دراسة نقدية لديوان «أبجدية الكبرياء: امرأة لا تنحني»
بقلم الأستاذ رابح الأصقع … يقدمّ ديوان «أبجدية الكبرياء: امرأة لا تنحني» للشاعرة دلال بن مداني تجربة شعرية تقوم على تحويل التجربة الشخصية إلى خطاب يتجاوز حدود الاعتراف الذاتي، ليمسّ قضايا الحب والذاكرة والخذلان والكرامة والحرية والإيمان والأسرة والوطن.
ولا تبدو قصائد الديوان، رغم استقلال كل نص بعنوانه وبنيته، جزرًا منفصلة؛ إذ يمكن قراءتها بوصفها محطات في مسار تشكّل ذات شعرية أنثوية تنتقل من التعلّق بالآخر إلى استعادة علاقتها بذاتها. ومن هنا يكتسب عنوان الديوان دلالته العميقة؛ فـ«الكبرياء» لا يأتي بوصفه تعاليًا أو رفضًا للحب، وإنما بوصفه ثمرة تجربة طويلة من الحب والألم والانتظار والانكسار والنهوض.
وقد امتدت تجربة الشاعرة في الكتابة أكثر من ثلاثة عشر عامًا، الأمر الذي يجعل الديوان أقرب إلى سجل شعري لتحولات الذات منه إلى مجموعة قصائد كتبت في زمن واحد أو تحت تأثير حالة شعورية واحدة.
أولًا: العنوان بوصفه مفتاحًا لقراءة الديوان
يتكون العنوان من بنيتين دلاليتين: «أبجدية الكبرياء» و«امرأة لا تنحني».
تحيل كلمة «أبجدية» إلى الحروف الأولى التي تتشكل منها اللغة، لكنها هنا تتجاوز معناها المعجمي لتوحي بمجموعة من التجارب والمواقف التي أسهمت في بناء شخصية المرأة الشاعرة. فالكبرياء في الديوان ليس صفة جاهزة، وإنما معرفة تتكون بالتجربة.
أما عبارة «امرأة لا تنحني» فلا تعني امرأة لم تعرف الضعف أو الألم، بل امرأة عرفت الانكسار ولم تسمح له بأن يصبح تعريفًا نهائيًا لها. ولهذا تتكرر في الديوان مفردات مثل: الكبرياء، العز، الضوء، الشمس، الجبل، النار، الرماد، النهوض، الحرية والطريق.
وهكذا يصبح العنوان مركزًا دلاليًا ينتظم حوله جانب كبير من التجربة الشعرية.
ثانيًا: الديوان سيرة تحول من «الآخر» إلى «الذات»
من أبرز خصائص الديوان أنه يرسم حركة نفسية واضحة تبدأ بالتعلق وتنتهي باستعادة الذات.
في مرحلة الحب والتعلق يظهر الآخر بوصفه وطنًا وأمانًا وذاكرة، كما يتضح في قصائد مثل «صلاة عاشقة» و«ورطة الحنين» و«أينسى الحب؟» و«كبرياء عاشقة».
وفي «ورطة الحنين» تقول الشاعرة:
«حتى غدوتُ الجرحَ والحلمَ… والوطنَا»
فتكشف هذه الصورة أن الحبيب لم يكن مجرد موضوع عاطفي، بل أصبح فضاءً نفسيًا تحاول الذات أن تجد فيه الأمان والانتماء.
لكن هذا التعلق يتعرض لاحقًا للصدمة والفقد، فتظهر مفردات الجرح والرماد والغياب والفراق والدمع والنار. وهنا تبدأ المرحلة الأكثر أهمية في الديوان: مرحلة العودة من «هو» إلى «أنا».
في قصائد مثل «بذاكرتي انتهيت» و«مراسم الحرية» و«بيان الكبرياء» يتحول الفراق من حدث مؤلم إلى قرار بالتحرر وإعادة بناء الذات.
وتظهر هذه الفكرة في قول الشاعرة:
«أنا امرأة إذا انكسر الوهم فيها تعيد بناء نفسها من البدايات وتختار»
فالذات هنا لم تعد تنتظر خلاصها من الآخر، بل أصبحت قادرة على إعادة بناء نفسها.
وبذلك تتحول الحرية من مجرد موقف تجاه الآخر إلى حالة داخلية من الاستقلال النفسي.
ثالثًا: صورة المرأة والكبرياء
المرأة في الديوان ليست صورة ثابتة، وإنما شخصية متعددة الوجوه والمراحل؛ فهي العاشقة، والمنتظرة، والمجروحة، والغاضبة، والمتمردة، والأم، والابنة، والمؤمنة، والواثقة بذاتها.
وهذا التعدد يمنح التجربة صدقًا ونضجًا؛ لأن الشاعرة لا تلغي المرأة التي كانتها، وإنما تعترف بمراحلها وتحوّلها إلى جزء من رحلة الوعي.
ومن هنا فإن «امرأة لا تنحني» ليست امرأة بلا ضعف، وإنما امرأة تعرف كيف تحول ضعفها إلى قوة، وألمها إلى وعي، وانكسارها إلى بداية جديدة.
كما أن الديوان لا يضع الحب والكرامة في مواجهة مباشرة؛ فالشاعرة تستطيع أن تحب بعمق، لكنها ترفض أن يكون الحب سببًا لفقدان الذات.
وفي «كبرياء عاشقة» تقول:
«أنا لا أحبك مثل باقي العاشقين»
ثم تقول:
«أعطي إذا أعطيت صدقًا كاملاً»
لكنها تؤكد في المقابل:
«قلبي عزيز لا يباع لطارق»
وهنا يصبح الكبرياء حدًا يحمي الحب ولا يلغي وجوده.
رابعًا: المعجم والصورة الشعرية
يتأسس الديوان على مجموعة من الحقول المعجمية المتداخلة، من أبرزها:
- معجم الحب: الحب، العشق، الهوى، الحنين، القلب، الروح، الوصال.
- معجم الجرح: الفراق، الخذلان، الرماد، النار، الدمع، الغياب، الانكسار.
- معجم القوة: الكبرياء، العز، المجد، الجبل، الشمس، الضوء، النهوض.
- المعجم الروحي: الله، الدعاء، السجود، القدر، الرحمة، الهداية، الإيمان.
- المعجم الوطني: فلسطين، القدس، الأقصى، العروبة، الأمة، الوطن، الضاد.
ورغم هذا التنوع، تبقى الذات الإنسانية هي الخيط الذي يجمع هذه الحقول.
وتبرز في الديوان مجموعة من الرموز المتكررة، أهمها الشمس والضوء والرماد والجبل والنار.
ففي «لا أستعير الضياء» تقول الشاعرة:
«أنا الشمس لا أستعير ضياءها»
وتتحول الشمس هنا إلى رمز للاكتفاء الذاتي؛ فالضوء لم يعد مستمدًا من الآخر، بل أصبح نابعًا من الذات.
أما الرماد فيرتبط بالنهاية والحريق، لكنه يتحول في سياق التجربة إلى بداية لإعادة البناء. ويجسد الجبل معنى الثبات والصمود، بينما تتعدد دلالات النار بين الحب والغضب والألم والتحول.
وهذه الرموز تمنح الديوان وحدة داخلية، وإن كان تكرار بعضها في مواضع متعددة يستدعي مستقبلًا مزيدًا من التنويع في طرائق توظيفها.
خامسًا: الشعر بوصفه فعل مقاومة وعلاجًا للذات
من أكثر الجوانب خصوصية في تجربة دلال بن مداني أن الكتابة لا تظهر بوصفها وسيلة لتسجيل الألم فحسب، وإنما بوصفها وسيلة لتحويله.
تقول الشاعرة:
«ما الشعر إلا قبضةٌ من أضلعي»
وفي «بياض الروح» تقول:
«ما عاد يركع للعواصف خائفًا، بل صار يفتح للضياء خيامي»
فالألم يدخل القصيدة فيخرج منها معنى، والخوف يدخلها فيتحول إلى معرفة، والانكسار يدخلها فيتحول إلى قوة.
ومن هنا يمكن قراءة الديوان بوصفه رحلة استشفاء شعري؛ فالكتابة تساعد الذات على فهم ما عاشته، وإعادة صياغته، ومنحه معنى جديدًا.
غير أن القيمة الأدبية للتجربة لا تقوم على كون الشاعرة متخصصة في علم النفس فحسب، وإنما على قدرتها على تحويل المعرفة والتجربة إلى لغة شعرية. فخلفية الشاعرة النفسية تمنح النص عمقًا في فهم المشاعر والتحولات، لكنها لا تحل محل الشعر، وهو ما يظل معيارًا أساسيًا في قراءة الديوان.
سادسًا: التحول من الحب الإنساني إلى الإيمان
لا يتوقف الديوان عند حدود التجربة العاطفية، بل يتوسع تدريجيًا نحو المجال الروحي.
ففي البدايات قد يظهر الحبيب بوصفه مصدرًا للأمان، بينما تتجه الذات لاحقًا إلى مصدر أعمق للطمأنينة يتمثل في الإيمان بالله.
وتتضح هذه النقلة في قصائد مثل «نفحات الهدى» و«سفر المآل» و«إلى الله وحده» و«ما وراء القدر».
وهنا يتحول السؤال من:
من ينقذني؟
إلى سؤال أكثر عمقًا:
إلى من أعود؟
وبذلك لا تنتهي الرحلة الشعرية بانتصار الشاعرة على شخص أو علاقة، وإنما بانتصارها على الصورة القديمة للذات التي كانت تبحث عن قيمتها وأمانها في الآخرين.
سابعًا: الأسرة والوطن واتساع دائرة الحب
تتسع التجربة في قصائد «أمي وصية السماء» و«أبي سيد العمر» و«ابني» لتقدم أشكالًا أخرى من الحب أكثر رسوخًا.
فالأم تظهر بوصفها رمزًا للعطاء والحنان، والأب بوصفه مصدرًا للأمان والامتنان، بينما يتحول الابن إلى معنى للاستمرار والحياة.
وبذلك ينتقل مفهوم الحب من العلاقة العاطفية إلى شبكة أوسع من الروابط الإنسانية.
ثم يتسع الصوت الشعري أكثر في قصائد مثل «فلسطين آخر الأنبياء في الجراح» و«نشيد الأمة» و«عز العروبة» و«هي مصر»، حيث تنتقل الذات من «أنا» الفردية إلى «نحن» الجماعية.
وتصبح فلسطين رمزًا للكرامة والصمود، وهو ما يجعل حضورها منسجمًا مع مركز الديوان القائم على رفض الانحناء أمام القهر.
كما تظهر اللغة العربية في «عز العروبة» بوصفها هوية وانتماءً حضاريًا، وتتحول «الضاد» إلى رمز ثقافي يتجاوز اللغة إلى الهوية.
ثامنًا: الإيقاع والخطاب الشعري
يميل الديوان في عدد من نصوصه إلى الشعر العمودي والقافية المنتظمة، مع حضور واضح للموسيقى الشعرية والتكرار والإيقاع القوي.
ويتناسب هذا الإيقاع مع طبيعة القصائد التي تتجه إلى الإعلان والمواجهة، خاصة في نصوص مثل:
«صوت الغضب» و«بيان العصيان» و«مراسم الحرية» و«بيان الكبرياء».
وتتميز هذه القصائد بكثرة الخطاب المباشر وأفعال الحركة والمواجهة، مثل: أنت، أنا، لن أعود، لن أنحني.
ويمنح هذا الأسلوب النص طاقة خطابية واضحة، لكنه يحتاج أحيانًا إلى التوازن مع الإيحاء والصورة؛ لأن الشعر يزداد قوة حين يترك للقارئ مساحة لاكتشاف المعنى، بدل التصريح به في كل موضع.
كما يمكن تسجيل ملاحظة فنية تتعلق بالقافية؛ ففي بعض المواضع تبدو الفكرة وكأنها تتجه نحو القافية بدل أن تأتي القافية نتيجة طبيعية للمعنى. ولذلك يمكن في الطبعات اللاحقة مراجعة بعض الأبيات التي تكون وظيفتها الأساسية استكمال القافية، والإبقاء على ما يضيف صورة أو معنى أو إيقاعًا ضروريًا.
تاسعًا: أبرز نقاط القوة والملاحظات النقدية
يمتلك الديوان مجموعة من عناصر القوة، أبرزها:
أولًا: صدق التجربة.
فالنصوص تحمل أثر تجربة معيشة، وهو ما يمنحها حرارة وجدانية واضحة.
ثانيًا: وضوح المشروع الشعري.
فاستعادة الذات تمثل مركزًا دلاليًا تتقاطع حوله موضوعات الحب والخذلان والحرية والكبرياء.
ثالثًا: وحدة المعجم والرموز.
فالضوء والشمس والرماد والنار والجبل والروح والكرامة تتكرر لتؤسس هوية خاصة للديوان.
رابعًا: التدرج النفسي.
إذ يستطيع القارئ تتبع الانتقال من التعلق إلى الألم، ثم إلى الغضب والتحرر والمصالحة.
خامسًا: التنوع الموضوعي.
فالديوان لا يبقى محصورًا في الحب، بل يمتد إلى الأسرة والدين والوطن والهوية وفلسطين.
ومع ذلك، يمكن تسجيل بعض الملاحظات التي قد تفيد التجربة في مراحلها المقبلة، أهمها تكرار بعض الصور والمعاني، وارتفاع النبرة الخطابية في بعض القصائد، وتقارب عدد من النصوص في الرسالة العاطفية.
وهذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة التجربة، بل تمثل مجالًا طبيعيًا للتطور؛ إذ إن الشاعر لا يكتفي بصدق التجربة، وإنما يعمل مع الزمن على تنويع أدواته الفنية وتكثيف الصورة وتقليل التكرار.
ومن أهم القواعد الفنية التي يمكن أن تفيد الشاعرة في أعمالها القادمة:
كلما أمكن تحويل الفكرة إلى صورة، أصبح الشعر أكثر قوة.
فعبارة «أنا قوية» تصرح بالفكرة، بينما عبارة مثل:
«أنا الشمس لا أستعير ضياءها»
تحول القوة إلى صورة شعرية قابلة للتأويل والتذكر.
عاشرًا: شهادة نقدية
وتتأكد هذه القراءة من خلال التقديم النقدي للأستاذ والناقد الأدبي سطايحي أعمر، الذي يرى أن قصائد دلال بن مداني:
«تولدت من الألم»، وأن الشاعرة استطاعت، من خلال تجربتها وكفاحها وصبرها، أن تحول الآلام إلى آمال، والخوف إلى شجاعة، والانكسارات إلى وثبات، والمحن إلى منح.
كما يلفت الناقد إلى خصوصية التجربة من خلال خلفية الشاعرة النفسية، وعنايتها باللغة والمعجم الشعري، وتأنيها في إصدار الديوان الذي امتدت تجربته على مدى ثلاثة عشر عامًا.
وتنسجم هذه القراءة مع جوهر الديوان؛ فالألم فيه لا يمثل نهاية الطريق، بل يتحول إلى وعي وقوة، وتصبح الكتابة وسيلة لاستعادة الذات وإعادة تشكيلها.
خاتمة
يمكن النظر إلى «أبجدية الكبرياء: امرأة لا تنحني» بوصفه ديوانًا يقوم على ثنائية أساسية: الانكسار والنهوض.
فالمرأة التي تظهر في بدايات التجربة عاشقةً ومتعلقةً ومنتظرة، لا تختفي في نهاية الرحلة، وإنما تعيد اكتشاف نفسها وتمنح ماضيها معنى جديدًا.
ومن الحب إلى الخذلان، ومن الجرح إلى الحرية، ومن التعلق إلى الاستقلال، ومن الذات الفردية إلى الأسرة والوطن والإيمان، تتشكل رحلة شعرية قوامها الأساسي استعادة الإنسان لذاته بعد أن ظن أنه فقدها.
وهنا تكمن القيمة الأبرز للديوان: فهو لا يقدم الكبرياء بوصفه قسوة أو تعاليًا، بل بوصفه معرفة بالذات، وحدودًا تحفظ الكرامة، وقدرة على النهوض بعد السقوط.
إنها، في النهاية، أبجدية امرأة كتبت حروفها من الألم، ثم أعادت ترتيبها في كلمات من القوة، حتى أصبحت القصيدة نفسها شاهدًا على رحلة التحول.
للمزيد عن أخر أخبار الجزائر إضغط لدخول قسم الجزائر الأن هنا
للمزيد من أخبار افريقيا إضغط لقسم العالم الأن افريقيا هنا
للمزيد من أخبار المغرب العربي إضغط للدخول لقسم المغرب الكبير الأن هنا
للمزيد عن أخبار حكومة الجزائر إضغط للدخول لقسم الجزائر الأن وطنى هنا
للمزيد من فيديوهات media maghreb بالذكاء الإصطناعي وفيديوهات أخري إضغط هنا
للمزيد من إنفوجرافات media maghreb الإقتصادية إضغط هنا
Share this content:



إرسال التعليق