الأرقام تعني أن بريكس بالنسبة لمصر ليست مجرد منصة جيوسياسية بعيدة، وإنما شبكة اقتصادية قائمة بالفعل تتداخل مع احتياجات الصناعة والطاقة والغذاء والاستثمار والتجارة المصرية.

وتتجاوز المصالح المصرية التجارة إلى الاستثمار وتحويلات العاملين. فقد بلغت استثمارات دول بريكس في مصر نحو 6.2 مليار دولار خلال السنة المالية 2024/2025، بينما بلغت استثمارات مصر في دول المجموعة نحو 2.2 مليار دولار، كما وصلت تحويلات المصريين العاملين في دول بريكس إلى 15.7 مليار دولار خلال السنة المالية نفسها. ويكشف ذلك عن أن العلاقات مع المجموعة ترتبط بصورة مباشرة بالنقد الأجنبي والاستثمار وسوق العمل، وليس فقط بالخطاب السياسي المتعلق بالنظام الدولي متعدد الأقطاب.

16-5 السيسي يفتح باب رئاسة «بريكس» لمصر.. هل بدأت القاهرة التحرك نحو قيادة التكتل؟

قناة السويس تدخل على خط الحسابات

هناك بعد آخر شديد الأهمية في الحسابات المصرية، وهو الموقع الجغرافي. ففي خطابه أمام قمة بريكس، ربط السيسي بصورة مباشرة بين الموقع الاستراتيجي لمصر ودورها في التجارة العالمية وبين ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة الدولية. وهذا ليس تفصيلاً عابراً، خصوصاً في ظل اضطراب طرق التجارة والطاقة في المنطقة، وما تسببت فيه الأزمات الجيوسياسية من ضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.

مصر تستطيع، إذا تولت رئاسة بريكس مستقبلاً، أن تقدم نفسها باعتبارها حلقة وصل عملية بين الاقتصادات الآسيوية والأفريقية والأوروبية. وهذا يتسق مع ما طرحه السيسي في القمة بشأن استعداد القاهرة لتوظيف موقعها الجغرافي في دعم التجارة والاستثمار وربط إفريقيا وأوروبا وآسيا. ومن هنا يمكن أن تصبح قناة السويس والموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية المصرية جزءاً من خطاب مصري أوسع داخل بريكس حول سلاسل الإمداد والنقل والتجارة العابرة للقارات.

وهذا البعد يحمل أهمية خاصة في ظل سعي بريكس إلى تعزيز أدوات اقتصادية ومالية أكثر استقلالاً، وتوسيع استخدام العملات المحلية وربط أنظمة الدفع وتطوير آليات تمويل بديلة. وكانت الهند، خلال رئاستها لعام 2026، تدفع أيضاً باتجاه تطوير التعاون في المدفوعات الرقمية وربط العملات الرقمية للبنوك المركزية بين الدول الأعضاء، رغم وجود عقبات سياسية وتقنية كبيرة أمام تحقيق ذلك.

الصدى العالمي.. لماذا يهم الإعلان المصري؟

على المستوى الدولي، يجب ألا يُقرأ تصريح السيسي بمعزل عن التحول الذي طرأ على بريكس نفسها. فالمجموعة التي بدأت كصيغة تضم البرازيل وروسيا والهند والصين ثم انضمت إليها جنوب إفريقيا، تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إطار أوسع يضم دولاً من آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط، بينما أصبح لها حضور متزايد في النقاش حول مستقبل النظام الاقتصادي العالمي. وتقدر التحليلات الدولية أن بريكس الموسعة تمثل أكثر من 40% من سكان العالم ونحو ربع الاقتصاد العالمي وفق قياسات الناتج المحلي الإجمالي الاسمية، مع وزن أكبر بكثير عند استخدام تعادل القوة الشرائية.

لكن القوة المتزايدة لبريكس لا تعني أنها كتلة متجانسة. فالصين والهند لديهما تنافس استراتيجي طويل، وإيران والإمارات دخلتا المجموعة بينما توجد بينهما توترات إقليمية حادة، كما أن روسيا والصين تنظران إلى مستقبل النظام الدولي من زوايا مختلفة عن بعض الدول الأعضاء التي تحافظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة وأوروبا. وقد ظهر هذا التعقيد بوضوح في قمة نيودلهي، حيث كان التوصل إلى إعلان مشترك اختباراً حقيقياً لوحدة المجموعة في ظل الحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، نجحت الدول الأعضاء في إصدار إعلان نيودلهي المشترك، الذي دعا إلى ضبط النفس في الشرق الأوسط، وأكد أهمية الحوار والدبلوماسية في حل النزاعات الدولية، كما انتقد الإجراءات التجارية الأحادية التي تشوه التجارة العالمية. وهذه النتيجة تمنح بريكس قيمة سياسية إضافية، لأنها تظهر أن التكتل يستطيع، رغم خلافات أعضائه، إنتاج مواقف مشتركة بشأن أزمات دولية كبرى.

في هذا السياق، يصبح الإعلان المصري أكثر أهمية. فالقاهرة لا تطلب رئاسة تجمع اقتصادي محض، وإنما تسعى إلى قيادة منصة تتداخل فيها قضايا الاقتصاد والطاقة والتجارة والأمن الغذائي وإصلاح المؤسسات المالية الدولية والحوكمة العالمية. وقد ركز السيسي في كلمته على إصلاح الهيكل المالي الدولي، وتطوير أدوات تمويل مبتكرة وميسرة، وتعزيز دور بنك التنمية الجديد، إلى جانب قضايا الغذاء والمياه والطاقة والمناخ.

لكن الطريق إلى الرئاسة ليس سهلاً

التحدي الأول أمام مصر هو التوافق داخل بريكس. فالرئاسة لا يمكن أن تكون قراراً مصرياً منفرداً، ولا يكفي إعلان الرغبة فيها من فوق منصة القمة. هناك دول مؤسسة ذات وزن سياسي واقتصادي ضخم، ودول انضمت حديثاً، ودول لديها حساباتها الخاصة بشأن شكل التكتل ومستقبله، ولذلك فإن القاهرة تحتاج إلى بناء توافق تدريجي مع العواصم المؤثرة، خصوصاً الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب إفريقيا، إلى جانب بقية الأعضاء. وهذا يصبح أكثر تعقيداً مع استمرار النقاش حول صيغة التناوب بعد توسع المجموعة.

التحدي الثاني يتعلق بطبيعة بريكس نفسها. فالمجموعة لا تمتلك هيكلاً مؤسسياً مركزياً يضاهي الاتحاد الأوروبي مثلاً، ولا توجد فيها قيادة دائمة أو جهاز تنفيذي قوي يفرض أجندة موحدة على الأعضاء. وبالتالي فإن نجاح أي دولة في الرئاسة يعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها على بناء توافقات وتحويل الأفكار إلى مشروعات عملية. وهذا يفسر تركيز السيسي في خطابه على «المشروعات والبرامج المحددة» والشراكات القابلة للتنفيذ بدلاً من الاكتفاء بالشعارات السياسية.

أما التحدي الثالث فهو أن مصر نفسها ستحتاج إلى تقديم برنامج رئاسة مقنع إذا انتقلت الرغبة السياسية إلى ترشح فعلي. ومن المرجح أن تكون ملفات مثل التجارة بين الجنوب والجنوب، الأمن الغذائي، الطاقة، سلاسل الإمداد، التمويل التنموي، التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، التحول الرقمي، وربط الموانئ والطرق التجارية، عناصر قادرة على تشكيل أجندة مصرية ذات صدى واسع، خصوصاً أن هذه الملفات تتقاطع مع احتياجات عدد كبير من أعضاء بريكس والدول الشريكة معها. ويعزز ذلك أن قمة 2026 نفسها شهدت طرح مبادرات تتعلق بالابتكار والشركات الناشئة وسلاسل الإمداد واللوجستيات.

هل يمكن أن تكون مصر رئيسة بريكس بعد الصين؟

هنا يجب الحذر من القفز إلى استنتاج غير مؤكد. الصين تستعد لتولي رئاسة بريكس في 2027، وقد أعلنت مصر دعمها لهذا التوجه. لذلك لا توجد، في الوقت الراهن، قاعدة رسمية منشورة تسمح بالجزم بأن مصر ستتولى رئاسة المجموعة في 2028. والأهم أن الوثيقة الهندية الرسمية تشير صراحة إلى أن صيغة التناوب الجديدة محل بحث بعد التوسع، ما يعني أن الجدول المستقبلي لا يمكن التعامل معه باعتباره محسومًا بالكامل.

لكن من منظور سياسي، فإن عبارة «في المستقبل القريب» تفتح الباب أمام احتمال أن تكون القاهرة قد بدأت بالفعل في بناء ملفها السياسي والدبلوماسي لرئاسة إحدى الدورات التالية. فالإعلان العلني يمنح الدول الأخرى فرصة معرفة الموقف المصري مبكراً، ويتيح للقاهرة اختبار ردود الفعل، وبناء تفاهمات ثنائية ومتعددة الأطراف قبل الدخول في أي مفاوضات رسمية حول الرئاسة. وهذا هو الأسلوب المعتاد في كثير من عمليات التنافس على استضافة القمم أو رئاسة المنظمات الدولية، حيث تسبق عملية التصويت أو التوافق مرحلة طويلة من الاتصالات السياسية. وهذه قراءة تحليلية للتوقيت والدلالة، وليست إعلاناً عن وجود ترشح مصري رسمي.

روسيا والصين والهند.. مفاتيح مهمة أمام القاهرة

ومن المؤشرات التي تستحق المتابعة أن السيسي أجرى خلال القمة لقاءات مع عدد من قادة بريكس، من بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في وقت تسعى فيه مصر إلى الحفاظ على شبكة علاقات متوازنة بين القوى الكبرى. كما أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة في مطلع سبتمبر، والتفاهم المصري الصيني بشأن دعم الرئاسة الصينية لبريكس في 2027، يضيفان طبقة مهمة إلى المشهد.

وبالنسبة لمصر، فإن الحفاظ على هذا التوازن قد يكون أحد أهم شروط النجاح. فالقاهرة لا تستطيع أن تجعل ترشحها لرئاسة بريكس يبدو وكأنه جزء من محور ضد الغرب، لأن مصر في الوقت نفسه ترتبط بعلاقات اقتصادية وسياسية وأمنية وثيقة مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج. كما أن طبيعة بريكس نفسها لا تسمح باختزالها في تحالف «معادٍ للغرب»، رغم أن بعض القوى داخل المجموعة تدفع باتجاه نظام دولي أقل اعتماداً على المؤسسات التي يهيمن عليها الغرب.

وهنا تحديداً يمكن أن تصبح مصر مرشحاً له منطق سياسي إذا استطاعت تقديم نفسها كدولة قادرة على الجسر بين دوائر متنافسة، وليس كطرف في مواجهة أحد. فالموقع الجغرافي، والعلاقات العربية والإفريقية، والاتصال بأوروبا، والعلاقات المتنامية مع الصين وروسيا والهند، تجعل القاهرة قادرة نظرياً على طرح نفسها باعتبارها منصة للتواصل بين مجموعات مختلفة من المصالح. لكن تحويل هذه الميزة الجغرافية والدبلوماسية إلى دعم فعلي للرئاسة يحتاج إلى عمل سياسي طويل وليس مجرد خطاب في قمة.

الاقتصاد هو الاختبار الحقيقي

في النهاية، فإن القيمة الحقيقية لأي رئاسة مصرية محتملة لبريكس لن تقاس بعدد اللقاءات أو الصور الرسمية، وإنما بما تستطيع القاهرة تحقيقه من نتائج عملية. فالأرقام الحالية تكشف أن العلاقة التجارية المصرية مع دول المجموعة تتوسع بسرعة، لكنها تكشف أيضاً عن فجوة كبيرة بين الواردات والصادرات. ولذلك فإن نجاح مصر في تحويل عضويتها إلى زيادة صادرات المنتجات الزراعية والغذائية والأسمدة والبتروكيماويات والصناعات الهندسية والإلكترونيات والخدمات اللوجستية سيكون أكثر أهمية من أي مكسب بروتوكولي.

وبالمثل، فإن جذب استثمارات بريكس إلى قطاعات الإنتاج والتكنولوجيا والطاقة والصناعة والنقل يمكن أن يمنح القاهرة ورقة أقوى عندما تبدأ فعلياً في التفاوض على الرئاسة. فالدولة التي تستطيع أن تقدم للمجموعة مشروعات مشتركة قابلة للتنفيذ، وممرات تجارية فعالة، وموانئ ومناطق صناعية، وربطاً بين أسواق إفريقيا وأوروبا وآسيا، ستكون أكثر قدرة على إقناع الشركاء بأن رئاستها لن تكون مجرد مناسبة سياسية، وإنما فرصة لتوسيع المكاسب المشتركة.

ماذا يعني التصريح للمغرب العربي وإفريقيا؟

إعلان السيسي يحمل أيضاً دلالة تتجاوز الحدود المصرية، لأن مصر هي إحدى الدول العربية والإفريقية الأساسية داخل بريكس. وإذا نجحت القاهرة مستقبلاً في الوصول إلى الرئاسة، فإن ذلك سيعطي القارة الإفريقية وزناً إضافياً داخل واحد من أهم أطر التعاون بين الاقتصادات الناشئة. وقد أكد السيسي بالفعل أن مصر تريد استخدام موقعها للربط بين إفريقيا وأوروبا وآسيا، ما يعني أن أي أجندة مصرية مستقبلية يمكن أن تتضمن ملفات تتعلق بالتجارة الإفريقية وسلاسل الإمداد والطاقة والأمن الغذائي والتمويل والبنية التحتية.

وهذا يجعل التطور مهماً أيضاً بالنسبة لدول المغرب العربي، لأن توسع الدور الإفريقي داخل بريكس يمكن أن يفتح نقاشاً أوسع حول كيفية ارتباط الاقتصادات المغاربية بالأسواق الآسيوية والجنوبية، وحول مستقبل الموانئ والممرات التجارية والطاقة والاستثمارات العابرة للأقاليم. وإذا تحولت مصر مستقبلاً إلى دولة قائدة لأجندة بريكس في عام من الأعوام، فإن التأثير المحتمل لن يكون مصرياً فقط، بل يمكن أن ينعكس على النقاش الإفريقي بشأن موقع القارة في النظام الاقتصادي العالمي الجديد.

الخلاصة: القاهرة أعلنت الطموح.. والمرحلة المقبلة هي اختبار القدرة

ما قاله الرئيس عبد الفتاح السيسي في نيودلهي يمكن وصفه بأنه إعلان طموح مصري واضح لرئاسة بريكس، وليس إعلاناً عن فوز مصر بالرئاسة أو تحديد موعد نهائي لها. وهذه التفرقة ضرورية حتى لا يتحول التصريح السياسي إلى خبر غير دقيق عن قرار لم يصدر بعد. المؤكد هو أن القاهرة تريد الرئاسة، وأنها أعلنت ذلك علناً أمام قادة التكتل، وأن الصين ستتولى الرئاسة في 2027، بينما لا تزال صيغة التناوب المستقبلية قيد النقاش بعد توسع العضوية.

لكن الأهم من السؤال «متى ستتولى مصر الرئاسة؟» هو سؤال آخر: ماذا تريد مصر أن تفعل إذا تولتها؟ وهنا تبدو ملامح الإجابة في خطاب السيسي نفسه: تعزيز التجارة والاستثمار، تطوير أدوات التمويل، دعم بنك التنمية الجديد، تحسين سلاسل الإمداد، حماية الأمن الغذائي والمائي والطاقة، دعم التحول التكنولوجي، والاستفادة من الموقع المصري في الربط بين إفريقيا وأوروبا وآسيا. فإذا استطاعت القاهرة خلال السنوات المقبلة أن تبني تحالفاً داعماً لهذه الرؤية، وتثبت في الوقت نفسه قدرتها على تقديم مشروعات مشتركة قابلة للتنفيذ، فإن تصريح نيودلهي قد يتحول من مجرد طموح دبلوماسي إلى خطوة أولى في طريق تولي مصر بالفعل قيادة إحدى أهم مراحل تطور بريكس.

وفي لحظة دولية تتجه فيها بريكس إلى توسيع نفوذها، بينما يتزايد الجدل حول مستقبل النظام الاقتصادي العالمي وتوازناته، فإن دخول مصر إلى سباق الرئاسة ــ حتى وإن كان في مرحلته الأولى مجرد إعلان رغبة ــ يحمل رسالة أبعد من حدود القاهرة: مصر تريد أن تكون من صانعي أجندة الجنوب العالمي، لا مجرد دولة حاضرة في اجتماعاته. ومدى نجاح هذا الطموح سيتحدد خلال المرحلة المقبلة بقدرة الدبلوماسية المصرية على تحويل العبارة التي قيلت في نيودلهي إلى شبكة تفاهمات، ثم إلى توافق جماعي، ثم إلى رئاسة فعلية ذات أجندة مؤثرة.

 

 

للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا 

للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا 

للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا 

للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا 

للمزيد من فيديوهات media maghreb  بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا 

للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا 

Share this content:

إرسال التعليق